قلب عربي مغترب.. من دمشق إلى اشبيلية إلى نيويورك

 

بفؤادها الغض، وهي بعد غصن لدن تجول مع أسرتها، فتلج

عذابات الغربة باكرة، وترى بأم عينيه ذلك الفرق في النظرة

بين هناك في الغرب الراقي، وهنا في الشرق الآسر، وأبت إلا أن

تحمل همّا أكبر منها، وزادها التجوال في بلاد الله المختلفة

وعياً وإدراكاً فكانت أديبة شاعرة كاتبة، فعالجت قضايا

معاصرة وكتبت في مواضيع آنية، تتجلى على شكل انطباعات

عن المشاهدات الحية خلال الرحلات التي قامت بها في البلاد

التي زارتها، فكان من أهم الأفكار التي حملتها همّ الوطن حيث

تشكل محورها قضية فلسطين 

رندة حموي :

هذه الفتاة الدمشقية كان من حظ حياتها، أن والدها كان يعمل

في السلك الدبلوماسي، فاضطرت أن ترحل مع أسرتها إلى دول عدة

في العالم كألمانيا وانجلترا والهند وأمريكا وغيرها، ففتحت الثقافات

المتعددة قريحتها، واستثارت ذاكرتها الغضة فنشطت، وأكسبها

الترحال ثقافة مغايرة، فتلاقت في عقلها الغض الثقافات، وتماحكت

الحضارات المتباينة فوقفت حائرة في البداية ماذا تختار ؟! وكيف

تسير؟! حرنت في كثير من المرات أمام صراع داخلي بين ما تربّت عليه

من القيم والمبادئ، وبين ما تراه من كل مغريات الحضارة، التي لا يكاد

يقف في وجهها أي وازع، لكن أساسها المتين المبني بلبنات التربية

الأصيلة على يدي والديها، حال دون ضياعها.

بل إن نظرتها الفاحصة ووعيها الذي تفتق عن حملها لثقافات

متعددة أكسباها نظرة واعية للقضايا الآنية، وتحليلاً موضوعياً دقيقاً،

مما جعلها ذلك تحكم على ما تراه، وتحتكّ به بطريقة موضوعية راقية.

وقد نشأت في بيت دخله الشعر مع صديقي والدها الدبلوماسيين

الشاعرين الكبيرين نزار قباني في لندن ثم عمر أبو ريشة في نيودلهي،

وكان من أثر ذلك أن كتبت الشعر في سن التاسعة في ألمانيا، وآلت

مجموعتها الشعرية إلى النشر بعد سنوات، وذلك عام 1991 م في

دبي بعنوان رياح الزمن، وصدرت مجموعتها الثانية دقات قلب

في مهب الريح تأملات امرأة عربيةعام 2002 م في واشنطن ضمن

فعاليات مؤتمر الجمعية الأمريكية العربية لمكافحة التمييز adc أما

ديوانها أبدا لن ننسى، فقد نشر ووزع خلال الاحتفال بإزاحة الستار

عن نصب دير ياسين التذكاري الذي أقيم على شاطئ بحيرة سينيكا

في ولاية نيويورك عام 2002 م، والنصب ذاته يحمل لوحاً برونزياً عليه

شعر لها من نوع الهايكو.

وفي عام 2004 م أصدرت مؤسسة دار الفكر مجموعة مختارة من

وتحقيقٌ للذات في أشعارها، إضافة إلى بحث )الرباط الزوجي.. قدسية

القرآن الكريم وفي علم النفس الحديث(، وذلك للعرض والتوزيع في

معرض فرانكفورت، وكان عنوانها قلبي يدق في ألمانيا “.

وتتميز كتاباتها بالعاطفة الإيمانية والشعور الوطني؛ فتارة تبحث

عن الحرية التي تعيد للإنسان كرامته وشخصيته المفقودة، وكان هذا

أكثر ما يؤلمها حينما كانت في الخارج، وتارة تغلبها الغيرة على ما

يحدث على أرض فلسطين؛ فكانت تعدّها قضيتها الساخنة التي

يجب أن تدافع عنها.

