كيف سافر جورج أورويل عبر الزمن... رواية (١٩٨٤) والمتغيرات التي يعيشها العالم الآن

من البداية إلى النهاية.. لا يتوقف الإدهاش في رائعة جورج أورويل رواية (1984) التي استشرف بها واقع المجتمعات الحديثة، واستقرأ فيها بخيالٍ مبهر، ما سيكون عليه العالم في ضفة زمنية يفصله عنها نصف قرن تقريباً.
وعلى الرغم من أن القارئ المعاصر للرواية التي كتبت في العام (1949م) لن يتلقاها بنفس ما يتلقاها قارئ ما بعد نهاية القرن العشرين، فالقارئ القديم غالباً ما تخيل مع الكاتب مآلات العالم ومستحدثات نظامه السياسي والاجتماعي في المستقبل البعيد، أما القارئ الحالي فيتعجب وهو يسأل كيف لأورويل، أن يتصور سيناريو ويضع تفاصيله الدقيقة بكل هذا التطابق مع الواقع الذي نحياه الآن؟ وكيف تنبأ المؤلف بأن مصير العالم سيتغير بهذا الشكل؟ وكيف تطابقت الوقائع مع الصور الرمزية التي حوتها الرواية؟ ناهيك عن الاختيار العبقري للفترة التي دارت فيها الرواية، فهي في قلب حقبة الانفتاح والسطوة المادية على كافة مناحي الحياة، وقريبة من عصر التكنولوجيا السريعة، التي أصبحت بأهمية الطعام والهواء وتغلغلت في كل شيء حرفياً.
العالم الذي تغير بشكل حاد وسريع منذ سبعينيات القرن الماضي، رتب أورويل بشكل مذهل خطوات تحوله بكامل تفاصيلها، مضفياً صورة ضبابية على الماضي، ليجعله مبهماً وغير مفهوم ومشكوك في أحداثه وتفاصيله، وقابل للتعديل والتحوير وهي لفتة بالغة الذكاء، وطّن فيها أورويل ذهن القارئ في الحقبة التي تعايشها شخوص الرواية بكامل تفاصيلها، وإن كان التركيز الأهم في الرواية على النظام الذي يمثل سقفه (الأخ الكبير) وهي الرمزية التي وضعها الكاتب للحزب الحاكم المهيمن على كل شيء، والتي تصور النظام العالمي الآن وأقطابه الكبرى التي تتواتر علاقاتها بين سلم وحرب، وإن لم يأتِ التطابق بين الرواية والواقع كاملاً ظاهراً لكن في جوهر مقصد نص أورويل ورؤاه، فإن متغيرات العالم التي رسمها أورويل في روايته والمتغيرات التي يعيشها العالم حالياً تشابهت بشكل يدعو للإعجاب والعجب، وكأن الكاتب سافر عبر الزمن، ثم عاد ليصور ما رآه. فعلى سبيل المثال العالم الآني، الذي تختفي فيه الحواجز، ويسهل إخضاع الأفراد فيه بشكل ما إلى الرقابة الإلكترونية بوسائل متعددة الصور، من أقمار صناعية، مروراً بالسجلات الإلكترونية، وانتهاءً ببرامج تحملها الهواتف الذكية، صورها أورويل بشاشات عرض تراقب الحياة العامة والخاصة للسكان.
أورويل، كان بالغ الذكاء حين صور التحولات كافة، ليعطي القارئ القديم والجديد معايشة للواقع، الذي تصوره الرواية، فالتحول الاجتماعي صوره أورويل انبثاقاً من التحولات السياسية وليس بالانفصال عنها، حتى لا يبتعد عن النسق العام الذي رسمه، وإن لم يكن التركيز على التحولات الاجتماعية قوياً، لكنه لم يكن ضعيفاً أو مهملاً، والانبثاق ههنا كان من خلال علاقات (ونستون) بطل الرواية مع جيرانه وزملاء العمل، وقاطني الأزقة الفقيرة، ورواد المقهى والباعة وأبناء الشوارع والطبقات المنسية، والفئات المسحوقة.
