لاتح ..المحارب الداهية ضد الريح العاتية

· الريح والكلمات ...
·
الزميل والصديق : عبد الحميد الطائي اختار الطريق الصعب ، الطريق الوعر في الكتابة . يحمل الأزميل الصلب والمطرقة القوية الثقيلة ، وينقش حروفه على الصخور الصلدة كالجرانيت .. ياصبر أيوب !!.
الكتابة اختيار ، وجع.. هموم وجهد ..بذل وعطاء . وقد اختار الكاتب إن يكتب الكتابة الصعبة القوية القاطعة كحد السيف . الكتابة التي لايقدر على استخراجها من حيز القوة إلى حيز الفعل ، إلا القوي الصادق الأمين .
ولقد عاهدته يختار الطريق الصعب منذ سنوات وسنوات تزيد على العشرين عاما . لايختار الطريق السهل المفروش بالورد والرياحين ، بل الطريق الجبلي الوعر الملئ بالأشواك والحفر وهو واثق بأن كتاباته هذه سوف تصل للقارئ الواعي المدرك لكل حرف وكل كلمة وكل سطر ، لأن القارئ ذكي ، وكما يقال ، اذكى من الكاتب الذي يحاول أن يموه مايريد قوله ، وما يود توصيله إلى القراء بطريق غير مباشر ، ما بين السطور . هنا تكمن الصعوبة ، لأنها كتابة صعبة مختزلة بالحكمة ، والخبرة والتجربة والمعايشة وصدق العاطفة . لا تأتي بسهولة إلى الكاتب .
يقول " لاتح " الداهية في اللنات العشر
: ( لن تحيا ، وحولك تنمو
ثمار فاسدة الطعم
تسقي بذورها برضاك .)
كلمات قليلة تبوح بأمور كثيرة وعظيمة ، ونحن في أمس الحاجة إليها ، نحن في زمن لانقدر فيه على البوح ، البوح الصريح المباشر كالوعظ والإرشاد والخطب الرنانة . هذا زمان لانقدر على الوقوف في وجه الريح ـ العاصفة ـ الهوجاء أو ضد التيار . لا أحد يصمد أمام العاصفة ، لا أحد يسبح ضد التيار ، هذا زمن البحث عن الطعام والشراب والنساء وكسرة الخبز ، وعلينا أن نأخذ الحكمة من رأس الذئب الطائر !!.
* بداية الغيث ..
( قطرة.. شهدناها معا.)
هكذا قال ليّ ـ بحب وصدق ـ عن السنوات الطوال العراض التي عملنا فيها معا. ولم يحدث أن اختلفنا ، لا قدر الله ، خلافات جذرية . كنا نختلف في الرأي أحيانا ونتفق في معظم الأحايين ، خاصة عندما كنا في موقع العمل بالدسك المركزي والاختلاف في الرأي لايفسد للود قضية .. وإن كنت أعرفه قبل ذلك بكثير ، سنوات ، قبل أن يخطو أولى خطواته بالوطن بالعذيبة .
التقينا في المبنى القديم بالوطية ..كان يمر مرور الكرام ، كالريح الندية ، ويخرج منصرفا ولا أراه إلا بعد حين ..عندما انتقلنا إلى المبني الجديد بالعذيبة ، أصبح زميلا لنا في مهنة البحث عن المتاعب والمصاعب . مهنة البحث عن الحقيقة ، في زمن يصعب الوصول إليها ...
وكما قال صاحب لاتح في خير اللنات :
( صناع الهوية
لن تحدق النظر
فيما يعصر أمامك ، والظمأ المغبر
لفح شفاه الطابور قبلك . )
مهما حدث لن ولم نصل إلى معرفة كنه الحقيقة ، مانراه سراب ، سوف نركض في صحراء وراء سراب ، لن نصل ، لن نعرف شيئا ، كثيرون قبلك ، أيها المحارب العنيد .. حاولوا وكان الفشل مصيرهم سوف نضل طريقنا في بحر الرمال الشاسع ولن نعود ، لن نخرج منه أيها المحارب الداهية !!
ونسمع نداء الهوية ، يقول لاتح :
( لن تحار في اختيار صوت
يصاحب ظلك
إن تداخلت عليك الصور
وقَتَمَ مشهد نجاتك )
وماذا عن شر اللنات ؟
ـ تجاهل الهوية :
( لن تحرث في أرض بور
وتجر سلاسل ثيران ، منحتها للتو
حرية دهس أرضك دون خطام . )
دون خطام معلق في فتحتي أنفها ، لكبح جماحها عندما تسول لها نفسها أن تجور على أرض خصبة خضراء .أو تعيث فسادا في أرضك البكر التي أعددتها للتو للعطاء .
يا لاتح الداهية ، ماالعمل إذن أمام حوافر الثيران المعتدية الهائجة ؟!
