لاتح” لعبدالحميد الطائي . . عودة إلى كلاسيكية اللغة العربية

جريدة الحليج (18/10/2008
د. أحمد مصطفى

في البدء كانت الكلمة، ووحدة بناء الكلمة هي الحرف، ولطالما اهتم المبدعون بالحرف في اللغات المختلفة رسماً وتصميماً وزخرفة. كما قيس تقدم الأمم والحضارات بالحروف التي استخدمتها في لغة تواصلها، وتجاوز الأمر قواعد اللغة والصرف الى خزعبلات السحر وطقوسه فكان لكل حرف قوته ومفعوله، لكن عبدالحميد الطائي رئيس تحرير صحيفة عُمان تريبيون اختار ان يغزل بالحروف شيئاً آخر لا هو بالسحر ولا هو بالزخرفة ولا بنحو أو صرف.

قفز الطائي قفزة هائلة للخلف في تاريخ اللغة العربية الجميلة ليقبس قبسة من فكر يسحبها على حاضر العرب ولغتهم ويجهد لاستشراف مستقبل عبر “حواس حروف”، فعن دار الفكر في دمشق صدر كتابه الأول في سلسلة حواس حروف بعنوان “لاتح”.
وقبل التشتيت تعني “لاتح” عاقلاً أو داهية - ولا أظن ان الكاتب العماني يقصد ان يصف نفسه بذلك، لكن ترتيبه للحروف للنشر بدأ باللام وربما كان أفضل ما لديه في اللام هو ما سطره بادئاً بالحروف “ل ا ت ح”، ثم ان هذا الباب تحديداً يضم ما يشبه “الوصايا” المكثفة المقتضبة والمشحونة الى حد أنها قد تلسع أحياناً.
قد يتصور متصفح الكتاب، للوهلة الأولى انه سيطالع شعراً يستخدم الحرف في تنويع القوافي خاصة وأن الكتاب مسطور بحروف وكلمات مشكلة لتوصيل المعنى الصحيح، إلا أن أبواب الكتاب انما تتضمن فقرات من كتابة فكرية غير متقعرة وإن لم تفتقد جزالة اللغة العربية التي قضى عليها استسهال مستخدميها الى حد اصبح اقرب للميوعة.
إنما قصر فقرات الكتابة، واستخدام الحرف لبداية الفقرة (عكس قافية الشعر)، واللغة السليمة في غير افتعال والفصيحة دون تعال، جعل من الكتاب اقرب لأسفار اللغة، لكن قراءته تكشف عن كاتب مهموم بقضايا عصره، ومنها لغته العربية بالتأكيد، في شتى مناحي الحياة وبمشاكل امته التي كانت مجيدة وأصابها وهن حضارة.
يقول الكاتب في مقدمة كتابه: “للحرف العربي غاية تلقين وايصال لمعنى مبين، ولتلاقي الحروف في لغتنا معنى يحمل معه الحاسة لمفهوم الجملة لدى المتلقي من بدئها الى ختامها”. ثم يضيف: “وما لنا الآن لم يكن لنا بالأمس. كنا أقوياء وبتنا ضعفاء، ولا مستقبل لنا حتى نعود لمعنى كان كي نكون”. وأظن ذلك جوهر محاولة الكاتب ليضرب اكثر من عصفور بحجر: إعادة احياء الاهتمام باللغة حرفاً وكلمة، وصياغة آرائه فيما يجري حوله بشكل جديد في الكتابة.
في باب “كيف؟!” من الكتاب يقول عبدالحميد الطائي عن الثروة العربية: شمسنا تتصبب عرقاً بارداً
لأفواه النقمة
وعبدة القمر الحالم
بوراثة الشروق
قبل غروب آخر غسق
وإقامة الصلاة على روح
“فقيدة النور”
في ساحات الظلام الدامس
ظهراً.
ومن الثروة وأبعادها الاجتماعية والسياسية الى العلوم العربية الحديثة، التي يقول عنها:
بدر سماؤه مقفرة، إلا من:
نجمين
لا ثالث لهما
نراهما عند خسوف الرؤية
لدى العاقل،
وكسوف مبادىء قلبه امام وهج الشمس.
يعد “لاتح” الكتاب الأول في سلسلة “حواس حروف” التي سطرها بالفعل الكاتب العماني عبدالحميد الطائي، على ان تتبعه كتب اخرى، لكن ذلك لا يغني بالطبع عن الكتاب الذي أظن انه اضافة ليس فقط لكتب اللغة، بل للفكر والتأمل في شؤون العصر الجارية والموقف منها.

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.