لاتح : دفقات غنائية للروح

يستعمل الرسام الألوان والقماش مادة للوحاته والنحات الحجارة والمعادن مادة لنصّبه ومنحوتاته والموسيقار الأصوات المختلفة مادة لمؤلفاته الموسيقية. ماذا عن الشاعر؟ سيقول لك معظم ممن تسألهم الكلمات وهم محقون في ذلك.

وسيقول لك البعض ان المحسنات البديعية من استعارة وتشبيه وغيرها هي التي تشكل مادة الشاعر, او ربما القافية او المشاعر والاحساسيس او قصص الناس معتبرين الكلمات امرا مفروغا منه، وهم على صواب ايضا. وبعضهم سيذهب بعيدا ليتحدث عن الالهام والاشكال الشعرية مادة للشعر, وهم كذلك محقون ايضا، خاصة ونحن نتحدث عن مستويات أو مناهج متعددة للتعامل مع الشاعر. لن يجيبك احد أن الحروف هي مادة الشعر بالرغم من اننا نرى الحروف مكتوبة على الصفحات او نسمعها تتلى على مسامعنا، وهي المرادف لحجارة النحات والوان الشعر واصوات الموسيقى. ان غفلة الناس عن الحروف وانصرافهم للكلمات والمحسنات البديعية والقافية والالهام يعود في المقام الاول الى اعتقادهم الى أن الحروف وحدها لا تحتوي على معان مستقلة وهذا الموضوع شكل في القدم قضية جمالية لان الادب يختلف عن الفنون الاخرى في استخدامه وسيلة لا تعتبر ملكا صرفا له وهي وسيلة لا تُصنع (مثلها مثل الكمان الذي يصدر الاصوات او الاصباغ التي يستعملها الرسام في لوحاته) من اجل صنع اشياء من مادتها اي ليس لدى الأدب المادة الملموسة لان الحروف تُشكل في مجاميع معينة هي الكلمات والكلمات وحدها المهمة لان فيها المعاني. كان اختراع الحروف حدثا انسانيا هاما استطاع الإنسان من خلاله ربط جانبي اللغة السمعي والبصري (القراءة والكتابة) ولن تأتي ولادة الحروف من اجل تدوين الكلام كما يعتقد البعض لان الكلام والكتابة (نحن نتحدث عن الرسوم والصور التي استخدمها الإنسان القديم لغايات مختلفة) كانا موجودين قبل ظهور الابجدية. لقد غير ظهور الحروف (الأبجدية) وجه العالم مثلما فعلت العجلة والصفر والنار في نقل حضارة الإنسان في قفزات هائلة مكنته (أي الإنسان) من بناء حضارات ما زالت أثارها المادية والمعنوية حاضرة حتى اليوم. وبالرغم من ان الحروف قد تبدو واهية الا انها في واقع الامر جبارة في فعلها لاننا بدونها لن نستطيع ان نفعل شيئا.
 كنت افكر بهذه الامور وانا اقلب مجموعة "لاتح" ـ للأستاذ عبد الحميد الطائي ـ الشعرية. لا أعرف لماذا حاول البعض سلب هذه الصفة من المجموعة، فما عدا الأخ سالم الرحبي الذي قال عن لاتح بأنها " تمثل شعرا من نوع آخر يقدم فيه عبد الحميد الطائي تجربة مغايرة لما عهدناه من أشكال وقوالب الشعر " الا أنه لم يزد، في حين أن الآراء الأخرى لم تشر الى هذا الموضوع وبعضها تجنب الاقتراب من دائرة تصنيف الكتاب وذهب البعض الآخر الى حد القول الى أن الكتاب ـ هكذا فضلوا الحديث ـ أبعد ما يكون عن الشعر, لكنهم لم يحددوا مسافة البعد كما أنهم لم يصرحوا عن أي شعر يتحدثون، قديمه أم حديثه، خاصة والجميع يعرف جيدا أن الشعر أصبح لغزا محيرا حتى عند الشعراء. على سبيل المثال عندما سؤلت أميلي ديكنسون عن الشعر قالت: عندما أشعر أن غطاء رأسي يطير من مكانه ذلك يعني الشعر، وقال بورخس أن الشعر يلبي شيئين : أن يروي بدقة حادثة