قراءة في كتاب "فكر حركة الاستنارة وتناقضاته للمسيري"

يعدّ كتاب “فكر حركة الاستنارة وتناقضاته” لمؤلفه الدكتور عبد الوهاب المسيري أحد الكتب المهمة والجديرة بالقراءة رغم صغر حجم الكتاب؛ حيث إنه يسلط الضوء على مدرسة فلسفية مهمة أسهمت في بلورة الفلسفة الغربية المعاصرة؛ حيث يظهر لنا هذا جلياً حينما نتحدث عن العلمانية أو الحداثة أو ما بعد الحداثة , فكل هذه المفاهيم نجد لها جذوراً في فكر حركة الاستنارة, كما تكمن أهمية الكتاب كذلك في كونه أرضية مهمة عرض فيها الكاتب بعض الأفكار الممهدة لدخول و فهم مشروعه الفلسفي العميق.
ولقد حاولت خلال هذه القراءة المتواضعة أن أسلط الضوء على معظم الأفكار التي تناولها الكتاب, بفهرس المؤلف نفسه حيث تناولت القراءة “مصطلح “الاستنارة” في الخطاب الفلسفي العربي”ثم” أصول فكر حركة الاستنارة وبعض مصادرها وبعض التناقضات الكامنة في فكر حركة الاستنارة.
مصطلح “الاستنارة” في الخطاب الفلسفي العربي:
يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن الدراسات العربية التي تناولت فكر حركة الاستنارة كانت عموماً دراسات سطحية تميل إلى التعريفات السهلة البسيطة العامة [1] ولا ترقى لتقديم نموذج تفسيري مركب نقدي يطمح إلى إعطاء صورة أكثر عمقاً من تلك التي تتداول في الساحة الفكرية العربية؛ وذلك باستخدامها لمجموعة من التعريفات التي تختزل فكر حركة الاستنارة في مجموعة من الأهداف النبيلة التي لا يمكن للإنسان أن يختلف معها[2].
وهذا يظهر لنا جلياً في تعريفات مثل: “شجاعة استخدام العقل” [3] “لا سلطان على العقل إلا سلطان العقل” [4] أو عبارة كانط الجسورة: “كن جريئاً في إعمال عقلك” أو التعريف المعجمي الذي يرى حركة الاستنارة على أنها “حركة فلسفية في القرن الثامن عشر تتميز بفكرة التقدم, وعدم الثقة بالتقاليد, وبالتفاؤل والإيمان بالعقل, بالدعوة إلى التفكير الذاتي والحكم على أساس التجربة الشخصية ” [5]؛ فكما أسلفنا سابقاً فإن هذه التعريفات تتوقف فقط في إعطاء مجموعة من الأماني والأهداف النبيلة التي لا يمكن للإنسان أن يرفضها, ولكنها في المقابل تغفل جانباً مهماً وهو ما مدى تحقق متتالية الأماني والأهداف التي تعد بها حركة الاستنارة على أرض الواقع , كما يظهر لنا جلياً كذلك أن جل هذه التعريفات التي تناولت فكر حركة الاستنارة أعطت الأولوية للعقل وسلطت الضوء على ضرورة استخدامه متجاهلة تحديد نوع العقل الذي يجب استخدامه؛ أ هو العقل المادي الأداتي الصرف الذي يسعى لتفسير الأمور والظواهر بشكل مادي محض, أم هو العقل القادر على تجاوز المادة ؟[6].
و عدّ عبد الوهاب المسيري أن سبب النقل الدؤوب الذي يقوم به الفكر العربي العلماني لأطروحات الاستنارة يرجع أساساً إلى عدم انفتاحه على الحضارات “العالمية” بالشكل المطلوب حيث أنه يكتفي بانفتاحه المطلق على الحضارة الغربية التي لا تتعدى الفكر الماركسي والليبيرالي المتجسد أساساً عند فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا, ويجهل بشكل تام أي شيء متعلق بالاستنارة الصينية مثلا[7]؛ ظانّاً أن الأنموذج الغربي للاستنارة هو الأنموذج الوحيد الذي يُعنى بقضايا النهضة والإصلاح و التقدم, غير مدرك أن فكر الأنوار الذي يتبناه الغرب ليس فكراً عالمياً بل هو فكر غربي ينتمي للمعجم الفلسفي والحضاري الغربي, ولا يعرف كذلك أن هذا الأنموذج الغربي المادي عرف إخفاقات كبيرة من بينها أنه عجز على أن يقضي على المجهول (الُمظلم) رغم زعمه في بادئ أمره أن رقعة المجهول ستنكمش إلى أن تنعدم على حساب المعلوم؛ و سوف يقدر الإنسان أن يـتحكم في الواقع انطلاقاً من القواعد والقوانين التي ستصبح معلومة لديه كلها, غير أن هذا الحلم التنويري أصبح سراباً؛ حيث إنه عجز على تقديم الحلول بل وقد ساهم في تأجيج الصراعات وظهور المتناقضات و نشوب الحروب المدمرة العالمية/الغربية وإسهامه كذلك في تدمير الطبيعة صانعة بذلك أرضية خصبة لخروج حركات لاعقلانية عبثية تعادي العقل وتبشر بنهاية التاريخ و تفكيك الإنسان [8].
