كاتب الأطفال المصري عبد التواب يوسف لـ " الوطن": التلفزيون أفقد الأطفال براءتهم

بمناسبة رحيل الكاتب الكبير عبد التواب يوسف نعيد نشر حوار سابق نشر في جريدة " الوطن"  العمانية 

اجرى اللقاء وحيد تاجا

مراحل الطفولة وتقسيماتها وعلاقة هذه المراحل بالكتابة للطفل, دور الرسم في أدب الأطفال, وأيهما أهم الصورة أم الكلمة, تأثير وسائل الإعلام على الأطفال, مدى ضرورة الاستفادة من التراث, هل سيكون الكتاب الإلكتروني بديلا عن الكتاب المقروء في المدى المنظور ؟

هذه التساؤلات شغلت أهم المحاور في لقائنا مع الباحث وكاتب الأطفال المصري عبد التواب يوسف ..

س) بداية، كيف تنظرون إلى مراحل الطفولة وتقسيماتها ، وما علاقة هذه المراحل بالكتابة للطفل ؟

ج) هناك من يرى أن لا شيء اسمه المراحل العمرية للأطفال وعلى رأس هؤلاء الكاتبة الأميركية " مادلين لنكل " والتي هي رئيسة لاتحاد الكتاب في أميركا اذ تقول : أنني أكتب فنا ومن يستطيع أن يقرأ هذا الفن فليقرأ إن كان في سن التاسعة أو في سن التاسعة والتسعين , وأنا لا أحدد الشريحة العمرية التي أكتب لها . هؤلاء الكتاب جادون فهم عندما يريدون أن يكتبوا كتابا عن موضوع ما , فانهم يدرسون كل القضايا التي لها علاقة به , والمدرسة التي ينتمون إليها , إذا صحت تسميتها بمدرسة , لا يهمها المراحل العمرية أبدا , أما نحن العرب فنكتب ما نتصور إن الأطفال يفهمونه , ولا يوجد لدينا قواميس تساعدنا على الكتابة لهم , ونستخدم المرادفات حتى نفسر بعض الكلمات الصعبة . نحن متأخرون جدا عن البلدان المتقدمة وأولادنا متأخرون عن أولادهم , إذ أن الطفل الإنكليزي مثلا يقرأ حوالي 600 كتاب لغاية عبوره مرحلة الطفولة , أما أطفالنا فانهم لا يبدأون القراءة الحقيقية قبل سن العاشرة , ثم انه لا يوجد لدينا كتاب متخصصون بحيث نجد كاتبا يكتب حول السينما لسن ما قبل المدرسة وآخر يكتب لسن ما بعد التاسعة .. الخ . لذلك فان الكاتب مجبر على الكتابة عن كل شيء . ثم إن المراحل العمرية تهم المدارس باعتقادي على صعيد القراءة فان الطفل هو الذي سيختار ما يعجبه بالتأكيد .

س) ما هو دور الرسم في أدب الأطفال .. وهل تلغي القصة المرسومة النص الأدبي .. وبالتالي أيهما أهم الصورة أم الكلمة ؟

ج) للرسم دور كبير ولا تلغي القصة المرسومة النص الأدبي , ثم إن الكتاب المصور والكتاب العادي لهما نفس القيمة , أما فيما يتعلق بالكتاب المرسوم , فالألوان شديدة الجاذبية للطفل والمطلوب من الرسم إن يضيف للنص الأدبي لا إن يعبر عنه فقط بحيث يقدم للطفل أدبا وفنا تشكيليا , بمعنى أن تدرب عين الطفل على التذوق الجمالي , وان يترك الرسم انطباعا لدى الطفل , على إن يكون هذا الانطباع مطمئنا , أي إن نتفادى رسم العنف والقتل والأشياء ذات الانطباع السيء وليس لدينا دراسة عما يمكن إن يسيء من الرسوم لعيون الأطفال , أو إلى أي حد يسيء له , يجب إن تثقف الرسومات عيون الأطفال وتجعلهم قادرين على الاستمتاع بنوع من الجمال وهذه مهمة الفن التشكيلي , ونحن الكبار لم ندرب أعيننا على التثقف بالفنون التشكيلية وما زلنا لا نفهم الكثير من الرسومات لذا يجب تثقيف عيون الأطفال بالرسم والألوان وما إلى ذلك . ثم إن للرسم في الكتب التعليمية مواصفات خاصة بمعنى أن لا يرسم الرسام للطفل ديكا أكبر حجما من البقرة وان كان الديك قريبا والبقرة بعيدة فالطفل يحب إن يعرف التناسب ما بين الرسومات التي تقدم له , لهذه الكتب إذا طبيعة خاصة إذ يجب إن تبقى كتب المعرفة والمعلومات دقيقة جدا , ولا شيء اسمه فن في هذه المرحلة فافن في العمر وليس في الكتب المعرفية التي يجب إن تترك الانطباع من الرسم على نفس الطفل .

