كلمة الشيخ الدكتور حسام فرفور في حفل تابين الدكتور شوقي ابو خليل

أبو معتز كان يحمل رسالة الحق حيثما نزل، وأينما سار، لا يخاف في الله لومة لائم، رضي من رضي، وسخط من سخط، كان بيننا وبينه جلسات عندنا في مؤسسة مُجمَّعنا المتواضع مجمع الفتح الإسلامي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآل كلٍ وصحب كلٍ أجمعين.
وبعد:
ما كنت أظن أن أقف في هذا الموقف مؤبَّناً لأستاذ كبير ومفكر وداعٍ إلى الله عز وجل. عرفته من خلال كتبه وفكره، من خلال مقالاته ومؤلفاته ومحاضراته وكتاباته، رحمك الله أيها الراحل الكريم.
الكلام في راحلنا الكبير الدكتور شوقي أبو خليل متعدد المناهل، والسيرُ فيه هو سير في أمور كثيرة متنوعة، وإذا كنت ممن كان قريباً من الدكتور شوقي لفترة قد لا تزيد على خمسة عشر عاماً أو ستة عشر ، فأعتقد أن هذه الفترة قمينة بأن تعطيني صورة صحيحة تستطيع أن تلخص ما علمنا عنه في هذه العجالة .
أقول: في المواقف التي تشترك فيها العواطف بالأفكار يستعصي علي القلم، فكرت أن أكتب ولكن القلم لا يستجيب، فقلت سأكتب بلسان روحي وقلبي، سأنطق بلسان روحي وقلبي، لأتحدث عن الرجل الذي باع نفسه لله.
الدكتور شوقي رحل إلى رب العالمين عالم السر وما يخفى، لا ينفعه مدح مادح فيه، كما لا يضره قدح قادح مهما كان، ولكن لا بد لنا من ذكر محاسن موتانا وهذا من الوفاء، لا يجوز لنا أن نذكر محاسن الأحياء فقط، بل لا بد من ذكر محاسن الأموات فهو وإن كان رحل ، فهو حي بقبره بصلاحه وتقواه، وفي قلبه وفكره ونفسه، ولا ننسى اليوم في تأبينه قول الله عـز وجـل ) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( [ آل عمران: 3/169]. قال علماء أمَّتنا: "سبق مداد العلماء دم الشهداء".
الدكتور شوقي لم يكن موظفاً في دار الفكر، ولا في مجمع الفتح الإسلامي، ولا عند أحد، لقد كان من خلفاء الأنبياء، كان في دار الفكر أستاذاً للفكر في معية هذه الثلة التي نفخر بها، الثلة التي تحمل راية الفكر الإسلامي الذي هو فكر الإنسان، لأن الإنسان لا ينتمي إلى ثلة ولا إلى جماعة، ولا إلى أتباع، ولكن إلى الإسلام الدعوة إلى الإسلام هي دعوة إلى الإنسان، ومن فهم الإسلام خلاف ذلك فقد أساء الفهم وضل الطريق.
أبو معتز كان من هؤلاء الناس الذين تصدق فيهم هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ( [ الأحزاب:33/23].أشهد بين يدي الله أنك لم تبدل تبديلاً، وأعتقد أن أكثركم إن لم يكن جلكم يشهدون معي هذه الشهادة.

أبو معتز كان يحمل رسالة الحق حيثما نزل، وأينما سار، لا يخاف في الله لومة لائم، رضي من رضي، وسخط من سخط، كان بيننا وبينه جلسات عندنا في مؤسسة مُجمَّعنا المتواضع مجمع الفتح الإسلامي، الذي خرَّج كبار وجل علماء الفكر، كنت أجلس إليه أحياناً مع الأستاذ الكبير الدكتور سهيل زكار، لأننا قد أسسنا في مجمع الفتح الإسلامي قسم التاريخ والحضارة العربية الإسلامية بمعية راحلنا الكبير الدكتور شوقي أبو خليل، وبمعية الدكتور عبد الفتاح البزم ، وضعنا أهدافاً لهذا القسم، لماذا القسم؟ ما هي رسالته؟ ما هي رؤيتنا؟ أهدافنا، غايتنا، طريقنا، منهجنا، آليات عملنا، كيف يجب أن تكون؟ وصفوة القول أن الذي فاز في هذا القسم هي رسالة حق، عودة إلى الحق عودة صحيحة، وبيان الحق بعيداً عن إسقاطات البشر واعوجاجاته، والدعوة إلى الحق والدفاع عن الحق وتكليف أناس يحملون رسالة الحق كما جاء بها الرسل من عند الله عز وجل، وكما جاء بها خاتم الرسل مصدقاً لمن سبقوا من الأنبياء والرسل، وهل نزل الأنبياء والرسل من عند الله إلا من أجل الحق؟
الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى كان ينهل من التاريخ والحضارة مرتعاً خصباً للفكر البناء، الفكر الإسلامي كما أنزله الله تعالى سعادة للإنسان وخدمة للإنسان وإجلالاً للإنسان، وتحريراً للإنسان، وحرية للإنسان، تحريراً له من عبودية الآخرين، ومن ربقة الشهوات، ومن ربقة حب النفس البشرية، ومن ربقة الاختلافات، ليجعل الإسلام من هذا الإنسان عبداً لله سيداً أمام ما سواه، لهذا جاء الإسلام ولهذا جاء سيدنا المسيح، ولهذا جاء سيدنا موسى ومن قبله سيدنا إبراهيم، وقبلهم كل الرسل والأنبياء، ليحرورا هذا الإنسان ويجعلوه سيداً أمام كل الناس وأمام كل الارتباطات، عبداً لخالقه.
الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله كانت همومه كبيرة، كما تفضل السادة المتكلمون، وأخص بالذكر الأخ الدكتور محمد وهبي سليمان الذي أخذ بأيدينا في تلخيص ما مر به الدكتور شوقي جزاه الله خيراً، فأوجز لنا شجون وآثار راحلنا الكبير.
كان همه منافحة الباطل سواء كان صاحبه عدواً أم جاهلاً أم مغرراً به، الباطل أيها السيدات والسادة كما تعلمون أقسام منهم أعداء الحق، ومنهم أصحاب الباطل، منهم جهلاء جهلوا الحق، ومنهم من تابوا فعادوا، وأخطر من هؤلاء جميعاً من باعوا دينهم بدنياهم ) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( [ البقرة: 2/16-18].
الدكتور شوقي كانت له بصيرة ثاقبة، كان يتمتع بروح علمية عالية، وكان يقرر سيرة المصطفى r وشمائله بلسان روحه قبل لسان رأسه، كنت أمر على بعض الفصول الدراسية حينما يكون الدكتور شوقي يلقي درسه فأراه وقد ازدحم عليه الطلاب والطالبات، فكنت أسمعه يقرر السيرة و قلبه يبكي قبل عينيه.كان يتغنى بالسيرة ولا يقف عند السطور فقط، بل ينفذ إلى ما وراء السطور، وإلى ما وراء الوراء، كان ينهل من السيرة النبوية والأخلاق المصطفوية منهجاً حياتياً يسقطه على التاريخ، ويعرف التاريخ من خلال هذا النبل الإنساني، الذي طبع عليه نبل خاتم الأنبياء والمرسلين الذي وصفه الله سبحانه وتعالى، بل أخبر عنه بقوله: ) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ([ القلم:68/4].
كان لنا الشرف في معهد الفتح الإسلامي أنا والأستاذ الدكتور عبد الفتاح البزم في التنسيق مع رؤساء الجامعات الإسلامية ممثلة بأمينها العام الأستاذ الحقوقي الكبير الدكتور جعفر عبد السلام علي وهو شخصية فذة، حضرنا مؤتمراً في غرناطة بعنوان (( أثر الحضارة العربية الإسلامية في نهضة أوربة )) ، واستنفرنا عدداً كبيراً من المؤرخين في العالم العربي والإسلامي، وشاركَنا عددٌ كبير من الجامعات العربية والإسبانية وغيرها وكبار فلاسفة الفكر والتاريخ والدعوة، وعدد من الفلاسفة هنا من سورية وكان مؤتمراً على مستوى عالٍ من الحضور، وإن كان عتم عليه إعلامياً، طبعاً الذين عتموا عليه هم ذيول الفكر الصهيوني في الغرب، لكن أحرار العلماء والمفكرين، والأحرار الذين تعرفنا عليهم في إسبانيا والغرب وقفوا معنا في هذا المؤتمر.
الشاهد ذهب الدكتور شوقي أبو خليل إلى ساحة ابن رشد التي أُحرقت فيها كتبه في حادثة مؤلمة مأساوية معروفة في التاريخ، وحينما عاد كان غير شوقي الذي ذهب.
أصدقكم القول: العالم الأوربي أفاد من حضارتنا من خلال غرناطة وقرطبة وإشبيلية، وبقيت أوربة التي لم تصل إليها علوم وحضارة العرب والمسلمين 500 سنة متخلفة عن بلاد الأندلس، وهذا ما أقره كبار المؤرخين والفلاسفة ورجال الفكر، حتى قال بعضهم لتلامذته: أتدرون ما هي اللحظة السوداء، واليوم الأسود في تاريخ أوربا والغرب، تكلم في هذا البروفسور(( روجيه غارودي)) في كتابه (( مستقبل الإسلام وماهية الإسلام )) وجعل بعض التلاميذ يقول ما يقول، قال لهم: "لا، إنه يوم بلاط الشهداء، يوم استشهد فيه عبد الرحمن الفافقي، ووقف المد العربي الإسلامي". قال هذا الفيلسوف: "يوم انتصر الجهل على العلم وانتصر الظلام على القيم". رحمك الله يا دكتور أرجعتني بزيارتك إلى ساحة ابن رشد، وأنت تستحضر الجهل والتخلف الذي كان عليه الغرب في القرون الوسطى، وكيف بُعثرت كتب ابن رشد الذي كان منار العالم، وقبس منها الغرب، نحن كما تعلمون أيها السادة والسيدات بناة حضارة ولسنا سعاة بريد، نحن نقدنا حضارة اليونان والرومان وأخذنا من حضارة الفرس، وأخضعنا الحضارات التي كنا ننقلها للنقد، فنحن كنا رواد مبدأ التجربة، ما كان إنسانياً، فأخضعناه إلى قواعد الفكر والعقل المستنيرين.