أصول فكر حركة الاستنارة و بعض مصادرها:
يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن جذور حركة الاستنارة التاريخية ترجع أساساً إلى القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر حيث عرفت أوروبا حينها انتشاراً واسعاً للفلسفات العقلية المادية الآلية بين الجمهور المتعلم والنخبة الثقافية السياسية [9] من أمثال أعضاء الجمعية الملكية البريطانية, أعضاء الأكاديمية الفرنسية للعلوم, وأعضاء المحافل الماسونية والجماعات الإليوميناتية و الروزيكروشيان السرية[10]؛ وذلك تأثر منهم بأدبيات وكتابات فكر عصر الاستنارة مثل كتب فرانسيس بيكون وخاصة مؤلفه “نوفوم أورجانوم – Novum Orgunum” وكتابات تومس هوبس الصارمة في ماديتها مروراً بحلولية باروخ سبينوزا وإمبريقية جون لوك ونظرة إسحاق نيوتن الآلية للكون وغيرهم من أمثال: جون جاك روسو ومونتسكيو وفولتير وجوليان دي لامتري وكانط وآدم سمث وتومس بن ووتومس جيفرسون وغيرهم الكثير ممن أسهم في إنشاء فلسفة حركة الاستنارة القائمة أساساً على رؤية مادية عقلانية تربط العقل بالطبيعة / المادة هذا ما يثمر رؤية للتاريخ والأخلاق والجمال .. إلخ ويحل العقل محل الإنسان بدل أن يكون الثلاثي المفترض هو الإنسان والإله والطبيعة وذلك كما هو الحاصل عند معظم المنظومات الفلسفية الموجودة [11].
- عقل الإنسان:
الفلسفة الاستنارية فلسفة عقلية تعطي المركزية لاستخدام العقل؛ حيث أن هذا الأخير باستخدامه لقواعد المنطق والحواس والتجريب يستطيع أن يتجاوز الزلل والخطأ ومنه حسب التصور الاستناري فعلى العقل أن يرفض كل الحقائق المتجاوزة للطبيعة/المادة مثل الأساطير والأوهام والغيبيات والخرافات والمعتقدات والمسلمات التي لا تسلم بجدارة المادة على تفسير كل الظواهر, ولكن في واقع الأمر – حسب الدكتور عبد الوهاب المسيري – فإن العقل الاستناري يظهر على صورتين الأولى هي العقل الفعال وهو تجسيد للتصور الكانطي للعقل؛ حيث يرى كانط أن العقل يستبطن مجموعة من الأفكار والمقولات التحليلية الكامنة والفطرية هي المسؤولة على تحويل الحقائق (المادية) إلى حقيقة وكليات [12], وأما الصورة الثانية التي يظهر عليها العقل فهي العقل السلبي المتلقي وهو التصور السائد عند فلاسفة الاستنارة الذين اهتموا بوضع أسس نظرية استنارية للعقل؛ حيث إنهم نظروا للعقل على أنه مادة تسجل وتُراكم كل الأفكار بشكل مادي وآلي وذلك انطلاقا من الإدراكات الحسية وبتراكم هذه الأفكار البسيطة فإنها تتفاعل وتتلاحم وبشكل آلي وتراكمي وتدريجي لتنتج لنا أفكاراً أكثر تركيباً إلى أن تصل للأفكار الكلية [13]؛ وعموماً أياً كان العقل سواء العقل الفعال أو السلبي المتلقي, فإن النظرة الاستنارية للعقل تنتهي لجعل العقل يحِل محل الإله وذلك لأنها تؤمن أن العقل قادر على أن يدرك الواقع بكفاءة وجدارة عالية تخول له أن يصل إلى قواعد وقوانين تتيح له التحكم في الكون والهيمنة عليه ومنه كما أسلفنا فإن العقل هنا يحل محل الإله في المنظومات الدينية [14].