س) كيف يتجاوز الكاتب المبدع الفروقات بين الأطفال والبيئات وصولا لتحقيق المهمة الإبداعية في الكتابة للطفل ؟

ج) لا أستطيع إن أقول للمبدع ماذا يبدع ولا كيف يبدع _ هذا في تقديري الشخصي _ إلا إن المطلوب إن ينفعل مع النص المكتوب , ثم إن الكلام عن رسومات الأطفال هو حقيقة بحجم الحديث عن أدب الأطفال , ومدارس الرسم كثيرة جدا ثم إن لكل رسام طريقته الخاصة به . وأنت تتحدث عن قضية تعليمية , لكن الشجرة هي شجرة والبيت هو بيت , والمسألة إن الطفل يحس بهذا ويدركه أم لا ؟ فأنا علي ككاتب إن أفكر في الكلمة فقط والحدث والشكل الدرامي الذي أقدمه والبقية الباقية تقع على عاتق الرسام , إذا أنا تنتهي مهمتي عندما أقدم الكلام المكتوب .

س) كيف ينبغي إن يستفيد الكاتب من وسائل الإعلام ويوظفها في خدمة الأطفال ؟

ج) في الحقيقة إن الكتابة لوسائل الإعلام تختلف باختلاف تلك الوسائل فهناك من وسائل الإعلام ما يعتمد على الصورة وهو التلفزيون ,وهناك ما يعتمد على الصوت وهو الإذاعة ثم هناك المسرح والصحف . فالكتابة للتلفزيون يكون فيها الدور الأكبر للصورة والحركة وليس للكلمة , ثم بعد ذلك يأتي دور الصوت , لابد إذا من دراسة مقومات هذا الجهاز ومشكلتنا في الوطن العربي إن أدباءنا يفكرون في الكلمة . مع العلم إن لدينا من يقدر إن يفكر بالصورة ببراعة , ثم إن لدينا ندرة في كتاب السيناريو للأطفال ونحن نحتاج لمن يبدع في سيناريو الأطفال مثل أسامة أنور عكاشة الذي يبدع للكبار . أما الكتابة للإذاعة فعلى الكاتب إن يفهم دور الإذاعة ويفهم اعتمادها على الصوت والموسيقى والمؤثرات الصوتية الأخرى , ثم إن الكتابة للإذاعة كما تختلف من كاتب لكاتب كذلك تختلف عند الكاتب الواحد من مذيع إلى آخر أو من مقدم إلى آخر , فلصوت المقدم وإمكانياته أيضا دور في تحديد نوعية النص , والمسرح يتطلب إن يفكر الكاتب بأن التنقل سيكون في حيز ضيق .. وهكذا إذا على الكاتب أن يفهم طبيعة الوسيلة التي يستخدمها ثم بعد ذلك يتعامل معها ويكتب على أساس ذلك لكي يحقق ما يصبو إليه .