ما وأن نشعر بوجوده مثلما نشعر بوجود البحر, أو انه الحياة وقد ُقطّرت كما قالت جوندلين بروكس. وأذا كان لاتح بعيدا عن هذه الأجواء، ألم يكن قريبا من أجواء قصيدة النثر التي قال عنها الناقد نبيل عبد الفتاح في مؤتمر عقد مؤخرا في القاهرة عن قصيدة النثر "لقد أصبحت قصيدة النثر سيدة الشعرية العربية الحديثة برفضها تجميد المخيلة الفردية واللغة والصور والمجازات وبرفضها ذائقات ماضوية طامحة لسلطة سرمدية تتجاوز الأزمنة والجغرافيا والتجربة الإبداعية والتقنية" والتي قال عنها بيتر جونسون رئيس تحرير مجلة قصيدة النثر "مثلما تتربع الضحكة السوداء فوق الخط الفاصل بين المأساة والملهاة، كذلك تفعل قصيدة النثر حيث تضع قدما في عالم النثر وأخرى في عالم الشعر الا ان القدمين يرتكزان على قشرتي موز "والتي وصفها بودلير بالمعجزة لان فيها موسيقي دون قافية ووزن وهي لينة وصلدة في الوقت نفسه لتتكيف مع دفقات الروح الغنائية وموجات الحلم وتقلبات الضمير". وكل ما في قصيدة النثر من خصائص من تكرار وقافية وانضغاط وتشظية، والتي ظهرت في ترجمة الإنجيل (خاصة كتاب المزامير) مرورا ببعض قصائد رائد الرومانسية وردزورث والرمزيين الفرنسيين ووويتمان ورامبو وجيمس جويس وريلكه وكافكا وتورجنيف وبورخيس ونيرودا وبياز ووليامز وجيرترود شتاين.
اذا كان عبد الحميد الطائي يريد الحديث عن الهموم والمشاغل والفلسفة والفكر, فلماذا أختار هذا الطريق الوعر، أعني لماذا هذا الشكل (وقضية الشكل مهمة في الشعر، فهو يكتب بشكل يختلف عن النثر، لذلك يقال إننا نستطيع تميز الشعر عن النثر في لغات نجلها من خلال الشكل)، وأمامه وهو الصحفي المتمرس أكثر من طريقة لتناول هذه القضايا والوصول بيسر وسهولة الى القاريء. واعتقد أن الأستاذ عبد الحميد كان ذكيا عندما تملص من سؤال طرحه عليه مراسل (الوطن) في دمشق حول هذه النقطة بالقول:" حواس حروف سلسلة "توثق حكم الحرف على الواقع " كما عبر عنه الشعر أو النثر". أعتقد أن الشاعر في عبد الحميد الطائي لم ينجح تماما في أغواء الصحفي فيه. امتازت مجموعة لاتح التي صدرت في العام الماضي عن دار الفكر في دمشق بالريادة والابتكار على المستويين المنهجي والفني.اولا لانها سباقة في توضيف الحرف واستثمار ابعاده المحتلفة، حيث اصبح فيها الحرف اسطورة اخترقت الواقع واختلطت به فأصبح من الصعب احيانا وعلى مستوى الدلالة التمييز بين الواقع والخيال.
 تشترك تجربة عبدالحميد الطائي وهي في خطوتها الأولى (لان الشاعر تحدث عن كتب ثانية، وصدرت فعلا المجموعة الثانية تحت عنوان مزاج الطين) بالكثير من الأمور مع تجربة الشاعر الاميركي رونالد سيليمن احد اقطاب حركة شعر لغة، (احيانا تسمى كتابات لغة، اشارة الى مجلة لغة التي صدرت في العام 1978 وتوقفت في العام 1980 بعد أن اصدرت ثلاثة عشر عددا، وشاعت بين شعراء كاليفورنيا ونيويورك). يقول هانك ليزر من مجلة نيشن متحدثا عن هذه الحركة استمدت الحركة الهاماتها من الاعمال الادبية الجسورة لجيرترود شتاين ولويس زوكوفيسكي ووليم كارلوس ويليامز وجاك سبايزر وهي في الاساس تعمد الى التشكيك بالعديد من الفرضيات التي يطرحها شعر ما بعد الحداثة. تحاول الحركة الغاء الحدود