كلمة الدكتور بسام كسار (من طلاب الدكتور شوقي أبو خليل) في حفل تكريمه 2004

وهناك في غرناطة.. ساحة باب الرملة التي أحرقت فيها كتب العالم ابن رشد الأندلسي.. ذهب الدكتور شوقي مرتين لرؤيتها في نفس اليوم، مرة في الصباح وأخرى في المساء.. وفي صباح اليوم الثاني أصيب بنوبة احتشاء قلب حادة لانزعاجه مما رآه في اليوم السابق، وقد أسعف حينها إلى مشفى مدينة بسطة حيث أمضى عشرة أيام فيها
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الأمين وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين وبعد:
أيها الحفل الكريم
إنه لشرف عظيم لي أن أكون ممثلاً لطلاب الأستاذ الدكتور شوقي أبو خليل في يوم تكريمه، فإنه واجب على الأمة أن تكرم علماءها وأن تحتفي بهم احتفاءً كبيراً لأنهم سندها وعتادها ومبعث فخرها،فبعلمائها ترقى الأمم وبهم تنجلي كلُّ ظلماءَ مدلهمة وهم أشد الخلق خشية لله تعالى كما قال سبحانه في محكم كتابه العزيز ] إنما يخشى الله من عباده العلماءُ[.
كما أن العلماء هم ورثة الأنبياء فإن الأنبياء لم تورثْ درهماً ولا ديناراً ولكنْ ورثت العلم والعدل النور فهم الذين ينشرون الخير في الأمة وهمُ الذين ينيرون الدرب لمن بعدهم فإن نشر عبير العلم إنما يكمل بأمرين:
بتعليمه لمستحقيه وبإحياء تراثه ليكون في متناول روّاده وبهذا يوفّي أهل العلم ميثاقاً أخذه الله عليهم وإنه لمنصب خطير أمر الخلافة عن الذات المحمدية لرفع منار العدل للشاردين.
فها نحن اليوم نحتفل بتكريم أحد علمائنا الأجلاء الذين أمضوا حياتهم في خدمة العلم وطلابه وفي نشر سيرة النبي الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وفي تنوير أفهام الناس بغزواته الشريفة ومعاركه المنيفة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وفي بسط سيرة أصحابه الأبرار الذين ملؤوا الأرض هدىً وعدلاً وفي بث سيرة خلفاء المسلمين الذين بنوا للعالم كله حضارة راقية لا يرقى لها نظير ولا يسمو لها ندٌّ ولا شبيه.
ونحن إذ نحتفل بالأستاذ الدكتور شوقي أبو خليل نحتفل بعالم يتصف بصفات حميدة وخلال مجيدة منها ما يلي:
أولاً-إن الدكتور شوقي منذ عام 1984 لم يدخل درساً للسيرة أو الحضارة إلى جامعة دمشق أو غيرها مثل معهد الفتح الإسلامي إلا وهو متوضئ وذلك تشبهاً بسلف هذه الأمة مثل الإمام مالك بن أنس الذي لم يروِ حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلا إذا كان متوضئاً.
ثانياً- إن الدكتور شوقي يتمتع بالصدق والروح في إعطائه دروسه العامة والخاصة والطلاب يعلمون ويلمسون ذلك وهذا يتجلى في تأثيره وبكائه في دروسه الأمر الذي ينعكس على الحاضرين تأثراً به ومعلوم أنه ليست النائحة الثقلى كالنائحة المستأجرة.

ثالثاً- إنه يحافظ على الوقت في الدرس فلا يسمح بإضاعة الوقت بأسئلة جانبية قد تكون خارجةً عن الموضوع أو لا جدوى من الكلام فيها.
رابعاً- إنه يستعمل كلَّ الأدوات والوسائل الممكنة في دروسه من أجل إفهام الطلاب فهو يستعمل الألوان والرسوم والخرائط وإلى ما هنالك من أدوات وذلك من أجل إشراك كل الحواس لدى الطلاب وهذا أسلوب تدريسي راقٍ وحديث.
خامساً- ومن الأمور التي تذكر أيضاً حرصه على وصول الكتب إلى طلاب العلم بسعر رخيص وانزعاجه عندما ترفع الأسعار عليهم وذلك من أجل بث العلم وعدم كتمانه على مستحقيه وهو يُكبر هذه الصفة في دار الفكر خاصة وفي كل من يفعل ذلك عامة.
سادساً- ومن الأمور الجديرة بالذكر والتي تدلل على صدقه وتأسفه على الحضارة والتراث الإسلامي المعقود ما حدث في إسبانيا حيث كنا بمعيته ومعية أساتذتنا الكرام أمثال الأستاذ الدكتور عبد الفتاح البزم مفتي دمشق حفظه الله والأستاذ الدكتور حسام الدين فرفور رئيس قسم التخصص والدراسات التخصصية في معهد الفتح الإسلامي وثلة من العلماء الأفاضل وذلك في غرناطة من أجل حضور مؤتمر (أثر الحضارة العربية الإسلامية ودور إسبانيا في نقلها إلى أوربا) هذا المؤتمر الذي أقامته رابطة جامعات العالم الإسلامي مع معهد الفتح الإسلامي بدمشق و كلية الدراسات الأندلسية في إسبانيا وهناك في غرناطة ساحة باب الرملة التي أحرقت فيها كتب العالم ابن رشد الأندلسي فذهب الدكتور شوقي مرتين لرؤيتها في نفس اليوم مرة في الصباح وأخرى في المساء وفي صباح اليوم الثاني أصيب بنوبة احتشاء قلب حادة لانزعاجه مما رآه في اليوم السابق وقد أسعف حينها إلى مشفى مدينة بسطة حيث أمضى عشرة أيام فيها فرأينا منه الصبر والرضا بقضاء الله وقدره على ما أصابه من المرض في بلد غير بلده وبين أناس غير أهله ولكنه أظهر القوة والشجاعة إذ تجلى ذلك بتشجيعه لنا على الخروج من المشفى وأنه بخير وبصحة جيدة فكان حريصاً على عدم إخبار أهله بمرضه خوفاً عليهم من شدة القلق عليه.
وهذا غيض من فيض صفاته وشمائله الكثيرة فنسأل الله تبارك وتعالى أن يمتعنا بحياته وأن ينفع به البلاد والعباد وأن يجزيه منا خير ما جزى معلماً عن طلابه.
وفي الختام رحم الله القائل بلسان طلاب العلم ومريديه في حق العلماء والمسلمين.
يا من لكم بقلوبنا أسرارُ وعلى صحائف كوننا آثارُ
فاضت على الألباب منكم لمعةٌ دلت على سريانها الأنوارُ
منكم تنال المكرماتُ وعندكم هممُ الكبار كبارهن صغارُ
ولكم مطارُ الطالبين منابكم يُسعى إلى أعتابه ويسارُ
وعلومكم عمت وقد عم الورى من كل فج فيضها المدرارُ
ونوالكم هدرت سواكبه وقد ملأ النواحي بحره الزخارُ
لا زال منكم للأحبة هاطلاً علمٌ يُمدُّ بفيضه الأقطارُ
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إضافة تعليق