س) ما هو تأثير وسائل الإعلام على الأطفال وخاصة بعد دخول الستالايت ؟

ج) في الحقيقة هناك أربع جهات تؤثر في تربية الطفل , الأسرة , المدرسة , المجتمع , وأجهزة الإعلام .ثم علينا ألا ننسى المواصفات الخاصة التي ولد بها الطفل . فللتلفزيون أثره الكبير جدا والإحصائيات تزعجنا حيال ذلك فالطفل يجلس على مقاعد الدراسة 600 ساعة لدينا علما بأن المعدل العالمي 1183 ساعة أي النصف تقريبا إلا أنه يجلس أمام جهاز التلفزيون من 1000 إلى 1200 ساعة أي ضعف ما يجلسه على مقاعد الدراسة , هنا علينا إن نحتاط للأمر وأن نقدم له ما يجب أن يقدم ونبتعد عن تقديم الأشياء السيئة إذ أن الطفل عندما يرى العنف في التلفزيون يميل بشكل مباشر إلى تقليد ذلك وهذا خطر جدا .

س) قلت ذات مرة أن التلفزيون نقل الطفل إلى عمر أكبر فكيف كان ذلك ؟   

 ج ) هذا صحيح أن التلفزيون قد أفقد الأطفال ما كنا نراه فيهم من براءة وأصبح الطفل الآن يرى حوادث العنف والقتل خلافا لما كان يطرح في السابق من مقولات مفادها " دع الأطفال يعيشون طفولتهم " ولا أظن الأطفال يعيشون طفولتهم لقد اقتحمنا هذا الجهاز المسمى بالتلفزيون وأفقد الأطفال براءتهم , ثم أن المسألة تقليد ما يبث في التلفزيون تقليدا أعمى فالطفل لا يعرف من هو العدو في الشخصيات التي أمامه , قد يكتب الكاتب خمس شخصيات وليس بالضرورة أن يقوم الطفل بتقليد البطل بل يقلد الشرير الذي تحاربه أنت ككاتب ومن هنا تنبع حساسية هذه الأجهزة لشدة تأثيرها , وتحتاج منا آلي مران وتدريب كي نتمكن من معالجة كل القضايا بطريقة ملائمة للأطفال.  ويجب أن نبقى يقظين لتأثيره السلبي والإيجابي عليهم . وقد تستغرب إذا قلت لك أن هناك بعض الدول الأجنبية تمنع الأطفال من التمثيل على خشبة المسرح خاصة .

س) هذا يدفعنا للسؤال عن نوع القصص التي يجب أن تكتب لأطفالنا, عن الاستفادة من تراثنا, وتاريخنا, وهل هناك حكم أخلاقي على القصص التي قدمت للأطفال أي مدى تأثيرها ونسبته ؟

ج ) أنت لا تستطيع أن تحدد النسبة الحقيقية لما حصل لدى الطفل من معرفة ولا نوعها فأنت تقدم التراث , الفكاهة , الدين 000الخ ولكن ماذا أخذ الطفل من كل هذا أو ماذا قرأ من موضوعات , هنا المشكلة والسؤال الصريح قد لا يأتي بالإجابة الصحيحة لذا نحتاج بشكل دائم آلي الالتفاف على بعض القضايا في الاستفتاءات التي تجري على الأطفال لكي نتوصل آلي الحقائق بطريقة لا تشعر الطفل بذلك لأن الطفل يحاول أن يرضينا دائما بإجابات ويدعي بأنه يقرأ ما نريد له أن يقرأ وهذا غير صحيح , فالطفل أحيانا يبحث عن الأشياء الممتعة ويترك الاحتياجات الحقيقية وهذا ما يتطلب منا الدقة الشديدة جدا , ولا أقدر أن أحدد لك النسبة لكن هناك نسبة بين الاحتياجات والميول والرغبات لأنك لا تستطيع أن تقدم للطفل احتياجاته وتهمل ميوله , وأعطيك على ذلك مثلا على ذلك فالطفل يحب الشوكولاته ولكنك لا تستطيع أن تتركه يعيش عليها , أي إن تستطيع أن تقدم للطفل بشكل غير مباشر ما تريد أن يأخذه منك ولكن بالطريقة التي ترضي بها ميوله كأن تحتال عليه وتفرم له اللحمة ناعمة إذا كان لا بد يحبها وتضعها له في الحساء الذي يحب وهكذا تحل المشكلة . إذا عليك ككاتب أن تبحث عن وسيلة تقدم من خلالها للطفل كل احتياجاته .