الفاصلة بين الاجناس الادبية (وهذه مسألة مهمة في توصيف مجموعة لاتح) وتنشد مد العلاقة بين الشاعر وقرائه. والقصيدة لدى شعراء الحركة تنبع اساسا من ذات متفجرة تحاول الابتعاد ما استطاعت من ان تتحول الى مجرد ساحة لرسم الشخصيات او اسماع الاصوات (وهو ما نراه واضحا في لاتح ايضا. في لاتح لسنا معنيين بمن يتحدث مع من، يبدو أن التركيز منصب على ذات أنفجرت لتبدأ بأسلوب جويسي، نسبة الى جيمس جويس، أحد رواد أسلوب اللاشعور في الأدب، بإفراغ مالديها وكيفما يأتي بدون تعديلات أو رتوش). لذلك عمدت هذه الحركة الى التأكيد على الجملة الجديدة التي قال عنها كيث توما في الشيكاغو ريفيو أنها ارادت شد الانتباه الى الفواصل بين الجمل في محاولة منها للتشديد على الطبيعة المتصنعة للجمل.يقول سيليمن عن جملته الجديدة انها وحدات لغوية قائمة بذاتها لا ترتبط بما سبقها او تلاها من جمل وان معنى كل جملة يعتمد في المقام الاول على المعنى العام لجميع الجمل (ماذا نجد في النصف الثاني من لاتح؟). ورونالد سيليمن هو شاعر وناقد واكاديمي اشتهر بديوانه المعنون الابجدية الذي ضم ستة وعشرين كتيب(عدد الأحرف في الابجدية الانجليزية، أي أن كل كتيب خص حرفا واحدا من أحرف الأبجدية الإنجليزية) والذي استغرقه ثلاثة عقود لانجازه. يقول تي سي مارشل احد كتاب قاموس الشخصيات الادبية ان سيليمن خطط لان يكون ديوان الابجدية كتابا واحدا طويلا يتألف من عدة كتب، وهو معني في الاساس بتوصيف العلاقة الممكنة بين الذات واللغة ومحاولة تجاوز الاشكال الشعرية التقليدية والاعتماد على التدفق العاطفي في العثور على الشكل المناسب للكتابة. هذا التوجه، في تفجير طاقات اللغة بكل تفاصيلها ومنها الحروف بدأت في القرن العشرين عندما جرب النقاد استنطاق النص اعتمادا على التطورات التي شهدها علم اللغة باعتماده على العلوم الأخرى،خاصة الفلسفة.
حاول النقد الأدبي في القرن العشرين التحول صوب اللغة في محاولة جديدة منه للابتعاد عن الانطباعية التي سادت بعض المحاولات النقدية السابقة. فظهرت لدينا الأسلوبية ثم التداولية، ومن التداولية جاءت نظرية أفعال الكلام التي سأحاول الاستفادة منها في قراءة لاتح. تعتبر نظرية أفعال الكلام التي ارسى دعائمها جون سيريل وتعتبر الاهم بين النظريات فلسفة اللغة منذ بداية القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر، منذ كتابات جون أوستن وفتجنشتاين تعتبر الأدب عالما خياليا تؤدي فيه اللغة عملا افتراضيا وفقا لشروط الصدق ذاتها التي تعمل فيها لغة العالم الواقعي أو الحقيقي، أي أن الفارق بين الاثنين ينحصر في الهدف المطلوب التـاثير فيه، حيث يكون في الأولى عالم النص والثانية العالم الموضوعي. واستنادا الى هذه النظرية فإن الفعل الكلامي في لغة الادب يتحول الى فعل يمتلك قدرة انجازية في عالم افتراضي متخيل وهذه القدرة الانجازية مهما بلغت من تأثير فإنها لا تتجاوز الأطر المنطقية والدلالية لذلك العالم.
 يحاول عبدالحميد الطائي وعلى المستوى المنهجي ان يرسم عالمين اولهما مفترض يكون فيه الحرف البطل الوحيد الذي يستمد قوته الخارقة من سطوة الشاعر الذي بدوره يمارس دورا سلطوياعلى حروفه المختارة:

