قرصنة بلا حدود.. والقانون وحده لا يكفي

يؤكد الناشر المعروف عدنان سالم صاحب دار الفكر ورئيس اتحاد الناشرين السوريين سابقاً بمناسبة اليوم العالمي لحماية الملكية الفكرية أن احترام الحقّ الفكري يعدّ معياراً للمستوى الحضاري للأمم، فحين تكون أمة على درجة رفيعة من معارج الحضارة لن نجد فيها من يتجاهل حقوق المبدعين، ويبيّن أن تجاهل الحق الفكري للمبدع وعقوقه بدلاً من البرّ به وتشجيعه من أخطر الآفات التي تلوث مناخنا الثقافي، ويحزنه القول إنه من السابق لأوانه الإقرار بأن حقوق الملكية الفكرية بدأت تحظى بالاحترام، وأن قراصنة النشر أخذوا يواجهون النبذ والازدراء والإدانة في مجتمعنا العربي بوصفهم لصوصاً لملكية هي الأجدر بالحماية لكونها تتعلق بالإبداع الذي لن تتقدم أمة من دونه, ويبيّن أن استباحة حقوق المبدع لا تتم بناءً على نقص في التشريع.
كما يظن البعض، إنما بناء على وجود ثغرة في الثقافة وهو ما أسماه ثقافة الحقوق وثقافة العقوق، ففي مناخ ثقافة الحقوق تكفي المواد القليلة المبثوثة في القانون المدني والجزائي والتجاري لتكون مستنداً بيد القاضي لإدانة قراصنة الإبداع والحكم عليهم ورد حقوق المبدعين كاملة إليهم، وبالتالي فإن احترام حقوق الملكية الفكرية من المسلمات البديهية وشرط أساسي لتوفير المناخ الملائم لتنمية الإبداع، في حين تقف أشد القوانين الخاصة بحماية الحق الفكري عاجزة عن صيانة حقوق المبدعين في ظلّ ثقافة العقوق.. من هنا يؤكد أنه لا يمكن للقوانين مهما شددت عقوباتها في حالات الاعتداء على الحق الفكري أن تؤتي ثمارها ما لم تدعمها ثقافة اجتماعية واعية لأهمية هذا الحق وخطورة استباحته، ففي غياب الوعي الاجتماعي للحق الفكري يعجز القاضي عن تطبيق القوانين وتتعدد الذرائع والحيل وأساليب التهرب، ويأسف لأن 65 بالمئة من قيمة المبادلات الجارية في عالم الكتاب في الوطن العربي تتم دون علم المؤلف والناشر بواسطة القرصنة التي لم يعد ذيوعها خافياً على أحد من خلال الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية، حيث يتصيّد القراصنة أكثر الكتب انتشاراً وأحفلها بالإبداع والابتكار فيحرمون المبدعين من استثمار جهودهم ومن متابعة تطويرها وتنميتها مما يكون له أبلغ الأثر في مستقبل الثقافة والإبداع، ويوضح سالم أن شيوع عقلية الاستباحة لحقوق الملكية الفكرية يسهم في تشجيع قرصنة النشر ويقتل روح الإبداع ويهدد مستقبل ثقافة الأمة، وسكوت أصحاب حقوق الملكية الفكرية على جرائم الاعتداء على هذه الحقوق يشجع قراصنة النشر على استباحتها والإمعان في الاستهتار بها، وإن كان يعترف أن أصحاب حقوق الملكية الفكرية والناشرين ما زال يكتنفهم الإحباط واليأس، ولا تزال عبارة جميع الحقوق محفوظة التي تتصدر كتبهم غير مفهومة للقراصنة ولا تعني لهم شيئاً، وقد آثروا الصمت ووقفوا يتفرجون أمام طغيان القرصنة وتعدد أساليبها وتجاهل المجتمع وغياب الإجراء الرادع.. ويختم سالم مشيراً إلى أن مسألة إعادة الاحترام لحقوق الملكية الفكرية مسألة تتعلق بشرف المهنة وكرامتها ومستقبلها، ولن تزدهر صناعة عربية للنشر مع أي وجود للقرصنة، مؤكداً أن احترام حقوق الملكية الفكرية أصبح اتجاهاً عالمياً ومطلباً حضارياً لا تقوم ثقافة ولا ينمو إبداع من دونه.
