كلمة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في ندوة القدس مسؤوليتنا جميعاً

المشكلة تكمن في أننا نحن المسلمين نسينا القاعدة القدسية التي تدعو إلى تحديد سلم الأوليات دائماً في القضايا، سلم الأوليات، المبادئ الإنسانية مبادئ كثيرة ولكن يحكمها سلم، سلم الأوليات ينبغي أن نتبينه تماماً

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على كل حال، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعد أيها السادة والسيدات لقد فجرت الشهادات التي أصغينا إليها بركاناً من العواطف بين جوانحنا، ويبدو أنني سأحاول التحرر الآن من هذه العواطف التي كادت أن تأسرني وأن أتجه إلى شيء من العقلانية. والسبب في ذلك أنني لا أريد أن تصبح المساحة العقلانية وقفاً لأعدائنا، الذين يتهموننا بالإرهاب ويحملون هذه التهمة في مجالاتهم العقلانية المزيفة.

ويعرضون لكثير من القضايا المزيفة بطريقة عقلانية كاذبة، لا أريد أن أجعل المساحة العقلانية وقفاً لهم، أحب أن أقول بكلمات موجزة جهد الاستطاع، المقاومة هي الوجه الثاني لمعنى العدالة، العدالة لها معنى إيجابي ومعنى سلبي، أما معناها الإيجابي فهو تنفيذ القوانين التي تضمن حقوق الإنسان،  وأما المعنى السلبي للعدالة فهو مقاومة كل من يريد أن يعبث بهذه القوانين، وكل من يريد أن يقتنص حقاًَ من حقوق الإنسان هذان المعنيان المتكاملان يشكلان جوهر العدالة ذات الوجهين، والعدالة فيما أحسب هي المبدأ الذي تجتمع عليه الأسرة الإنسانية جمعاء منذ أن وجدت فوق هذه الأرض، وأعتقد أنها ستستمر مجتمعة على هذه الحقيقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكل شيء خاضع للتطور إلا العدالة، أعتقد أنها لا تخضع للتطور، أي تطور لها يعني القضاء عليها . ومن هنا كانت المقاومة الجزء الذي لا يتجزأ من معنى العدالة، ومن أنكر المقاومة بالمعنى الذي ذكرت فقد أعلن عدوانه على العدالة.

  هنا أجدني مضطراً أن أضع ذهني وأذهانكم أمام مشكلة، أنا أتصور أن هذه هي المشكلة الكبرى، المشكلة لا تتمثل في تقدم الإعلام الغربي والإعلام الصهيوني على إعلامنا العربي والإسلامي، على أن هذا موجود حاصل، المشكلة لا تتمثل في أن قوى الشر والطغيان الأمريكي يدعم الظلم ويتناسى العدل، وهذا موجود، لكن المشكلة لا تكمن في هذا الجانب، المشكلة تكمن في أننا نحن المسلمين نسينا القاعدة القدسية التي تدعو إلى تحديد سلم الأوليات دائماً في القضايا، سلم الأوليات، المبادئ الإنسانية مبادئ كثيرة ولكن يحكمها سلم، سلم الأوليات ينبغي أن نتبينه تماماً، أين تقف المقاومة التي هي الجزء الثاني الذي لا يتجزأ من معنى العدالة ؟ تقف في أعلى قائمة هذا السلم، وأنا أمام هذه الحقيقة التي أقولها أجسد كلامي من خلال التذكير بمأساة غزة التي مررنا جميعاً بها واعتصرت قلوبنا وعقولنا جميعاً.

هل رجع عالمنا العربي والإسلامي إلى مبدأ سلم الأوليات في هذا الأمر ؟ هل رجع عالمنا العربي والإسلامي متمثلاً في ساسته، ومتمثلاً في مفكريه ومتمثلاً في كثير من علمائه الدينيين، هل رجعوا إلى تحكيم سلم الأوليات؟ وهل علموا وتذكروا أن حماية العدالة بأحد وجهيها هو أهم مبدأ من هذه المبادئ في هذا السلم، هل ذوبت هذه الحقيقة الفوارق التي لها دورها، لكن تحت هذا المبدأ الكبير وفي درجة دنيا في سلم الأوليات. الذي أذكره وربما تذكرونه إن قلة من المفكرين والعلماء المسلمين والساسة الذين رجعوا إلى تحكيم مبدأ سلم الأوليات، عادوا إلى الفوارق السياسية فحكموها، عاد كثير منهم إلى الفوارق المذهبية فحكموها وتناسوا المبدأ الذي يدعوهم الإسلام إليه، عادوا إلى كثير من الفوارق الفكرية والاجتهادية، ومن ثم كنت أنظر وأتألم وأستبين المشكلة الكبرى التي تجعلنا نتراجع عن الانتصار.

  قلت في أكثر من مناسبة المشكلة ليست مشكلة طغيان الإعلام الغربي والصهيوني علينا، المشكلة ليست مشكلة طغيان التوجه الأمريكي إلى الظلم وتناسي العدل، المشكلة كامنة فينا نحن.أنا أتصور لو أننا نحن العالم العربي والإسلامي حَكم هذا المبدأ الذي هو أقدس مبدأ أعرفه في ديننا الإسلامي تحكيم مبدأ سلم الأوليات، إذ لرأيتم أن الغرب طأطأ الرأس دينونة لمبدأ العدالة ولحق عالمنا العربي والإسلامي، ولكن هذا لم يتحقق. أستطيع أن أضع بعض النقاط على بعض الحروف وليست كلها.

