لاَ يَا (قَدَاسَةَ) البابا

تمهيد
بسم الله، والحمد لله، وبعد...
فأَلقى قداسة البابا بِنديكتُس السَّادس عشر محاضرة في جنوب أَلمانية، يوم الثَّلاثاء 12/9/2006م، بجامعة ريغينسبورغ، هاجم بها الإسلام ونبيَّه بالاسم، وأهم ما جاء فيها:
- انتشر الإسلام بالسَّيف، وهو دين عنف.
- وما جاء به محمَّد لا يتقبَّله العقل، مستشهداً بنصٍّ قديم لإِمبراطور بيزنطي (مانويل الثَّاني): لم يأت محمَّد إلاَّ بما هو سيئ.
أَوَّلاً أقول: من حقِّنا الرَّدُّ ما دام هناك هجوم وافتراء، تناول أقدس ما نعتقد، ديناً ونبيّاً، ولكن نردُّ ردّاً حضارياً علميّاً، حجَّة تتلوها حجَّة، ونُدِينُ إحراقَ الكنائس، لأن الإسلام الذي هاجمه قداسة البابا لا يسمح بذلك.
ثانياً: حينما يستشهد محاضر بنصٍّ، يستشهد به إما لتأييد رأيه والبرهنة على سلامة فكره، وصواب ما يطرح، وإمَّا لنقض النصِّ وتفنيده، وإثبات زيفه، وهذا ما لم يقم به قداسة البابا، إذن يحسب عليه مادام لم يعلِّق.
وليته قدَّم أمثلة وشواهد تثبت ما قاله، فالاتهام يسير جدّاً، كلمات تُقَال، ولكن البرهنة على الادعاء والاتهام أمر مطلوب علميّاً، فالادعاء يحتاج إلى دليل، خصوصاً وأَنَّه لم يذكر المحاور المسلم على الإِمبراطور.
فالآراء الَّتي قدَّمها قداسة البابا جهل نربأ به عن عاميٍّ، فكيف بقداسته وهو يشغل مكانة رفيعة؟!
ولماذا لم يستشهد بنصوص أُخرى وثَّقت سماحة المسلمين الفاتحين، وعدالتهم وإنسانيتهم، وإصرارهم على الحرِّيَّة الدِّينيَّة لكلِّ الشُّعوب، جمعها السِّير توماس آرنولد في كتابه (الدَّعوة إلى الإسلام)؟.
وقبل تفنيد ما قاله قداسة البابا أذكِّره بقول الدكتورة آنَّا ماري شِمِل، زعيمة الاستشراق في بلده ألمانية: ((الإسلام مثلٌ نمطيٌّ لتلك التَّأويلات الظَّالمة المشوِّهة))، (الإسلام كبديل، لمراد هوفمان، المقدِّمة).
وروجيه غارودي قال بدمشق حرفيّاً: ((لم يدرس الغربُ الإسلامَ دراسة صحيحة، حتَّى في الجامعات الغربيَّة، وربما كان هذا مقصوداً مع الأسف)).
وأقول: إنَّ أسفك - يا قداسة البابا - على ردود الفعل التي حدثت في العالم الإسلامي، في موعظتك يوم الأحد 17/9/2006م، لا يعني الاعتذار المطلوب، فالاعتذار إنما يكون عمَّا قلته خطأ وافتراءً.
ووصمك النّاسَ أنَّهم أساؤوا فهم ما قلته، خطأ آخر يتَّهم الناس بسوء الفهم والجهل، خصوصاً أنَّ ماضيك لا يشفع لك، إنَّه يؤيِّد معاداتك للإسلام بتصريحات معروفة عن تركية والسُّوق الأُوربيَّة، ودعوتك عند تنصيبك للحوار مع اليهوديَّة، واليهود في العالم لا يزيدون على عشرين مليون نسمة، متجاهلاً الحوار مع مليار وثلاث مئة مليون مسلم!
فرعبك من (اللاّساميَّة) جعلك تطالب بفتح باب الحوار مع اليهوديَّة، وتغلقه مع الإسلام، بل وتهاجمه. وتهاجم نبيّه بالاسم، خصوصاً بعد الحرب الصَّليبيَّة التي أعلنها بوش الابن، واتِّهامه المسلمين بالفاشية.
وليتك قرأت يا قداسة البابا مرَّة واحدة وصيَّة أبي بكر الصِّدِّيق لجيش أُسامة بن زيد، التي جاء فيها: ((لا تغدروا ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة.. ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلةٍ، وسوف تمرُّون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له..)) (الطبري 3/226، الكامل في التَّاريخ 2/227).
