كيف غيّر شكسبير كل شي ء ؟

يحاول الروائي والكاتب ستيفن ميرش، في كتابه: « كيف غيّر شكسبير كل شيء؟»، أن يكشف عن عمق النفوذ الخفي، الذي مارسه وليام شكسبير على الثقافة الغربية، بمجملها. وعبرها على الثقافة العالمية.
والكتاب طبع من جديد، قبل أسابيع، بعد إعادة النظر فيه، وإثرائه..لكن ما هي المظاهر والوقائع التي تدل على أن شكسبير «غيّر كل شيء»؟
إن الإجابة على مثل هذا السؤال، والذي يشكّل بالوقت نفسه، موضوع عنوان الكتاب، يجدها ستيفن ميرش في العديد من المظاهر، فشكسبير مخترع ما يزيد عن 7000 كلمة، أضيفت إلى القاموس اللغوي الانجليزي، لتنتقل بعدها عبر آليات مختلفة، إلى بقية اللغات، الأوروبية وغيرها.
كما ترجع إلى شاعر انجلترا الأكثر شهرة، كلمات تدل على الفجر والشعاع الخافت، إلى جانب كلمات أخرى عديدة. ويجري التأكيد على أن العديد من الكلمات، التي اخترعها شكسبير، لا تزال مستخدمة حتى اليوم. وهو مخترع اسم جيسيكا و"تاجر البندقية".
وشكسبير هو صاحب العمل الشهير الذي يحمل عنوان "عطيل" أو تيللو، الذي يشكل لحظة مفصلية في تاريخ السود الأميركيين، والسود عامة.
وكان المخرج بول روبيزون قد شرع بالإعداد لعرضه منذ سنوات الثلاثينيات في القرن الماضي. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يسند فيها دور لشخصية سوداء. وكان إسناد مثل ذلك، آنذاك، بمثابة أحد نقاط الانطلاق لوصول أميركي أسود من أصل إفريقي، وهو باراك اوباما، إلى البيت الأبيض، بعد عقود عديدة من تقديم عطيل على مسارح برودواي.
ويشير المؤلف، في السياق نفسه، إلى محاولة النظام النازي بقيادة أدولف هتلر، في ألمانيا، استخدام شكسبير كأحد مرجعياته التاريخية. بل وحاول الحزب النازي بعد وصوله إلى السلطة عام 1933، تقديم الحجج والبراهين على أن وليام شكسبير، كاتب من أصول جرمانية، الأمر الذي يفسّر في الوقت ذاته، عبقريته، حسب مقولات الدعاية النازية .
ويلمح المؤلف إلى أن مسرحيات شكسبير خاصة، خدمت كقاعدة لمفاهيم سيغموند فرويد، عن الدوافع والغرائز. كما أن شكسبير هو مخترع صورة المراهقين كما نراهم اليوم. وبهذا المعنى توجد بعض جذور التحليل النفسي، الذي غدا أحد أهم مشارب الفكر في القرن العشرين لدى وليام شكسبير.
ومن النقاط التي يؤكد عليها مؤلف الكتاب، أن شكسبير، ومن دون إرادة واعية منه، ومن دون أن يسعى إلى ذلك، وجد أعماله في صميم العديد من الحركات الاجتماعية، وأحيانا ذات الطابع الروحاني، إلى هذه الدرجة أو تلك. وكذلك الحركات ذات الطبيعة التنويرية والتحديثية. وفي المحصلة يرى المؤلف أن صاحب "الملك لير" و"تاجر البندقية"، أسهم إلى حد كبير، في صياغة المنظومات الأخلاقية الغربية، بشكل عام.
ووصل تأثير شكسبير إلى مساهمته في تغيير "مشهد الطيور" في شمال القارة الأميركية. وهكذا قام المدعو اوجين شيفلن في نهاية القرن التاسع عشر، عام 1890، بإطلاق 60 طير زرزور، في حديقة "سانتر بارك"، وكان وليام شكسبير قد ذكرها في مختلف أعماله. ومثل بذلك، الكاتب الوحيد الذي أتى على ذكرها. ذلك تحديدا في العمل الذي يحمل عنوان "هنري الرابع"، الجزء الأول، كما يشير المؤلف.
ولكن ذلك لم يمنع واقع، أن طيور الزرزور تكاثرت إلى أسراب كبيرة، وخرّبت المزروعات وكانت، كما يقال، سببا في انتشار بعض الأمراض.
وكان شكسبير يتحمّل مسؤولية ذلك كله، وكانت أعماله وراء تخريب المزروعات الأميركية. وبهذا المعنى لم يكن تأثير شكسبير في الاتجاه الإيجابي فقط، ولكن كانت له أيضا آثاره السلبية بنظر البعض.
ثم كانت لشكسبير مكانة خاصّة في عالم المسرح وممثليه. وكان أي ممثل في العالم يلعب دور هاملت أو عطيل أو الملك ليرأو أي من شخوصه، يكتسب هو نفسه، شهرة ومكانة خاصتين في عالمه.
ذلك أنه يغدو في فئة الممثلين الكبار، الذين كان لهم شرف أن يلعبوا دورا كان شكسبير هو الذي صممه,الأمر الذي كان له وقعه الخاص على المشاهدين.
وهذا لا ينطبق فقط على الممثلين، بل على رجال السياسة أنفسهم، حيث يؤكد ستيفن ميرش، أنه ربما ما كان هناك اوباما حاليا، لو لم يكن هناك عطيل أولا، كما أنه ربما ما كان هناك ليوناردو دوكابريو، لو لم يكن هناك روميو قبله. وهكذا إذن غيّر شكسبير كل شيء. وفي كل الحالات لا تزال مئات المسارح في جميع أنحاء العام، تقدّم أعماله .
تأليف: ستيفن ميرش
الناشر: هاربر بيرنيال لندن 2012
جريدة البيان

إضافة تعليق