كتاباتها الأول فى كانت باللغة الإنكليزية، وخاصة الشعر فقد

ضمنت قصائد بالإنكليزية كتابَها الذي بين يدينا قلب عربي

مغترب؛ أما قصصها فقد تميزت بأنها كتبت باللغتين الانكليزية

والعربية كتبتها للناشئة )بين التاسعة والرابعة عشرة( وقد رسمت

بنفسها الصور لبعض تلك القصص، وقد استمتع كثير من قراء اللغة

العربية والإنكليزية بتلك الحكايات التي قدمتها لصغارها متعة أدبية

وتجربة ثقافية ووعياً أصيلاً، ووفرت للكبار معلمين وآباء فرصة تقديم

تلك المفاهيم مع أبنائهم وطلابهم، فقد اعتمدت قصة delightful

day in marjella )أيام حلوة في مرج الأمل( لدى بعض المدارس في

الإمارات العربية المتحدة وفي الولايات المتحدة الأمريكية، أما قصة

)حمد( الفتى الصقار hamed the young falconer فقد نشرت من

قبل هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها، وقد وزعتها الهيئة

على المدارس العربية والأجنبية في أبو ظبي.

بالإضافة إلى ما سبق، رندة مغرمة بالفن التشكيلي؛ فقد استحدثت

ألوان الباستيل في لوحات رسمتها هي، لتسجل معاناة الإنسان

وعذاباته الحقيقية.

رندة حموي القاصة:

كتابها الأول في القصة أيام حلوة في مرجل الأملصدر عام

1993 ، وصدرت النسخة العربية بعنوان )قصص فادي وسناء( عام

1995 ، وفي عام 1997 نشرت قصة مسلسلة بعنوان )تسبيحة صقر(

في إحدى المجلات الإماراتية.

- وهي عضو في هيئات أدبية عديدة منها «اتحاد كتاب وأدباء

الإمارات »واتحاد كتاب العرب » والرابطة الوطنية للكاتبات الأمريكية،

وهي عضو في )جمعية دير ياسين في الذاكرة (.

قلب عربي مغترب من دمشق إلى اشبيلية إلى نيويورك :

هذا هو عنوان آخر كتبها، طبعته دار الفكر بدمشق في رجب

1427 آب أغسطس 2006 م.

ويتحدث الكتاب عن مواضيع متفرقة، دونت من خلالها الكاتبة

أسفارها واتصالها بالناس؛ فتشير في المقدمة إلى بداية رحلاتها

بصحبة أسرتها في إطار الدبلوماسية التي كان يمارسها والدها، والتي

هي في الحقيقة خدمة ومسؤولية، وتنقل لنا بعض ذكرياتها الأولى

عن دراستها في مدرسة انكليزية، لتمثل صفها في مسابقة المدرسة

في التهجية نهاية العام.

ثم تتحدث عن تجربتها الشعرية لتعبر من خلاله عن همومها.

وتخبرنا من خلال ذلك أنها لم تعرف الخوف في حياتها، إلا حينما

كانت شاهدة على انتشال أشلاء جيرانها قطعة قطعة! من بين حطام

بيتهم، الذي أصابته قنبلة إسرائيلية، بعد أن تعرض الحي بأكمله

لقصف الطائرات الإسرائيلية.

وتعدّ نفسها شاهدة عيان لاستعمال إسرائيل للأسلحة المحرمة

دولياً، ومن بينها قنابل النابالم، وعلى الرغم من أنها لم تخسر شيئا

مادياً، ولكنها تعتصر ألماً، كلما تذكرت ذلك، وتشتكي أن قلبها العربي

الغض يتلقى صدمة تلو صدمة من دون أن يترك له مجالا للشفاء.