سرقة الأفكار أصبحت عادة شائعة
ويشير د.حسين جمعة رئيس اتحاد الكتّاب العرب إلى أن اليوم العالمي لحماية الملكية الفكرية يمثّل بالنسبة لكل المبدعين والكتّاب تجلياً خاصاً، هدفه التأكيد على حماية الملكية الخاصة بما فيها الأفكار القيّمة والمبتكرة، وبالتالي فما صدر من قوانين في هذا المجال ما هو إلا تأكيد على أن الأفكار يجب أن تعامل معاملة الأشياء الثمينة الأخرى، خاصة وأن سرقة الأفكار أصبحت عادة شائعة مما استلزم إصدار العديد من القوانين الرادعة لفعل ذلك.. من هنا يدعو جمعة الجميع في هذا اليوم إلى وقفة صدق مع الذات والآخرين لأن القضية بالدرجة الأولى قضية أخلاقية قبل أن تكون أي شيء آخر، خاصة في ظل العصر الحالي الذي أصبح فيه السطو على أعمال وأفكار الآخرين أمراً هيناً بفعل التطور التكنولوجي الكبير الذي جعل المنتج الإبداعي في متناول اليد .
القانون وحده لا يكفي
أما الفنانة التشكيلية عتاب حريب فتبدو متألمة وحزينة جداً لما آلت إليه الأمور على صعيد الاعتداء على أملاك المبدعين دون رادع أو مانع، وتعتقد أن أي قانون في العالم لا يمكن أن يضبط تلك الحالات التي تكاثرت بشكل رهيب في مجتمعاتنا باعتبار أن القانون مازال لا يملك تلك القوة في مجتمعات ما زالت فيها القوة لأصحاب المال والسلطة، وبالتالي فهي تشكك بقدرة القانون على حماية المبدع لأن القانون وحده إن وجد لا يكفي برأيها، خاصة وأن القيم الأخلاقية والاجتماعية والفنية تتهاوى في عصر باتت أبوابه مفتوحة ومشرّعة على كل شيء .
قانون حماية حقوق المؤلف نقلة نوعية
في حين يبيّن الفنان التشكيلي عصام درويش أن الفنانين التشكيليين يدركون الآن أكثر من أي وقت مضى أهمية حماية إنتاجهم التشكيلي لأسباب عديدة، أهمها حفظ هذا النتاج وأرشفته ووقف التعدّي عليه مستقبلاً عن طريق التزوير والاستخدام غير المقونن، ويشير إلى أن ما يُرتَكَب بحق الفنانين التشكيليين السوريين الراحلين أمر رهيب لغياب هذه الحماية، لذلك يؤكد أن قانون حماية حقوق المؤلف في سورية هو نقلة نوعية في الحفاظ على الدور الهام والمؤثر للمثقفين السوريين على اختلاف نشاطاتهم التي تشير إلى الزخم الذي تتمتع به حركتهم والتي يجب أن تواكَب بالتقدير والتكريم والإجراءات القانونية التي تحميهم بعد أن أصبحت القرصنة سلوكاً اجتماعياً مقبولاً .
القانون حماية
كما يؤكد الكاتب د.راتب سكر أن قانون حماية الملكية الفكرية من الأهمية بمكان لأنه ينظم علاقات المبدعين بالعمل الإبداعي فلا يكون هذا العمل عرضة للسطو والاعتداء من قبل أحد، ولو أنه يعتقد أن تطبيق هذا القانون من الصعوبة بمكان لأن السارق والمعتدي في المجال الإبداعي يجد ألف لبوس لتنفيذ الاعتداء على الملكية الفكرية ويكون في منأى عن المحاسبة في كثير من الأحيان .

إضافة تعليق