يصرخ فينا نحن الضعفاء :
ـ الهوية دفاع ..
( لن تحتفي بركوع صاغر،
لجبال الهيبة ..
أمام قطيع غاز
لمراعيك الناضرة .)
أين هي مراعينا الناضرة ، أين أشجار الزيتون التي لاتصمد طويلا أمام قطعان المستوطنين ؟! أين الخيول التي أضحت ماعز وثيران ، أين السيوف التي أمست عصي نهش بها على الدواب ؟!
بداية الغيث ـ لاتح ـ المحارب العنيد ، إلى أين ستأخذنا يا.. لاتح ؟!
طوال رحلة طويلة من العمل الدؤوب الشاق والكفاح المستمر ، تحولت البذرة الصغيرة ، إلى نبته ، تشق القشرة الخارجية وتظهر على سطح الأرض ، يبدو الإخضرار ، الساق الطري والأوراق الخضر ، مظهر من مظاهر الحياة ، مظهر من مظاهر ديمومة الكون ، والخلود ، هذه النبتة تحولت إلى شجرة طيبة ، أصلها ثابت وفروعها في السماء ، تأتي أوكلها كل حين بأذن ربها ..
هذه كانت البداية ..
بداية الغيث،
بداية الخير والأمل لكل الظاعنين من البشر .. يأتون إلى الشجرة الطيبة ليستظلوا بظلها الوفير ..
بداية عملنا فيها معا عن قرب وحب .
بداية صنعت مجرى لها في الصخر مع مرور الأيام ، تزيد عن ربع قرن من الزمان ، اليوم نجلس نتذكر هذه البدايات وهذا الحصاد الطيب ، هذا الجهد وهذا العرق ، لم يذهب سدى ..
يقول المحارب العنيد الذي اختار الطريق الجبلي الصعب :
( حين يولد
حرف ، تكتمل
الكلمة .. وحين
تكتمل الكلمة
تولد الجملة ..)
ما الجديد في ذلك ؟!
ما الجديد في ذلك . في هذه الديمومة ، عندما يأتي المخاض لابد أن تحدث الولادة ، يحدث الخلق والابداع من أعماق الشاعر والكاتب والأديب ، الحرف يحتاج إلى حرف آخر يسانده ويؤيده ، وهذه الحروف التي ولدت من باطن المعاناة ، والغليان ، والخبرة والتجربة ، تتجمع وتتكون لتكون حروفا آمنة مطمئنة في مكمنها ، في موقعها ، في طابور الكلمات ليستقيم المعنى ، فالكلمة لاتفهم الا في سياق طابور من الكلمات ، الكلمات الصادقة عند الشاعر المتمكن الموهوب القادر على تحويل هذه الكلمات إلى قضايا وأسئلة، إلى حكمة ، إلى كلمات حية نابضة بالمشاعر والأحاسيس ..إلى محارب قوي الشكيمة يحمل هذه الكلمة الحية الصادقة ـ كالرأس ـ على كف يده عاليا ، لتدوي ـ بالفم الواسع ـ ويسمعها من في الفيافي والقفار .. تلك هي الموهبة الحقة التي أعطاها الخالق عز وجل لكل مبدع من البشر .
* الكلمـة كائن حي ..
( حواس حروف،
محاولة لإحياء أنوار الكلام
فينا ) .
أقول لهذا المحارب الداهية : لماذا ، نحن أموات في زمن الموتى ، رأس بين القطيع ، لماذا كل هذا التعب والجهد والأرق ولن نجد من يسمع صوتنا الضعيف وكلمتنا الصغيرة ، يعقب على كلامي :
( كنا أقوياء
وبتنا ضعفاء،
و" لا "مستقبل لنا حتى نعود
لمعنى كان ، كي نكون .)
ويضيف عن الأسباب :
ـ( وما لنا الآن ، لم يكن لنا أمس .)
وما الفارق بين اليوم والأمس ؟ كثيرا ما قلنا: " لا " و " ألف " لا " !! ولم يحدث شيء ، لم يتغير أو يتبدل شيء ، ذهبت اللاًءات سدى ، مع الريح ، ولن نستطيع ان نسترد ما أخذه الريح منا !!
يجيب المحارب العنيد :
( أمسنا سبب أوجاعنا،
يومنا لاثمار له ..
كأننا " لا " بدر لنا في الأصول .
إنها ليست أسئلة ..
إنها حروف بحواس .)
أو ..
حواس الحروف ، لاتح ، الحروف عند الزميل عبدالحميد الطائي ، حية نابضة ، لا أبالغ إذا قلت تشبه الكائن الحي ، بل إنه يتعامل معها على إنها كائن حي متطور ، قادر على توصيل مايريده من معان ـ ليس المعنى في بطن الشاعر كما يقال ـ المعنى لهذه الكلمات في بطن الحروف ومن هنا كان اهتمام الكاتب والأديب والزميل القديم بهذه الحواس ، حواس الحروف . في صوت مهموس يبوح :
( كنا أقوياء،
وبتنا ضعفاء ..