   فكرة تلاقي حرفين أو أكثر أتت لتقاوم بعثرة حروف أمة
   وقع الحرف يوقظ السبات في الأدمغة الحبلى بالمشاهد
  ............... و حرف اليوم، كلمة الغد.
  (من حوار للشاعر مع مراسل الوطن في دمشق)

ان حروف اليوم ستصنع كلمات الغد والكلمات كما قال عنها هانز جورج جادمير هي اكثر الاشياء غرابة وصعوبة فيها يتجسد جلاء العقل وصفاءه وهي أشبه بالمعجزة عندما نأولها أو نفسرها, معجزة لاننا نحول شيئا جامدا وغريبا الى شيء مألوف وعادي. ويتولى الشاعر في الوقت عينه مسؤولياته في ادارة شئون مملكته الحروفية المترامية الأطراف والتي تعج بمختلف المآسي والامراض من تشطير ونواح وصمت وسماسرة وعبث وبيع وجهل وحصار وجفاء ودجل وضياء.(هذه عنوانين داخلية في القصائد).نفترض ان المنهج الشعري الذي حرك عبد الحميد الطائي ولاتحه لا يختلف كثيرا عن رؤية المتصوفة حيث المعرفة التامة بتصاريف المادة الشعرية ومواصفتها من خلال الركون على مجموعة محددة من الرموز لا يعلمها الا الشاعر، والتي تشكل سر الابداع :

  لاتح هو الداهية المفتقد
  الذي يميز بين الوصاية،
  التي تفرض لزمن،
  والوصايا، التي تحمل مع الزمن.
  (المصدر أعلاه)

 ان هذه الرموز والعلاقات التي تسود فيما بينها يمكن اختزالها وفق قاعدة التوليد والانتاج (نحن نتحدث هنا عن نظرية التوليد النحوي تشومسكي والتوليد الدلالي عن التوليديين الدلاليين من الناحية التقنية والتطبيقية) الى بضعة رموز وعلاقات رمزية يعمل فيها الحرف على انتاج سلسلة لا تنتهي من الايحاءات ضمن سياق رمزي/ توليدي/ دلالي، اذا ما استخدم في شكله العام وطاقته القصوى، ولكنه عند الشاعر يتحول الى دلالات معينة تنطلق منها الطاقة القصوى للمعاني فتولد العشرات من المعاني والافعال الدلالية، تستثمر في حقل الكتابة (الشعر) للحديث عن آلام البشر:

  حين استوطنت الحمير
  السواحل بحثا عن العشب
  تلبط السمك
  على سطح البحر
  راجيا خلاصه
  من تنفس خانق
  في قاع المحيط.
****
  والحمار، رفس صولجان
  الأسد
  ونهق حكمة لحيوانات الغابة
  فمكرت ثعالبها
  وعوت ذئابها
  وهنئت الضباع
  بجيف خرابها.
  (ديوان لاتح ص 27)

يؤكد موكاروفسكي وسبتزر وجيفري ليتش وهاليداي في دراساتهم اللغوية على ان الكاتب (سواء كان واعيا او غير واع بذلك) يعمد الى تقديم او ابراز بعض الانساق والمفاهيم والتي تشكل على مستوى النص خاصية اسلوبية ستكون هامة في متابعة النص وتأويله، وهذا لن يحدث الا مع توفر الخيارات التي تضع أمام الكاتب الفرصة الجيدة لانتقاء المفاهيم والمفردات والانساق على راي ترابوت وبرات. ينشغل عبد الحميد الطائي في لاتح بحاضر الامة ويقارنه بالماضي وهو لا يرى الا مستقبلا كالحا. يلعب هذا المثلث دورا مهما في لاتح ويحاول الشاعر أبرازه ما استطاع (أحيانا ساخرا)، وهو يقلب كفيه على ما أصاب هذه الأمة من ويلات وينتظرها من كوارث ونكبات، بعدما حرقت هذه الأمة جميع الجسور التي تربطها بالماضي وتتثبت بخيوط هي أوهى من خيوط بيت العنكبوت لتقفز بها الى المستقبل فضاعت مثلما ضاع الغراب (تقول قصص الموروث الشعبي أن الغراب لم يكن راضيا بما قسمه الله له فطلب ان يكون مثل هذا الطير او ذاك، فأعطاه الله ما أراد, لكنه لم يقتنع، فأراد العودة الى سابق عهده لكنه في النهاية نسي القديم والجديد).كتبت كلمة لاتح في الغلاف بلون رصاصي كالح، خلط الأبيض بالأسود، ربما أرادنا عبد الحميد أن نرى مستقبلا بلا لون، بذلك يفوت الفرصة على المتفائلين بمستقبل مشرق، مثلما فعل المسرحي الأيرلندي المعروف بيكيت في مسرحيته المشهورة في انتظار جودو حيث نرى في الفصل الثاني من المسرحية الشجرة العارية (وهي رمز الحياة) التي احتلت جزءا كبيرا من المشهد الخلفي وقد تزينت ببعض وريقات، ايحاء بقوة الحياة والمستقبل. لماذا لم يكن  الأحمر أو الأبيض، أو حتى الأخضر ؟). يقول المؤلف في المقدمة " كنا اقوياء وبتنا ضعفاء ولا مستقبل لنا حتى نعود لمعنى كان, كي نكون." وتتكشف المحنة عندما نكتشف ان الحاضر غير قادر على ان يفضي بنا الى مستقبل افضل، (اليمن تطلع جبل العزة خبرني. ص.32)، انه كابوس يجثم على العقول قبل الصدور :

