كيف نقرأ الرواية؟

عمل الروائيون على اثنين من مستويات السرد في الوقت نفسه، إنه ليس عليهم فقط اختراع القصة التي يخبروننا إياها في عملهم الإبداعي، إنما هم يقررون أيضا الكيفية التي ستروى بها الرواية. في عملية التمييز بين المستويين، أطلق الكاتب بوريس توماشيفسكي (Boris Tomashevsky ) عليهما مصطلحي (الخرافة، أو الحدوتة)، (وهي لب الحكاية التي تحدث) وتكون في المستوى الأول من السرد، ومصطلح "قصة” وهي الحكاية كما يتم تقديمها للقارئ وكما تبدو في المستوى الثاني من السرد.
عند القيام بتحليل القصة: يجب أن نرى أولا أين، وكيف تختلف عن الحكاية (الخرافة) ، لذلك فان الباحث في الآداب جيرارد جينيت (Gerard Genette) حدد ثلاث طرق يمكن تنفيذ ذلك من خلالها وهي كما يلي:
أولا : بالنسبة للحدث، فانه في الحكاية كما في الحياة،تقع الأحداث في مجرى زمني متتابع وصارم، ولا يمكن التدخل في ترتيبه، أو القيام بالتأثير على الزمان، لكن يمكن إعادة خلق الترتيب والتتابع في السرد ضمن المستوى الثاني، ضمن تقنيات مختلفة وهذا ما تحدده القصة، يمكن أن يعود السرد في الزمن إلى الوراء للحظات في أثناء الحدث.
ثانيا : يمكن أن يتم قص الحدث في القصة بمقدار الوقت الذي حدث في الخرافة، كما إنه يمكن قصّه بصورة أسرع (ملخص) أو أبطأ، ويمكن أيضا أن لا يتم سرده مجملا..
ثالثا: بتكرار الأحداث، يمكن أن يكون للحدث تكرار ما في السرد داخل القصة، لكنه يذكر مرة واحدة في الخرافة، أو قد يحدث العكس، وللكاتب أن يقدر ضرورة ذلك وملائمته للسرد .
عند تحليل القصة، يجب استحضار السرد، هنا يزودنا جيرارد جينيت بدلائل نافعة، فهو يميز بين السرد الأحادي "homodiegetic الذي فيه يقوم السارد بتلاوة الحكاية، وبين السرد المتعددheterodiegetic" الذي يغيب فيه الراوي عن القصة التي تروى. بالنسبة للسرد الأحادي homodiegetic ، فإنه يتحتم طرح السؤالين التاليين :
• هل السارد مركزي أو هامشي في الرواية ؟
• هل السرد الذي تجري روايته مطابق تماما عما يقال في الرواية ؟
في السرد المتعدد، من الأجدى أن تنظر إلى الرواة باعتبارهم شخصيات يجري رسمها، ابحث عن اللحظات التي يشير فيها الرواة لأنفسهم، تجاربهم الخاصة أو إلى فعل كتابة الرواية، أو لحظات توظيف الأحداث عن طريق وضعها في سياقات اجتماعية دينية، أخلاقية، فلسفية،، أو المعرفة أو الحكمة.
السارد الأحادي؛ يمكن أن يشاهد ويسرد بما يسمح له موقعه كشخصية في الرواية، لكن السرد المتعدد، على العكس تماما ، فانه يمكن أن يرى من عدد مختلف من المواقع، وقد يقرر الروائي تحجيم أدوارهم في موقع ما من الرواية لتوجيه الحدث، هذه المحددات هي التي يسميها جيرارد جينيت بالبؤرة، ومنها مصطلح"التبؤر" أو "التموضع"، حيث يصبح السرد بؤريا مركزا في شخص واحد، وهو (التموضع أو التبؤّر المستقر) "أو انه يتوزع بين عدد من الساردين (التموضع أو التبؤر المتغير)، ومثل السرد الأحادي، فإن الروائي وحده في( التبؤر الثابت ) من يعرف كيف تفكر الشخصية الرئيسية التي تروي،ولا يبوح بكل ما لديه دفعة واحدة، بينما في التبؤر المتغير فان الروائي يملك القدرة على معرفة كيف يفكر بقية الأشخاص، وبذلك يمكن إعطاء الأهمية للحظات، أو مواقف خصائص شخصية منها يمكن الولوج إلى تفكير أو رأي الشخصيات المختلفة.