وتبث رندة شجونها لتصارح قراءها أن في أعماقها الفتاة العربية

التي تنادي ضد كل ذلك الظلم، الفتاة التواقة إلى الحرية الحقيقية

التي لا تتوافر في أي خيار حقيقي أمامها، لأن الحرية دائماً تقدم

لها مشدودة العنان؛ فقد اكتشفت بنفسها كيف يقولب العرب في

الغرب نمطياً ضمن حملة دعائية كاذبة، لما في ذلك من مصلحة لبعض

الأطراف السياسية، إضافة إلى نشر بعض الأمثلة السيئة الموجودة

بيننا بالفعل، فتصبح مقياساً عاماً يطبق على كل عربي ومسلم، وتأسف

لأن الدول العربية الشرق أوسطية أفقرتها عقود من النفقات للحسابات

التي لا تنتهي مع إسرائيل.

رندة حموي الشاعرة :

قرضت رندة الشعر منذ طفولتها، فكتبت باللغة الإنكليزية في

مواضيع، وقضايا إنسانية وإسلامية معاصرة، فألفت قصيدة عن صبرا

وشاتيلا 1991 وهي قصيدة تسرد حدثاً واقعياً ورد في الصحف والأخبار

عن طفل تم إنقاذه حياً، بعد أن كان قد أصيب بالقذائف الإسرائيلية

مع أفراد عائلته بين الأنقاض، كما كتبت قصيدة بعنوان: قنابل فوق

بغداد 2002 وهي تعكس عواطف فتاة عربية تتفاعل مع الأحداث،

وكتبت أيضاً عن فلسطين قصيدة بعنوان : )الأمومة في فلسطين(

تقول فيها:

أنا الأم الفلسطينية..

أحبس دموعي..

آه أيتها الأمومة الفلسطينية..

لقد امتدت آلامك جيلاً بعد جيل..

تواكب في كل منعطف توسع إسرائيل..

ما زال يصدح في أذني صوت ولدي الصغير..

وهو يتردد عبر الأثير..

هذا فلذة كبدي الجرئ..

يطالب بالحرية بأعلى صوته..

وقد كتب فيها الشاعر الكبير سليمان العيسى قصيدة طفولية

رائعة يقول في مطلعها :

تكتب رندة..

تزرع وردة..

تسقي وردة..

تكتب قصصا للأطفال..

تكتب شعراً للأطفال..

يورق بستان الأطفال..

في بلدي بلد الآمال..

ومع هذا الهم الذي تحمله بسبب الواقع المحرف، فإن التسامح

يبدو بعيداً عن التصديق اليوم؛ حيث إن وسائل الإعلام تقدّم صورة

مقلوبة للحقائق، مما يزيد في صعوبة أن تنظر الحضارات لبعضها

نظرة واقعية، وهذا بسبب عدم احترام وسائل الإعلام لشعوبها، ومما

يسئ بالتالي إلى الإنسانية جمعاء.

رأيها في الأحداث:

تتمثل بالمقولة الإنكليزية «كل غيمة مبطنة بالفضة » فهي

تذهب إلى أن كل ما عصف بالمنطقة على المستويات العربية

والإسلامية والعالمية، ما هو إلا لخيرهم، فالأمل موجود في أطراف

السماء المكفهرة، وهو قابل للتحقيق من خلال نافذة زمنية ضيقة،

إن تمت مواجهة حقائق عدةحسب رأيها- وتم الإسراع بالعمل،

والإحساس بالتنفيذ واستغلال الفرص.

وفي الختام:

فإن كتاب رندة حموي يعدّ مساهمة فعالة، ومشاركة مخلصة في

ردم الهوة بين الشرق والغرب، سعياً لمد جسور الحوار والتواصل بين

الحضارات التي لم تتصارع إلا في زمن الهيمنة وطغيان الإنسان. ودعماً

لتصحيح الصورة النمطية التاريخية عن العرب والإسلام هناك.

 

إضافة تعليق

6 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.