كتاب "مدارات الحبيب.. تجليات صوفية" للشاعر والكاتب صالح الفهدي

يضم الديوان تسعة عشر مداراً، من بينها: مدار الانتظار، مدار الكلام، مدار التولُّه، مدار الغياب، مدار التجلي، مدار الترحال، مدار التشرذم، مدار الانعتاق، مدار العزلة...

 

صدر حديثا عن دار الفكر بسوريا الطبعة الأولى من ديوان شعر بعنوان "مدارات الحبيب.. تجليات صوفية" للشاعر والكاتب صالح الفهدي، الذي ينتمي إلى ما يعرف بجيل شعراء التسعينيات، حيث صدر له في العام 1994 "مواسم الغناء" ثم "قابوس في القلب" سنة 2000، و"لأجلك قلبي يصلي" في العام 2003، بالإضافة الى عدد من الإصدارات تشمل "دراسات في الشعر"، و"مسيرة الإنجاز .. تأملات في النهضة العمانية الحديثة"، و"قيم تربوية" (ج1 وج2)، ثم "قيم معطلة في المجتمعات العربية" الذي صدر في العام الحالي.

يقع "مدارات الحبيب" في 86 صفحة من القطع المتوسطة. أما الغلاف الخارجي للكتاب فجاء على هيئة لوحة تشكيلية.. أجملت ما فصَّلهُ المضمون الشعري.. تكشف هذه اللوحة عن ظل درج بلا بداية ولامنتهى... غامض في مكان ما... واضح في مكان آخر... بينما تبرز في أعلى الدرج بقعة ضوء.. تشج عباب اللون البنفسجي المؤدي في انسيابية إلى اللون الأبيض (لون الطهارة في الفكر الصوفي).
ويضم الديوان تسعة عشر مداراً، من بينها: مدار الانتظار، مدار الكلام، مدار التولُّه، مدار الغياب، مدار التجلي، مدار الترحال، مدار التشرذم، مدار الانعتاق، مدار العزلة...

واللافت أن الشاعر -وعلى غير عادته فيما يكتبه نثراً (المقالات الصحفية على سبيل المثال)- كان حريصا على تجريد اللغة من خطابيتها، وتحويلها إلى أنوار متوهجة، فتوافرت في المدارات نقاط ضوء شبيهة بشعاعات الضوء المنطلقة من نواة اللغة بعد تفجيرها، وقد توزعت في شتى الاتجاهات.. إنه علامة من علامات انفتاح قصيدة الفهدي على النص الصوفي واغتذائها منه.

ما قبل المدار.. ما بعد المدار يتخذ الديوان من صلب مدار الانعتاق مقطعا شعرياً ينفتح به:

..كطير تنفس شدواً.. نفضت الرماد

هو الأفق يسحق حد التغرب

..ما كبَّلتهُ القيود..!

ما شققتهُ الرعود..!


وهي بداية التحول التي ستفضي بالشاعر فيما بعد إلى حالة من الغياب يضيئها حضوره اللامتناهي في المطلق، حيث تستحيل ضمائر الحضور والأسماء إلى توابع متصلة حينا.. منفصلة حينا آخر، بينما تحافظ الطبيعة على تواجدها الظاهر (الطير، الرعود، الرماد) والمضمن في تفاصيل اللغة وأبنية الإيقاع الشعري الحر التي يروم من خلالها الشاعر تأكيد تحرره من القيود التقليدية (التفعيلة والوزن) تماماً مثلما هو بصدد تحقيق خروجه عن قيود المكان والزمان الماديين، وانبعاثه كائنا زئبقيا يسبح في اللامكان واللازمان...

أما الواجهة الخلفية للكتاب والتي يمكن تسميتها بـ "ما بعد المدارات" فانفتاح على أفق جديد يصور وحدة الشاعر واغترابه واعتزاله الوجود المادي.. مقولة أطلقها من قبله الشعراء الرومانسيون في القرن التاسع عشر، إذ عدوها واحدة من "العلامات المريضة التي حملت أوزارها الحداثة".. ولذلك ارتبطت هذه المقولة أشد ما يكون الارتباط بفردات صوفية كـ"التأمل" و"الوحي" و"الكشف"..

وحيدا...

بحلم تبضع من مخدع الليل بعض شتات!!

أعود وكل الذي

كان في القلب..

......مات!

 

مدار الانتظار

ها نمأة نقرت على

وتري .. حبيبي

رُدّ لي في البَوحِ بعضاً من غيابكْ

رُدَّ لي قمري الذي ضيَّعتُهُ

لمَّا شَرَفْتُ على رحَابكْ

إن الصوت الذي يحدثه النقر هو بداية التماهي مع وحدة الوجود.. إنه الخيط الذي يصل الشعر بالتصوف.. يسكن الشاعر فيدفع به إلى الانزياح من المعنى الحاف إلى الدلالة الرمزية، مثلما يدفع بالقارىء إلى التأويل.. إنها لغة الحدس تتلبس الشاعر فيسكنها لحظة غيابه، ويتمثل علاماتها ودلالاتها وقيمتها في الكشف عن مكامن الذات المتيمة ، المنصهرة في روح الوجود.

مدار الكلام

تنعكس إشعاعات اللغة على أديم النص فتضيء عتمة الليل، وتجعل منها دليلا نورانيا:

مشاعل الليل

دليني على وطني

ضيَّعتُ أُغنيتي

وابتزَّني شجني .. !!

هذا الاستغراق في مناجاة الضوء المندس في حلكة الليل تحدده صيغة النداء، والجمل التقريرية التي تحيل إلى نوع من الكشف المعلن والصريح.

مدار التولُّه

مُرْني أَملأُ من كَرْزِ الوَجْدِ

دِنَانَ الشَّوقْ

سُدىً غِبْتُ زماناً

لم ألقاكَ

تَهيَأَتُ الآن ، فقرِّبْني محبوبي

قرِّبني من خمْرِ لماكْ

فاكهني يا خلِّي

يستلهم الفهدي من لغة الغزل العذري مفردات من قبيل (الوجد – الشوق - محبوبي..) متدرجاً من الحسيِّ إلى المجرد، لينتهي عند الحب الروحي، فيتحول الرابط بين الشعر والتصوف إلى توازن عجيب يساعد الشاعر على تفجير طاقة الحب لديه، والتعبير عنها بلغة تلامس المطلق في غرائبيتها وسحرها..
ويبلغ الشاعر أقصى درجات الانفعال الداخلي الذي يفضي بدوره إلى حوار داخلي (بين الشاعر وذاته) يكشفه مدار الغياب.

مدار الغيابْ

كن غيرك حين تُحرِّر ذاتكَ

تجلّى كي نتناجى :

في نبض الأشياءِ

وفي دفق الماءِ

وفي المرجِ الأوحدْ

 

مدار الترحالْ

إخلعْ نعليكَ .. تهيأ للرحلةِ

لن تدميك الأشواكْ ..

سرْ دون حذاءْ ..

دون حداءْ !

في "مدارات الحبيب" تتحول المرأة إلى رمز ، وتسلك اللغة درج الروحانية الصوفية، لتفضح علاقة الشاعر بالواقع، وهي علاقة مبنية على التضاد والتنافر، وتؤسس لما يشبه الثورة المحرضة على التجاوز والرفض.
"
مدارات الحبيب" يحاكي قصائد الشعراء العذريين، ويستلهم من التصوف فكرته مثلما يستلهم من الشعر تعبيرته ليلامس بها وجدان المتلقي، ويبتني عالمه المنشود.

"الوطن" العمانية 15/6/2010

إضافة تعليق

1 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.