- الطبيعة:
يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن على دعاة الاستنارة أن ينظروا للطبيعة على أنها “مستودع القوانين المعرفية والأخلاقية والجمالية, ومنها يستمد الإنسان معياريته” [15] و أنها هي المرشد للإنسان والهادية له لبلوغ مصلحته وتحقيق تقدمه اللامتناهي وترشيد سلوكه الإنساني[16] ؛ هذا ما جعل الطبيعة منطلقاً لتأسيس مجموعة من المفاهيم مثل الخير والجمال والحق؛ مما تفرع عنه ظهور الدولة الطبيعية والإنسان الطبيعي والقانون الطبيعي والدين الطبيعي والأخلاق الطبيعية وغيها [17] .
- الإله:
يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن الفكر الاستناري تأرجح في نظرته للإله بين الإلحاد الصريح والربوبية [18]؛ غير أن هذا الأمر لم يظهر جلياً إلا ابتداء من الفلاسفة الموسوعيين الفرنسيين وخاصة فولتير المتأثر بأفكار جون لوك؛ هذا الأخير الذي كان ربوبياً “يؤمن بأن الإله هو المحرك الأول , وأن ثمة علة نهائية وعقلاً أعلى ومهندساً أسمى للكون. والإله ليس جوهراً مستقلاً وإنما هو حال في الطبيعة جزء لا يتجزأ منها وتنكمش إرادته وتتقلص لتصبح هي مبدأ الحركة الأولية في الطبيعة” [19], وتتطور هذه النظرة المادية والحلولية للإله إلى أن نصل لبيير كابانيس هذا الطبيب الذي كان ينظر للإنسان على أنه مادة خالصة “يمكن اختزاله إلى عمليات بيئية وكيميائية وفيزيولوجية ويمكن تحليله كما تحلل المعادن والخضراوات ويحلل فكره كما يحلل العناصر الكيميائية وتُرد أحواله النفسية إلى العوامل المادية المختلفة” [20] وهذا كان حال كل الفلاسفة الذين ذكرهم الدكتور المسيري حيث إنهم سلكوا مسلك النظر للإله من مسلك مادي حلولي اختزالي ولم يُنظر له بأنه الإله المفارق الطبيعة/المادة.
يقظة فكر
http://feker.net/ar/2015/12/09/24224/
قراءة في كتاب: فكر حركة الاستنارة وتناقضاته للمسيري [2/2]
قراءة: عثمان أمكور
بعض التناقضات الكامنة في فكر حركة الاستنارة:
بعد ما أن عرضنا أفكار الدكتور عبد الوهاب المسيري ونظرته حول أصول فكر حركة الاستنارة والاستقبال العربي لها سنعرض الآن لبعض أفكار هذه الحركة التي يرى الدكتور أنها متناقضة والتي تزيل وهم الاتساق الذي قد تبدوا للبعض في أول وهلة حيث إن هذه الحركة “المادية العقلانية” كما يحب المسيري وصفها تعرف تناقضات كبيرة في مجال نظرية المعرفة والفرد والدولة والنظام الاقتصادي والنظرة للتاريخ وغيرها.
أولاً: في مجال نظرية المعرفة:
إن النظرة العقلانية المادية الحلولية التي يعرب عنها فكر حركة الاستنارة يحتم عليه أن ينكر فكرة المركز المتجاوز للمادة؛ حيث إن فلسفة فكر حركة الاستنارة حسب عبد الوهاب المسيري قائمة بالأساس على الإيمان بوجود المركز الحال في المادة؛ هذا ما يجعل الحقيقة بدورها أمراً غير مفارق للطبيعة/المادة [1]؛ وأن هذا العالم حالة فيه مجموعة من القوانين والقواعد هي التي تفسر حركيته وديناميكيته وعلى أن للعقل الإنساني الكفاءة اللازمة لاستيعاب هذه القوانين وذلك من خلال استعماله للعقل كأداة مؤهلة لاستيعاب الحقائق, غير أن هذا يضعنا أمام إشكالية مهمة بالنسبة للمنظومات المعرفية المتخذة الطبيعة/المادة مرجعية لها وهي ضرورة تحديد لمن تؤول المرجعية النهائية هل للطبيعة أم للعقل؟
يرى د.المسيري أن هذا الجدل الفلسفي يحسم في الغالب لجعل الطبيعة/المادة هي المركز والإنسان حسب هذه الفلسفة المادية الكامنة لا يعدو أن يكون إلا تابعاً سلبياً للطبيعة لا يملك إلا أن يتلقى قوانين الطبيعة ويذعن لها حيث أن الإنسان لا يتعدى أن يكون “إن هو إلا مادة في حالة حركة” [2].