أراد أورويل أن يصور العاطفة والمشاعر الإنسانية لمواطني عام (1984)، والتي ستتغير بطبيعة الحال مع التغير الحاد لكل ماديات الحياة المعاصرة، فإضافة إلى الحوار الذاتي، الذي يحكي فيه (ونستون) عن علاقاته مع زوجته، ومن قبلها علاقته بأمه وأخته، يدس أورويل قصة عشق (ونستون وجوليا) زميلته في العمل، وكيف تحولت العاطفة تجاهها من خوف وكراهية ونفور إلى حب جامح وتعلق عنيف وتوحد حميم في الأفكار المعادية لـــ(الأخ الكبير)، ثم النهاية الفاترة لعلاقتهما، التي مرت بمنعطف اختباري وقف فيه(ونستون) أمام جوليا موقف النذل الخاسر.
إطالة أورويل وإسهاماته في رواية (1984) لم تخلّ بالنص ولم تصبه بداء الرتابة، بل كانت مناسبة وملائمة ومطيّة مطيعة لمعايشة الحالة العامة للرواية، واستيعاب المقاصد التي يرمي إليها المؤلف كما هي، التغلغل في التفاصيل والحبكة القصّية لحكايات المجتمع، الذي يعيش فيه
(ونستون سميث) والمراقب على مدار الساعة والخاضع لسلطة الأخ الأكبر الذي يفرض على السكان نمط حياة مبرمجاً يحدد لهم فيه حتى مواعيد النوم وأنواع الطعام والسكن، بل واستخدام لغة جديدة والابتعاد كلياً عن اللغة القديمة، كل هذا قدمه أورويل بأسلوب سردي بليغ، ولغة سلسة لينة خالية من التعقيد والحشو، بل إن مجرد تصور الاختصار في مواطن الإسهاب تلك، سيعطينا تخيلاً لنصٍ مبتورٍ خالٍ من أهم عناصره، بعيد جداً عن غايته المهمة.
التطور المفاجئ في نهاية الرواية، كان مثل السقوط الفجائي من ارتفاع شاهق أثناء سير هادئ في حديقة مطمئنة، فالثوابت التي شرع (ونستون) في بنائها تنهار والداعم الأقوى والمؤيد الأهم للأفكار المناهضة التي عششت في عقل (ونستون) كشف عن قناع رهيب، لم يمسس قلبه شك في أنه موجود، والفكرة المثالية التي اعتنقها (ونستون) وعانى نفسياً وجسدياً من أجل تحقيقها، هُزمت شر هزيمة، كما انتهت علاقته بمحبوبته (جوليا) نهاية باهتة، ليغلق أورويل باب روايته بهدوء كما فتحه في بدايتها بهدوء، وليبقى القارئ متأثراً برحلته الطويلة الخلابة، ومعه نفس السؤال الذي يحمله الذين سبقوه في قراءة (1984)... كيف سافر جورج أورويل عبر الزمن؟!
جورج أورويل، قدم رواية متكاملة محشوة بأفكار متداخلة بأسلوب سردي مشوق، وإن كانت متشائمة صورت العالم خالياً من كل الحريات، إلا أنها نسجت في النهاية رائعة أدبية، وعلامة من علامات الخيال السياسي استحقت بعدها أن تدخل ضمن قائمة أفضل مئة رواية في العالم، وأن تترجم إلى أكثر من ستين لغة دون أن يخفت الإقبال عليها من قبل قراء يعتبرون أنها باتت وثيقة الصلة بواقعهم ونبوءة من نبوءات العصر الحديث، بل وتسهم في تفسير بعض القضايا، على الرغم من استمرار صدماتهم بالعالم السيئ وتفاصيله السوداء، التي صورها أورويل في روايته الرائعة (1984).

إضافة تعليق