وليتك قرأتَ العهدة العمريَّة مرة واحدة، ونصُّها: ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء [القدس] من الأمان: أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملَّتها، أنَّه لا تُسْكن كنائسهم ولا تُهْدَم، ولا ينتقص منها ولا من حيِّزها، ولا من صليبهم، ولا من شيءٍ من أموالهم، ولا يُكْرَهون على دينهم، ولا يُضَارَّ أحدٌ منهم.. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمَّة رسوله، وذمَّة الخلفاء، وذمَّة المسلمين)) (الطَّبري 3/609، اليعقوبي 2/167).
والحقوق العامَّة لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي من أهمِّها: حفظ النفس، فدم غير المسلم كدم المسلم، فالقانون الجنائي سوّى بينهما، مع حفظ الأعراض، جاء في (الدُّر المختار 3/273): ((ويضمن المسلم قيمة خمره - خمر غير المسلم - وخنزيره إذا أتلفه))، ويقضي المسيحي في الأمور الشخصيَّة بحسب قانونه الشَّخصي، مع كامل حريَّة إقامة شعائره الدِّينية في كُنُسِهِ.. إلخ.
لذلك يا قداسة البابا اعْكِسْ تُصِبْ.
وإليك الدليل والتَّوثيق من كتبكم ومصادركم ومؤتمراتكم.
الدكتور شوقي أبو خليل
دمشق 2رمضان المبارك 1427هـ
الموافق 24 أيلول (سبتمبر) 2006م
انتشر الإِسلام بالسَّيف
اعْكِسْ تُصِبْ يا قداسة البابا، فالفتوح شيء، وانتشار الإسلام شيء آخر، ولو فرض الإسلام بالسَّيف، لارتدَّت الشُّعوب بعد الانحسار العسكري عنها.
الإسقاط Projection عمليَّة نفسيَّة نخلع بها تصوُّراتنا ورغائبنا وعواطفنا، وما بنا من عارٍ ونقصٍ على الآخرين.
((رمتني بدائها وانسلَّت))، وهاكم الدَّليل:
جاء في إنجيل متّى 10/234 على لسان السَّيِّد المسيح: ((لا تظنُّوا أنِّي جئت لأُلقي سلاماً على الأرض، ما جئت لأُلقي سلاماً بل سيفاً)).
وفي إنجيل لوقا 22/37 يقول السَّيِّد المسيح: ((ومن ليس له سيفٌ فليبع ثوبه ويشترِ سيفاً)).
وفي العهد القديم الَّذي تؤمن به: ((فضرباً تضرب سكَّان تلك المدينة بحدِّ السَّيف وتحرمها بكلِّ ما فيها مع بهائمها بحد السيف)) (التثنية 13/16)، وفي (التثنية 20/70) أيضاً: ((وأمَّا من هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرَّبُّ إلهك نصيباً فلا تستبق منها نسمة ما))، وفي (يشوع 6/22) قتل كل من في المدينة ((من رجل وامرأة، من طفل وشيخ حتَّى البقر والغنم والحمير بحد السَّيف)) وفي (إشعياء 13/16): ((وكلُّ من انحاش يسقط بالسَّيف وتحطَّم أطفالهم أمام عيونه، وتُنهب بيوتهم وتُفضح نساؤهم)).
وفي القرآن الكريم: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ}[الأنبياء: 21/107]
{وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 17/70]، وهذه النُّصوص تفسِّر لنا سبب نشوء حضارة سامقة أينما وصل الفتح الإسلامي، حيث الرَّفاه للجميع، وفتح المدارس والجامعات والمشافي، كما في الأندلس، وحوض النَّيجر، وما رواء النهر، وما وصل التَّنصير المرافق للاستعمار المسمَّى (الكشوف الجغرافية) إلا وانتشر به أعداء البشرية: الفقر والجهل والمرض، والهند ومصر وغرب إفريقية، وأمريكة اللاَّتينيَّة خير شاهد.
ثيودوسيوس الأوَّل، الإمبراطور الرًّوماني 379-395م أمر بتحطيم المعابد الوثنية، وحرَّم إقامة الشعائر القديمة.
شارلمان حارب السَّكسون ثلاثاً وثلاثين سنة بغاية العنف، وذروة الوحشيَّة، حتّى أخضعهم وحوَّلهم قسراً بالسيف إلى الديانة المسيحية على يد (القديس) ليودجر Liudger وويليهاد Willehad.
ونشر الملك كنوت Cnut المسيحية في الدِّنمارك بالقوة والإرهاب.
وفُرِضت المسيحية في روسية على يد جماعة اسمها: (إخوان السَّيف) Brehters of the Sword (الدعوة إلى الإسلام للسِّير توماس آرنولد ص30).
وعلى يد فلاديمير دوق كييف (985-1015م)، الذي يضرب به المثل في الوحشيَّة والعنف والشَّهوانيَّة.. والذي عُرفَ بحمقه وطيشه أيضاً، تَمَّ تعميد أهل دوقية روسية كلِّهم مرَّة واحدة في مياهِ نهر الدنيبر (تاريخ أوربة في العصور الوسطى، فيشر، ص407).