ثانيا : الخاص والعام ( الجزء والكل)
إن المركزية المتبناة من طرف دعاة فكر حركة الاستنارة في مرحلتها الهيومانية القائمة على مركزية الإنسان كان يقيم استقلالية بين الخاص والعام, غير أن هذه الاستقلالية ستعرف اضمحلالاً وتلاشياً تدريجياً لصالح مركزية المادة على حساب المركزية الإنسانية؛ ومركزية العام على حساب الخاص؛ ذلك لأن هذه التفرقة تفتقد لأساس حقيقي ومنه “يذوب الخاص في العام و يدوي الاهتمام بالخاص والفردي ويفقد الإنسان خصوصيته, فليس هناك ما يميزه عن بقية الكائنات. وبدلاً من الإنسان المليء بالأسرار, الفردي المتفرد, صاحب العقل والمركزية, يظهر الإنسان الذي يجسد القوانين التي يمكن رصدها ومعرفتها والتحكم فيها” [3], ومنه ومع تسارع الحس الاستهلاكي والغزو العولمي تمت عملية جرف لكل الخصوصيات المتعلقة بالمجتمعات حيث تمت إذابتها في هذا القالب العولمي فاقدة بذلك كل خصوصية؛ مرسخة بذلك تبعيتها لهذا التيار الجارف والمكتسح واضعة حداً بل نهاية للخاص على حساب العام.
ثالثا : الفرد والدولة:
يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن نظرة فكر حركة الاستنارة للمسألة السياسة المتمثلة في علاقة الفرد والدولة أسست في بادئ الأمر انطلاقا من المركزية الهيومانية التي كانت تنظر للإنسان أنه مؤهل انطلاقاً من عقله السليم في تأسيس نظام سياسي رشيد ومستنير يسود فيها التسامح والتعدد [4]؛ هذا ما أهلهم في تأسيس عقد اجتماعي يستند إلى عقلنة تعاقدية قائمة على تنازل الأفراد على جزء من حرياتهم ظاهرة بذلك أفكار المساواة وحقوق الإنسان والحرية والديمقراطية الحديثة [5], و انطلاقا من هذه الرؤية المادية التعاقدية “أكد المستنيرون على ضرورة فصل الدين عن الدولة وعن رقعة الحياة العامة التي يمارس فيها المواطن حقوقه وحرياته والتي يحتكم فيها إلى عقله وحسب ” [6]؛ كل هذا سيعطي في النهاية حسب د.المسيري المركزية للدولة ويمنحها حق التغول والتنفذ على الناس, جاعلة من المجال السياسي مسرحاً صراعياً بامتياز.
رابعا : النظام الاقتصادي:
إن النظام الاقتصادي حسب د.المسيري هو مجال خصب قادر على إظهار التناقضات الكامنة في فكر حركة الاستنارة بشكل جلي؛ حيث أنه يرى أن النظامين الاشتراكي والرأسمالي أثبتا عجزيهما على تحقيق أهدافهما؛ مثل حرية الإنسان ورفاهيته والسعي إلى العدالة الاجتماعية دون تدخل من الدولة, غير أن سعيهما انتهى لجعل الدولة هي المتدخل الأقوى في كل شيء وأن الفرق الوحيد بينهما أن النظام الأول يستعمل “إعلانات التلفزيون” والثاني يستعمل “جهاز الأمن” ومنه تعلوا إرادة القانون العام على حساب المركزية الإنسانية [7].
خامسا: العلم والتكنولوجيا:
يعتبر المسيري أن المجال العلمي التكنولوجي حسب الفكر الاستناري لن يعرف قفزات كبيرة وإنجازات مهمة إلا بعدما يتخلص بشكل تام وكلي من أعبائه الأخلاقية والفلسفية؛ حيث إن هذا التحرر هو الذي سيخول له اكتشاف أسرار الطبيعة وسبر أغوار الطبيعة, صانعاً بذلك “الفردوس الأرضي”[8], غير أن هذا الحلم المتمركز حول الإنسان سرعان ما سيتحول إلى مركزية الطبيعة/المادة هذا ما يعني “إخضاع الإنسان نفسه للتجريب العلمي دون غائية إنسانية أو هدف أخلاقي, حتى يتم إنارته تماما واكتشاف قوانينه ومن ثم التحكم فيه, الأمر الذي يؤدي إلى القضاء على الإنسان كما نعرفه ككائن مركب متجاوز للطبيعة” [9] ويظهر لنا هذا جلياً مثلاً في الحروب حيث أن المعدات العسكرية اليوم أضحت قادرة على تدمير البشرية برمتها والاختلالات البيئية وانتشار أمراض جديدة فتاكة كل هذا يدفعنا للقول إن العلم الإنساني أصبح غير إنساني مدمرًا للإنسان.