س) هل سيكون الكتاب الإلكتروني بديلا عن الكتاب المقروء في المدى المنظور ؟

ج 9 نحن لا نرى المستقبل ولكن نستدل عليه من مجموعة ملاحظات , لقد تطورت أدوات الكتابة من الريشة حتى قلم الفلوماتسر وتطور الكتاب منم الحجارة آلي الورق الحالي , وتطور الكتاب يدل على إن الكتاب الإلكتروني أنجز عام 1985 ونحن الآن في دمشق والقاهرة نتحدث عنه ونناقشه هذا معناه أن هذا الكتاب سيدخل الحياة بشكل قوي جدا , وهناك في بلد ما من العالم يتم التعليم بشكل مباشر على الكمبيوتر دون اللجوء آلي الاوراق والأقلام وهذا يعني التطور الملحوظ في طرق التعليم نستنتج من ذلك ما يمكن أن نصل إليه في المستقبل القريب أو البعيد .

      وأتصور أن الأطفال سوف يحبون الكتاب الإلكتروني أكثر من الكتاب التقليدي لأنه مغر أكثر , وهل سيتعايش الكتابان أم ستكون الغلبة للكتاب الإلكتروني ؟ هذه قضية رهن المستقبل ولكن استنتاجي وبرأيي الشخصي سيتوقف الكتاب الورقي بعد خمسين سنة .

س) ما هي المواصفات التي ينبغي أن تكون في كاتب الأطفال ؟ 

ج ) يجب أن تتوافر فيه عدة مزايا أولها الموهبة ثم أن يكون لديه شيء ليقوله إضافة آلي خفة الظل , إذا يجب أن يكون الكاتب فاهما الأطفال وإن لم يكن يحبهم فهناك من يقول بأنه يكره الأطفال ولكنه عندما يكتب لهم يكتب في منتهى البراعة لانه يفهمهم تماما . إضافة آلي مسألة الحب يجب أن يعرف طريقة التعامل معهم , أن يفهم اللغة , ويعرف نفسية الطفل , ويرافق ذلك ضرورة وجود ناقد لأدب الأطفال وهو أمر نفتقده في الوطن العربي وبكل أسف .

س) كيف ترى حالة أدب الأطفال لدينا كعرب مقارنة مع العالم بصراحة ؟

ج ) الحقيقة لا وجه للمقارنة ومخطئ من يعتقد أن لدينا أدب أطفال نستطيع بناء عليه أن نتحدث عن المقارنة ما بينه وبين أدب الأمم الأخرى . فنحن لا زلنا نكتب بطريقة قالت القطة وقال الأرنب أي أن قصصنا ما زالت تدور في فلك ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة , هذا أمر مرت عليه القرون الكثيرة يجب أن نجدد ونخرج عن هذا الإطار , يجب أن نبتعد عن الوعظ وما إليه ونتحدث مع الأطفال بإسلوب آخر نقدم لهم من خلاله ما نريد كمن يقدم دواء مرا في كأس من العسل .

س) فيما يتعلق بمسألة القيم كيف نتعامل مع الطفل هل نحن بحاجة الى قيم سوبرمان أم نحن بحاجة الى الطفل الإنساني ؟

ج ) أنا لا أستطيع أن أقول لكاتب اكتب لي عن الأمانة أو الشجاعة , أو الصدق . على الكاتب أن يكتب الفكرة التي تراوده , أن يقدم الأدب الجيد ,لا الأدب الوضيع , يجب أن يكون الأدب كالموسيقى والفن التشكيلي لا يحمل في داخله مسألة الصدق والكذب , فنحن ككتاب نراعي قضية هامة ألا وهي إذا قلنا لأحد أعمل هذا لن يوافقنا ويعمل ما نريد فعلا إنما نعطيه قيمة أدبية جيدة تجعله أكثر إنسانية . 

إضافة تعليق

4 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.