رحمك الله أيها الراحل الكبير كان يرى أن المد الإسلامي في سماحته ضمان لكل الفئات السابقة، ولطالما تحادثنا وتذاكرنا وكان يقول لو فعل الأندلسيون كما فعل الإسبان في محاكم التفتيش: "كن كاثوليكياً أو نقتلك"، لو فعل الإسلام كذلك يوم كان القطب الأوحد يملك الكل لما بقي كاثوليكي ولا غيره، ولكنه الإسلام لم يفعل، لأنه لم يسجل التاريخ على الأمة أي توافق على ظلم وباطل، بل جاء الإسلام ليعطي حرية الدين ) لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ( [البقرة: 2/256]. وأما الفتوح التي نفخر بها والتي يعيرنا بها الغرب، ويسمي جرائمه ووحشيته بالفتوح الكبرى فهي لتحرير الإنسان، في أمريكا تحت كل شبر من الأراضي جمجمة هندي أحمر أو زنجي أسود، ومع ذلك يسمي الغرب جرائمه وقضاءه على الحضارات الأمريكية القديمة بالفتوح.
جهادنا وفتوحنا كان من أجل إعطاء الإنسان حرية المعتقد ورفع استعباد الملوك والرؤساء والبطاركة للإنسان على إكراه على الدين ) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ ( [البقرة: 2/193]، والفتنة هي إكراه الإنسان على معتقد لا يؤمن به ) فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ( [ الكهف: 18/29]، ومن شاء فليكن موسوياً، يهودياً، مسيحياً، مسلماً، درزياً، شيعياً، هذا الدين يحاسب الله عليه في الآخرة، لا يحاسب عليه أحد في الدنيا، ولكن مهمة الإسلام في الجهاد أن يوقف الظلم والباطل والاضطهاد وعبودية الإنسان وسحق الشعوب على العقائد ،حتى يقرر الإنسان ويكون مسؤولاً عن اختياره بين يدي الخالق.
هنا أذكر كلمة قالها رئيسنا رئيس هذا البلد الدكتور بشار الأسد وفقه الله تعالى يوم زيارته الزيارة التاريخية التي قام بها فخامة البابا بولس السادس، قال له: (( من هنا انطلقت المسيحية، وجاء الإسلام ليحمي انطلاقتها )) نعم، المسلمون العرب عندما فتحوا هذا البلد وكان مستعمراً من قبل البيزنطيين، وكان البيزنطيون معروفين بلؤمهم، ويسحقون هذا الشعب المنكوب ،كانوا مظلومين مسحوقين سحقاً، وقتلاً، وتقوم عليهم جرائم إبادة، وحروب إبادة، وإتاوات، جاء الفتح الإسلامي ليخلص هؤلاء من البيزنطيين، فطلبوا منهم تحريرهم من البيزنطيين الظالمين، ثم أعطوهم حرياتهم الدينية وحقوقهم المدنية وأعادوا لهم الكنائس التي خربها وهدمها البيزنطيون ووظفوهم في دوائر الدولة، حتى غدا منهم رؤساء الديوان والوزراء ووزراء المال وغير ذلك. الكلام في هذا طويل.
نسأل الله لراحلنا الكريم مزيداً من الرحمة والنجاة، وأن يحمي الله بلاد الشام وعاصمتها دمشق، دمشق العروبة والإسلام، دمشق هي رسالة الرسالات السماوية كلها، واسأل الله تعالى أن يكافئه بهذا الحق الذي انتهجه، هذا الحق الذي نذر له من نفسه.
أشكر لكم حسن إصغائكم ولدار الفكر ولأخينا الكبير الأستاذ محمد عدنان سالم على هذا العمل المبرور، ولا بد أن أشكر مجمع الشيخ أحمد كفتارو ونترجم على شيخنا الكبير المفتي المرشد الذي ربى أمثال الدكتور شوقي أبو خليل، وإن كان الدكتور شوقي بعد ذلك طور نفسه وهذا أمر عادي، رحم الله شيخنا الكبير وبارك بكل المستفيدين الذين استفادوا من راحلنا الكبير الدكتور شوقي، وإلى البقاء على المنهج العذب يا دكتور شوقي بإذن الله تعالى ونحن شركاؤكم في ديار الحق ، والسلام عليكم.

إضافة تعليق