يجب تحليل الخرافة\الحكاية جيدا، بالإضافة إلى مكوناتها، وهي (الشخصيات، الحدث، التفاصيل)، وجميعها تعمل معا من أجل خلق وهم الحقيقة، هذا الوهم الذي تتميز به روايات القرن التاسع عشر، ولكن هذه الخصائص أيضا هي خصائص الرواية وجزء من مواصفاتها، وعلى الناقد التطرق إلى مكوناتها عندما يقوم بالتحليل. هذا يعني انه لا يجوز الاعتناء بشخصية ما بمعزل عن الشخصيات الأخرى، بعض الشخصيات ستشكل ثنائيا، بعضها ستكون علاقة مع شخصيات أخرى، بينما تنضوي شخصيات أخرى في مجموعات تصنف حسب الموقع أو العائلة أو المهنة أو القيم، وعلى الناقد أن يحدد خصائص كل منها ومميزاته، كما نال plot ذاته لا يجوز أن يكون معزولا، بدلا عن ذلك انظر إلى الحركات واللفتات والخصائص التي تكون شخصية ما، من أجل تكوين العلاقة بين عدد من الشخصيات المحورية، إذا كانت أكثر من واحدةـ وانتبه إلى تكوين الشخصية عبر الفصول والأجزاء المختلفة للرواية، وخصوصا الروايات التي تنشر على أجزاء.
• يجب تحليل التفاصيل أيضا، يجب إعطاء الأهمية لكل واحد من التفاصيل التي تتشارك معا في خلق العالم الروائي وذلك من خلال "دراسة ما الذي اختاره الروائي وما الذي أغفله أو استثناه ..
• هل قام الروائي باستبعاد شخصيات ضرورية أو تهميش شخصيات كان يجب أن تكون محورية (نساء، عمال، أطفال، عبيد ، فقراء)،
• هل قام بالتركيز على فترة بالذات من حياة الشخصيات، (شخصيات أطفال، أو شخصيات مراهقة، أو شخصية عجائزية)
• بالانتباه إلى نطاق الخبرة الحياتية أو التجربة الروحية، الإيمان والدين، الحياة الفكرية والعقلية .
• الاهتمام بالموقع أو المكان (المدينة وخصائصها، هل هي مدينة صغيرة، أو قرية، الطبيعة ومواصفاتها .
• يجب التمييز بين التفاصيل ذاتها بحيث التفريق بين تلك التي هي هامة بحد ذاتها من تلك التي تساهم في خلق الوهم الحقيقي كعالم روائي، ثم الانتباه إلى دلالة تلك التفاصيل، وما الذي تعنيه في الرواية ، وكيف تخدم القضية الروائية.
أخيرا يجب أن تتذكر أن الرواية هي خلق استثنائي، وقادرة على استيعاب جميع التقنيات اللغوية ، ولهذا السبب فان م. م، باختين ( M M. Bakhtin ) يعتبر الرواية خلقا متعدد الألسن، بالإضافة إلى خطاب الراوي نفسه فان الرواية تقدم خطاب الشخصيات المختلفة ، لكنها أيضا يمكن أن تقدم قصيدة ، أغنية، خبر اً من صحيفة، ورقة علمية، وصفة علاجية، باختصار فان أي نص لغوي يمكن أن يدخل ضمن الرواية ، ومن خلال تقديم مختلف الخطابات فان الرواية تبدأ بالنمو وتكوين العلاقات بين شخصياتها ،وبين عالمها المخلوق وهما،وهو الحقيقي بديناميكيته .

إضافة تعليق