   لن تحك ظهر متسلق هو
   ينتظر اشارة القفز، نحو الهاوية. (الديوان ص. 23)

 تحاول الحروف في العام الافتراضي الانزلاق على الواقع لتعلن عريها وفضيحتها، وهنا يبرز مثلث جديد يتحرك عبر جنبات لاتح وهو مثلث الحلماليقظةالهاوية يكمل ما بدأه المثلث الأول ليصلان الى النهاية ذاتها (هاوية تنتظرنا في المستقبل):

   أعراس البرية : أحلام
   يعيشها المرء عاريا
  أن قدّس الوقوف أمام المارة،
  بقصد الشفاء من ذنب
  لا شفافية في أمر الجهر به
  دون ثوب ساتر للحياء. (الديوان ص. 33)
 
والنتيجة واضحة : لقد ضاعت الهوية:

  لن تحرص قواقع
  غاصت في رمال الخطيئة
  على الاغتسال بطهر موجة
  لن تلامسها الا بقذف طائش منك.(الديوان ص.21)
 
ويضطر الشاعر الى المضي قدما في استكشاف المآساة متقلبا بين الحروف وكأنه مع كل حرف يقلب صفحات تلك المآساة لأنه وكما قلنا في السابق صنع عالمه الافتراضي من وهج الحرف وبدأه مع لاتح ليمر الى مزاج الطين وبقية الاجزاء :
  الأحداث لا تؤرخ الا بالحروف والأرقام. (غلاف الديوان)
 لقد حاول الشاعر من خلال الانتقال من العالم الافتراضي ان يعري تلك الحروف والارقام ويكشف من خلال سوءاتها خطايا البشر وزلاتهم ويعريهم في عالم الواقع :
  وصور فعل الإنسان محفوظة بالذاكرة
  والحرف يستدعيها. (المقابلة مع مندوب الوطن).
 ويقول الشاعر في مكان آخر :

  أن ابتعاث صمت الناطقين بالأهازيج المخملية،
 من رقادهم قد يوقض الدندنة المدفونة غدرا
 في وحل الرقص الاعوج، لكنه، قد يحنق ونستبلى به
 أن أسترقص ذاكرة الخصر وهزّ رأسه لغربان
 الأغاني المصورة حديثا. (الديوان ص. 37)

لقد اراد الشاعر ان يشيد حلما يفصل من خلال حدوده عالم القوة عن عالم الفعل الا ان تلك الحدود تكسرت فاستحال العالم الافتراضي الى واقع معاش واصبح الحلم حقيقة مليئة بالخطايا. انما يؤكد هذه القراءة هو ان عبد الحميد الطائي صاحب الإرث الصحفي سائح يقتفي اثر الحقيقة العارية وهو يلهث ورائها حتى النهاية يقول في اهدائه :

 لن أسأم حواس حروف صاغها عَرَق ُصُحف.