هنالك من قال إن المقاومة في الظاهر تسعى للدفاع عن الحق العربي والفلسطيني، ولكنها في الواقع تغذي مذهبيتها في لبنان، وكثيراً ما سمعنا كلمات وكثيراً ما قرأنا كلمات من هذا القبيل. مثل هذه الأفكار تنتشر أيها الإخوة تفعل ما تفعله الجراثيم (( العدوى )) وأنا أحمد الله عز وجل أن وظفني في تلك الفترة لسحق هذه التصورات المغرضة وللتذكير بسلم الأوليات الذي ينبثق من حديث لرسول الله ? إذ يقول)): الجهاد واجب عليكم خلف كل أمير براً كان أو فاجراً وإن هو عمل الكبائر(( وكم من الأحكام تنبثق من هذه الحقيقة، أمام هذا الظلم الذي يستشري والذي تمزق من خلاله مبادئ العدالة ( الله ودينه ) كل منهما يأمرنا أن نمزق اجتهاداتنا المذهبية أن نمزق أفكارنا التي تتوازعنا اجتهاداتنا فيها، كل ما يتعلق بمبادئ الإسلام والقيم الإنسانية كل ذلك يدعونا إلى أن نجعل من كل مبادئنا وأفكارنا واجتهاداتنا جنوداً مجندة لهذا المبدأ الأساسي الكبير، هذا معنى من معاني تحكيم سلم الأوليات في هذه القضية.

إحدى الشاهدات الفضليات قالت لنا: إن بعض الأجوبة التي وصلت إليها تقول: إن الحق كله على ( حماس ) الواقع هذه الكلمة صدرت من عندنا لا من عندهم، لكنها انتقلت إليهم من عندنا. في جلسة طال النقاش فيها سمعت من أبناء جلدتنا من يقول، لا الواقع المشكلة مشكلة حماس، اجتهاد خاطئ وقعت فيه حماس. الآن والحرب تستشري وراح العدوان يسحق الأطفال الصغار والكبار، ويسحق العدالة سحقاً، ألا ينبغي أن ننسى هذا الذي نقول، كان هذا الكلام يمكن أن يطرح في ساحته في ميقاته أما الآن فإن هذا الكلام يعني أننا نصب هذا الاجتهاد في وسيلة من وسائل دعم الظلم الصهيوني ( دعم الظلم الاسرائيلي)، ترى هل استطعت أن أقنع هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام. في مثل هذه الحالة لا ينبغي أن يقال إن فلاناً أخطأ في الاجتهاد وفلاناً أصاب، نعم بل علينا في هذه الحالة أن نلقي هذه التصورات المغرضة وراءنا ظهرياً، وأن نلتزم النهج الأول والأوحد الذي من خلاله ننفذ أمر رسول الله ? لا بل ننفذ القانون الإنساني، القانون العقلاني وهو منهج من المناهج العقلانية تحكيم سلم الأوليات في كل أمر من الأمور.

 أيها الإخوة أنا عدت للتو من أوربة، البارحة عدت، وأنا أؤكد أن الشارع الغربي عواطفه متجهة إلينا بكل معنى الكلمة، سواء نطق أصحاب هذه العواطف بعواطفهم أم غصت بها حلوقهم، لكن هذه حقيقة، لكن ما الذي يجعلهم يصمتون؟ ما الذي يجعلهم يسكتون، ولا يعبرون عنها؟ ينظرون فيجدون عالمنا العربي والإسلامي على الشاكلة التي يرونها.

 على المستوى السياسي كلكم يعلم ولا أريد أن أزيد هذه المشاعر المتألمة ألماً آخر من نوع ثانٍ، على المستوى العقلاني كذلك ومع الأسف أقول على المستوى الديني كذلك، إلى اليوم هنالك من يقول إن هنالك من يريد أن يجعل من المقاومة أداة لتغذية الروح المذهبية، الشيعة والسنة... إلى آخر ما تعرفون من هذه الأمور، ولقد بلوت من هذه الظاهرة بلاءاً عجيباً وغريباً وبحثت عن علاج لها إلى اليوم لم أستطع أن أصل إليه، رغم أننا نحن الذين يسموننا المشايخ نجلس نتكلم ونتناقش، أين أنتم من كلام رسول الله ? (( الجهاد واجب عليكم خلف كل أمير ))، في حال الأمن والرخاء نتبادل الرأي ونتجاذب أطراف الحديث، ولكن عندما يغيب الرخاء وأجد أن العدو المشترك بدأ يتجه إلى هذه الأمة جمعاء، يتجه إلى أصحاب هذا الرأي وهذا الرأي ليقضي عليهم جميعاً من خلال جسد هذه الكتلة التي تسمى فلسطين. طبعاً الهدف ليس فلسطين، فلسطين هي بوابة القضاء على العالم العربي والإسلامي ولن يتم ذلك بإذن الله تعالى.

هذه كلمات وجيزة لا أريد أن أزيد عليها أحببت أن أجعل منها لا أريد أن أقول كابحاً للعواطف التي استثارتني جداً جداً، ولكن أريد أن أجعل من هذا الكلام تتمة لهذه العاطفة ينبغي أن نعتمد على الميزان بكلا الكفتين ، أيها الإخوة والأخوات الكفة العاطفية والكفة العقلانية وأعتقد أن الله سبحانه وتعالى سينصرنا إن عدنا إلى عقلانيتنا بمقدار ما نعود إلى عواطفنا الإنسانية السليمة والحمد لله رب العالمين.

إضافة تعليق

10 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.