وكيف نكون،
وداهية العقل معطل ..)
ويضيف :
ـ( العقل تمت استباحته ..)
ويواصل البوح في صوت يشبه الحشرجة، كأنما ينوح ونحن بدورنا ننوح معه : كالنواح العربي ..
( لن تحرق بقايا رماده
ثوب الحداد الإلزامي.)
والصمت العربي ..
( لن تحتاج مزامير اليأس،
لرضاب الود ..
ساعة الوجع لليباس .)
و... والغضب العربي ..
( لن تحتمل طرق ، أبواب القيود
بطرف إصبع نحيف . )
لا فائدة من طرق الباب إذن أيها الرجل الحكيم .
وماذا عن قول الراعي وحكمته ..
( لن تحلو مساند الخرف
بعودة عصا الهش السلس
في أزقة ، خلت من قصاصات
ورق !!)
لكن .. ( لاتح ) ذلك الداهية والمحارب العنيد الذي يحمل السيف المهند من سيوف الهند ممزوجا بحكمة الأباء والأجداد ، قادر على التحدي الصمود في وجه العواصف والرياح العاتية !!
* المحارب الداهية ..
هل يتيقن المحارب من فشله مع بدء صفير الرياح ؟!
من منا قادر على محاربة الريح العاتية ؟!
من منا بقادر على الوقوف في وجه العاصفة ؟!
الفشل رفيقه وصديقه منذ البداية من الوهلة الأولى أو الجولة السابعة ..هل الفشل طريقنا منذ بداية الجولة الأولى .
( لن تحلق في سماء
سبقتك إليها ريشة
من جناح طليق . )
لا أمل ..يقول الأعشى :
لن يزالوا كذلك ثم لازل .. ت لهم خالدا خلود الجبال
( لن تحار في إختيار صوت
يصاحب ظلك
إن تداخلت عليك الصور
وقتم مشهد نجاتك . )
الهوية وفاء :
( لن تحك ظهر متسلق هو
ينتظر إشارة القفز ، نحو الهاوية . )
* صخرة سيزيف ..
هل كتب على هذا المحارب ان يحمل صخرة ( سيزيف ) ويصعد الجبل وعندما يبدأ في الصعود تنحدر الصخرة وتتهاوى وتسقط الى السفح .وعلى سيزيف ان يبدأ مرة ثانية وثالثة .. وهكذا دواليك .
( حين استوطنت الحمير
السواحل بحثا عن عشب ، تلبط السمك
على سطح البحر
راجيا خلاصه من تنفس خانق
في قاع المحيط . )
نماذج لاحقة :
( و..الحمار ، رفس صولجان
الأسد .
ونهق حكمة لحيوانات الغابة
فمكرت ثعالبها
وعوت ذئابها
وهنئت الضباع
بجيف خرابها . )
هذا قدر سيزيف !!فهل هذا قدرنا نحن أيضا . قدر لاتح الداهية ، هل هي استراحة المحارب في زمن أصبحت الخيول كالدواب والماعز ، والسيوف كالعصي نهش بها الدواب والماعز والحمير ؟!
هل هذا قدر محارب الريح أيضا،
قدر دون كيخوته محارب طواحين الهواء
( شمسنا تتصبب عرقا باردا
لأفواه النقمة
وعبدة القمر الحالم
بوراثة الشروق
قبل غروب آخر غسق
وإقامة الصلاة على روح
" فقيد النور "
في ساحات الظلام الدامس
ظهرا . )
كيف ذلك ؟!
( أعراس البرية :أحلام
يعيشها المرء عاريا
إن قدس الوقوف أمام المارة،
بقصد الشفاء من ذنب
لاشفافية في أمر الجهر به
دون ثوب ساتر للحياء .)
أُعْ أُعْ .. أنا استفرغ مافي جوفي ..
( لاتعدل وضع جيفة ...
ادفنها . )
( لاتعز عليك ..
عشرة الفسوق . )
ونصيحتك الأخيرة ؟
( دون أن تغرس
نبتة شوق
لحظة الوداع ، تثمر عيناك دمعة ، تروي ظمأ حارثة حقل ..
محروس بودك . )
وكأنما الفشل قدر كتب علينا لانستطيع الفكاك منه ! وأن لاتح المحارب الداهية يعرف مقدما معنى الفشل والهزيمة والانكسار مع أول صفير للرياح العاتية !!
ـــــــــــــ
عبدالسـتار خليف
كاتب وروائي مصري

إضافة تعليق