قد لا يكون الشاعر معنيا بما قاله دي سوسير في أن العلاقة بأبعادها الثلاثة اعتباطية الدلالة،وان اللغة كما يراها فتجنشتاين هي لعبة تبحث عمن يتقن قواعدها، الا انه مهتم جدا بتفجير الحرف وما ينتج عنه من كلمات وجمل وهو يكسر جميع قواعد اللعبة الدلالية وكما فعل رونالد سيمين ليرينا ان الاحلام لن تنجينا من الواقع لان الحلم عند عبد الحميد الطائي فعل واع يمارس تأثيره على الوعي اولا وثم اللاوعي (العالم الافتراضي) محدثا تأثيراته على العالمين. لقد حاول الشاعر الابتعاد عن الأساليب التقليدية في التعبير، خاصة (انا) الشاعر دون ان يلمح الى الشخص الفاعل الذي يحرك المشهد او المشاهد وهذا ما دفعنا الى الاعتقاد ان الشاعر يتآمر مع حروفه لفضح القارئ. من هو صاحب اللاءات واللنات؟ ومن يقول :

  دون أدنى شك
  ستتطاير بزات الحرس الجافة
  مرحا
  بكزات النياشين
  حتى في أوقات السلم  (الديوان ص. 69)

و من يعتقد أن
  لواء الحماية
  عهدهُ أمان    (الديوان ص. 114)

 الا ان ذلك لا يعني غياب الواقع او على الاقل غياب المشاهد القارئ ومعه المكان والزمان اللذان يعيش فيهما. ان لاتح يمكن ان يقرء على انه رفض كبير لسياسات الخنوع المزمنة،خاصة اذا اخذنا بالاعتبار ما قاله تشارلز اولسون عن التدخل الغنائي للفرد بديلا للانا ورفض ايجاد ذات مهيمنة بشكل دائم، وهذه الذات تركب الاحداث باعتبارها اشكال لفظية تسيطر على المسألة مدار الحديث.
ويهطل علينا لاتح خاصة في نصفه الثاني مطرا من الجمل التي تتوالى دون ان تنظر الواحدة الى شقيقتها التي سبقتها او تلك التي تليها، وتتجمع الجمل في طابور اشبه مايكون بالمونتاج. ان تجمع الجمل في ذلك الطابور يشابه الى حد بعيد توالي المشاهد في فيلم سينمائي، خاصة السيريالية منها، ويختلط فيها الشعر والنثر وكانما المؤلف يريد ان يلغي الفواصل بين الاثنين مثل ما حاول في السابق رفع الحواجر بين الواقع والخيال وبين الماضي والحاضر والمستقبل. الأمثلة كثيرة على الكاميرا التي يحملها الشاعر لتصور لنا لقطات قد تبدو منفصلة الا انها تنتمي الى بدن واحد وتتحرك بأمرة شخص واحد هو الشاعر المخرج. يقول في لاتح، القصيدة التي حمل الديوان اسمها عنوانا له :
 لا تحابب.. في مسلك الحق.
  **
 لا تحاب عند ابتلاء السرائر,
 بتكثيف قولك دون سبب.
  **
 لا تحاجج يقين ذاتك،
 بوصايا العتب.
**
لا تحارب.. من سئم نفرة الدم,
واغتسل بسلامك.    (الديوان ص.122)

وهنا تأتي الأهمية البالغة لقراءة الديوان ككل كامل(ومادام الأستاذ عبد الحميد الطائي يفكر بسلسلة لا يعرف حتى هو مداها) فإن الحديث عن قراءة السلسلة كاملة ذو أهمية بالغة ايضا لان مقدار ما يحدثه النص على قارئه يعتمد في المقام الاول على مبدأ التأثير الكلي أو النهائي للعمل وهذا المبدأ استخدمه منظرو القصة القصيرة، بدء من أدجار آلن بو في القرن الماضي، في محاولتهم قطع الحبل السري الذي استخدمه البعض لربط القصة القصيرة بأمها الرواية.
ويتيقن الشاعر بأنه لن يعثر على البلسم الشافي للعديد من الآهات والأسئلة التي تبعثرت في الديوان كتبعثر الحروف بسبب ما أطبق على نفسه وطالها من جرائم الحروف التي بث فيها الروح فينطلق هائما متنقلا بين عالمي الفعل والقوة والبحث عن الأجوبة المشروعة وهو يرسم بريشته المشاهد المتوالية التي تنقل القاريء في أركان عالم سريالي قد يظنه الأخير حكرا على الأحلام (الكوابيس) لكنه يكتشف بعد ان ينهي القراءة أنه اقرب اليه من حبل الوريد.

محمد نجيب السعد*

*أستاذ الأدب الإنجليزي في كلية الزهراء للبنات,مسقط

نشر في " الوطن" العمانية في 22/4/2009

إضافة تعليق

2 + 13 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.