قراءة في كتاب "لماذا أخفقت النهضة العربية "من سلسلة حوارات لقرن جديد إصدار دار الفكر

لماذا بقيت أسئلة النهضة مطروحة حتى الآن؟ هل لأن النهضة لم تتحقق أصلاً، أم أن ما تحقق منها لم يكن كافيا للإجابة عن تساؤلاتها الأساسية؟ السؤال يجيب عنه أكاديميان هما محمد الوقيدى أستاذ الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس، وأحميدة النيفر الأستاذ بجامعة الزيتونة. ويبدأ كلاهما بمبحث يحدد مفهوم النهضة وعلاقتها بالفكر الأوروبى، أحميدة النيفر والذى ينطلق أساسًا من أرضية تربط النهضة بالفكر الإسلامى فى إسهاماته واجتهاداته التنويرية، يتساءل عما إذا كانت النهضة حلمًا لم يطأ أبدًا أرض الواقع ويجيب بأن النهضة التى انطلقت وهى موصولة بالماضى كان لديها طموح إلى تمثل الحس النهضوى الذاتى الذى تأسست عليه الحضارة العربية الإسلامية، وهى بهذا المعنى لم يكن هدفها استنساخ نظرية الأسلاف فى النهوض، وإنما أضافت إليها بُعدًا نقديا اكتسبته من متابعة التجارب الحديثة، وهكذا قدمت النهضة تصورًا للإسلام مختلفًا عن التراثيين والسلفيين. محمد الوقيدى يميز بين مرحلتين فى النهضة: الأولى قادها أصحاب الثقافة التقليدية، والثانية لعب فيها ذوو الثقافة الغربية والداعون إلى الإصلاح بالمفهوم الغربى دورا كبيرا، ويشير فى الإطار ذاته إلى تعارض مؤكد بين نوعين من تثوير بيئات المجتمع، التثوير الذى قامت به السلطات الاستعمارية وفقًا لغاياتها، والتثوير الذى صار مطلوبًا بعد الاستقلال الوطنى والذى يعيد بناء المجتمع وفق بنيات أساسية مغايرة. ويشير أخيرًا إلى أن شروط العالم المعاصر، جعلت البلدان العربية فى حالة طلب مستمر للنهضة، وهكذا تبرز الأسئلة ذاتها التى طرحت فى مراحل سابقة من طلب النهضة، وبدا العالم العربى والإسلامى وكأنه لم يحقق أى مظهر من مظاهر التقدم منذ بداية القرن التاسع عشر، ولكن الوقيدى يرى أن الأمر ليس كذلك، فالتحولات كبيرة والأسئلة جديدة وشروط الإجابة عنها مختلفة بالضرورة، خصوصًا مع الثورة العلمية والتقنية التى تسارعت وتيرتها فى الربع الأخير من القرن العشرين. وفى التعقيب ينتقد النيفر عدم وقوف الوقيدى على الجوانب المهمة فى البناء الفكرى للنهضة العربية فى سيرورتها الذاتية، وهكذا لم يفلح فى تفسير كيف أن مصلحًا ذا خلفية أزهرية تقليدية مثل الإمام محمد عبده أثر فى كتابات قاسم أمين وأحمد لطفى السيد وسعد زغلول وعلى عبدالرازق وغيرهم. من جهته عاود الوقيدى التذكير بالتقسيم الذى اقترحه لمرحلتين من النهضة وتحدث عن تيارات ثلاثة دعا أولها إلى استلهام التجربة الإسلامية السلفية بحذافيرها، وتيار ثان دعا إلى استلهام النهضة الغربية بشروطها العلمانية كما هى، وتيار ثالث يدعو إلى موقف وسط لايتماهى كلياً مع الغرب، ولا يستلهم تجربة السلف كما كانت قبل أربعة عشر قرنًا. ويلاحظ الوقيدى أن رواد النهضة الأوائل واجهوا سؤال النهضة برصيد معرفى غير كافٍ اعتمد على تراث فكرى عانى من الركود لقرون، وهكذا ظلت النهضة فى العالم العربى والإسلامى حلمًا تاريخيا، لأن الواقع لم يتطور فى الاتجاه الذى يسمح بتحويل الحلم إلى واقع.

إضافة تعليق

2 + 16 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.