سادسا: التاريخ:
لقد اهتم فكر الاستنارة بالتاريخ بشكل كبير وهذا يظهر لنا بشكل ملحوظ حينما ننظر لحجم الإسهام الذي بذله هذا التيار في التاريخ؛ غير أن هذا الاهتمام انقسم إلى رؤيتين، واحدة: متمركزة حول الإنسان، وأخرى: متمركزة حول الطبيعة؛ حيث إن النظرة التي ترى مركزية الطبيعة تنظر للتاريخ على أنه “تجسيد للقانون الطبيعي” [10]حيث يكون التاريخ حسب هذه النظرة “مجرد تراكم لمعلومات و حقائق حضارية مصطنعة تُبعد الإنسان عن حالة الطبيعة الأولى (المرجعية النهائية). وهنا يصبح التقدم اغتراباً عن جوهر الإنسان (الطبيعي)” [11]غير أن هذه القراءة حسب د.المسيري تحيلنا لأفكار معادية للتاريخ مثل تلك التي ترغب أن تعود بالإنسانية للحالة البدائية كما هو الحاصل عن الشيوعيين أو مثلاً مروراً بأصحاب النظرية الثورية الجذرية انتهاء بأفكار تعلن عن نهاية التاريخ [12] كل هذا جعل من التاريخ حسب النظرة المادية لا يتعدى كونه تجسيد للقانون العام الذي يطوق الإنسان بحتمية قوانينه الخالية من الغرض الإنساني.
سابعا: النظرية الأخلاقية:
يرى الفكر التنويري انطلاقاً من الأرضية الأخلاقية أن الإنسان خيِّر بطبعه ولا يضمر أي شر وأن الباحث عن المصلحة بشكل تنويري يجنبه السقوط في شرك التناقض مع مصالح الآخرين هذا حسب التصور المتمركز حول الإنسان؛ غير أن تأثير الطبيعة/المادة على الإنسان لا يمكن نفيها فهي واضحة في مسار تكوينه وتشكيله, وتعد الفلسفة النفعية امتداداً لهذه النظرة المتمركزة حول الطبيعة/المادة حيث إن هذه الأخيرة أعطت الأسبقية للأحاسيس الفيزيائية على حساب المفاهيم الأخلاقية [13]؛ ومنه يهمل الجانب الروحي على حساب الجانب المادي الرامي للذة والإشباع ومنه تصبح “العواطف الإنسانية إن هي إلا تعبير عن حركة المادة” [14]؛ كل هذا يظهر لنا ما مدى حجم التناقض الحاصل بين النموذجين على المستوى الأخلاقي ويرى المسيري كذلك أن هذا التناقض يحسم عادة لصالح الطبيعة/المادة, غير أن أحد أكبر الإشكالات التي يواجهها التوجه الأخلاقي بصيغته المادية هي مشكلة الشر في ما يخص نشأة والتفسير وكيفية المحاربة وهنا يرى المسيري أن “الإنسان الذي لا يعرف الشر ولا يختاره, لا يعرف الخير ولا يختاره, فهو إنسان مسلوب الإرادة ومسلوب الحس الأخلاقي وليس عنده وعي خاص, فهو إنسان طبيعي” [15] يسوده القانون الطبيعي.
غير أن أكبر معضلات التصور الأخلاقي الطبيعي هو كيفية معرفة الأخلاقي من غير الأخلاقي ؛ حيث أن التصور المادي يحتم على الإنسان يرسخ التصور السببي المبطل إلزاماً استقلالية وحرية الإنسان, ومن جهة أخرى فإن عقل الإنسان غير مؤهل لمعرفة الفوارق الحاصلة بين الخير والشر بمفرده فمقدرته لا تستطيع أن تتجاوز إطار الملاحظة والتجريب ولا ترقى إلى التمييز بين الخير والشر [16] كل هذا يجعلنا أمام تناقضات حادة في مجال الأخلاق تجعلنا نعيد النظر حول جدوائية الفكر الاستناري من أساسه.
خاتمة
ومن هنا, يظهر لنا بشكل جلي طرح الدكتور عبد الوهاب المسيري في ما يخص الفلسفة الاستنارية؛ حيث أظهر لنا دعائم هذا الفكر المعرفية وأسسه الفلسفية, كما أظهر بعض تناقضات هذا التيار الفكري وتأزماته مظهراً ضرورة تجاوز طرحه بطرح جديد قادر على حل هذه التناقضات الكامنة داخله.

إضافة تعليق