وفي النروج، أمر الملك أُولاف ترايجفيسون بذبح الذين أبوا الدُّخول في المسيحية، أو بتقطيع أيديهم وأرجلهم، أو بنفيهم وتشريدهم.
أما في أمريكة، فقد حلَّت حرب الإبادة - باسم الكنيسة - ضد الهنود الحمر، وقضي فعلاً على حضارة الأنتيل، والمايا، والآزتيك، والأنكا، ونحيل قداسة البابا إلى كتاب (فتح أمريكة - مسألة الآخر - لغرفيتان تودوروف) ليعلم أن ثمانين مليون هندي أحمر حصدتهم البندقيَّة الأُوربيَّة باسم الكنيسة، ولقد نشرت مجلَّة Cuba International في عدد تموز سنة 1972م تحت عنوان La History، وفي الصَّفحة 6 صورةً لمبشِّر بيده صليب، وزعيم هندي أحمر اسمه هايتهاي مقيَّد إلى سارية، وقد غُطي حتَّى منتصفه بِحِزَم الحطب والقشِّ لحرقه، أما المبشِّر فرافع الصَّليب في وجهه يدعوه إلى المسيحية قبل إحراقه، ليدخل الجنَّة، فسأله الزعيم الهندي: وهل في الجنَّة إسبانيون مثلك؟ فأجابه الراهب: طبعاً: فما كان من الزعيم الهندي إلا قال: إذن، أنا لا أُريد أن أذهب إلى مكان أُصادف فيه أبناء هذه الأُمَّة المتوحِّشة!!
وهذا ما جرى أيضاً في أُسترالية حيث سُحِقَ شعب (الأبورجيين).
وفي عام 1455م صدر مرسوم بابوي يقرِّر سيادة النَّصارى على الكفار، وأقرَّ هذا المرسوم استرقاق الزُّنوج في إفريقية والهنود الحمر في أمريكة، وبهذه النَّظرة، نظرة السَّيِّد للعبد، جرى قنص الأفارقة باسم المسيح، وتَمَّ نقلهم وبيعهم في أوربة وأمريكة، وعلى الرّغم من تعميدهم وإدخالهم في المسيحية غصباً وإكراهاً، فإن عبوديتهم ظلَّت قائمة (الاستعمار والتنصير في إفريقية السَّوداء ص49).
عشرات الملايين من الأفارقة قتلوا أثناء اصطيادهم، وملايين ماتوا في البواخر لتغيُّر المناخ وسوء التغذية، وأوَّل حملة إنكليزيَّة نقلت الألوف من الرقيق من غينية إلى المستعمرات الإسبانيَّة، كانت في سنة 1562م، برئاسة النخَّاس الشهير (جون هوكنز)، وذلك أيّام الملكة إليزبيت الأولى ملكة إنكلترة، وحامية حمى المسيحيين، ومن السُّفن التي استعملها هذا النَّخَّاس لنقل الرقيق ثلاثة، اسم إحداها (سليمان)، والثانية (يسوع)، والثَّالثة (يوحنا المعمدان)، وفي تلك إشارة إلى أنَّ عملهم إذ ذاك عمل مبرور، (الهلال والصَّليب، ص138).
قال الدكتور فرانزغريس في كتابه (تبدُّد أوهام قسيس)، الذي طبع في بوينس آيرس (مطبعة دار الطَّباعة - الضِّياء): ((إنَّ تاريخ الأمم النصرانيَّة، وأكثر من هذا، تاريخ الكنيسة بالذَّات، مضرج بالدَّماء وملطَّخ، ولربَّما أكثر تضرُّجاً ووحشيّة من أيّ شعب وثني آخر في العالم القديم)).
وأُذَكِّر قداسة البابا بملحمة (سان بارتلمي) التي ذكرها غوستاف لوبون في كتابه (روح الثورات ص44): مذبحة أمر بها سنة 1572م شارل التَّاسع، وكاترينا دوميديسيس، حينما قتلت كاترينا خمسةً من زعماء البروتستانت في باريس، ظنَّت أنهم يأتمرون بها وبالملك، ولم يكد ينتشر الخبر في باريس، حتى شاع أنه شُرِع في قتل الخوارج - أي البروتستانت الذين خرجوا عن سلطة البابا الكاثوليكي - فانقضَّ أشراف الكاثوليك والحرس الملكي والنَّبَّالة والجمهور على البروتستانت، وقتلوا منهم ألفي نسمة، وقد قلَّد سكان الولايات الفرنسيَّة بعامل العدوى أهل باريس، فسفكوا دماء ستَّة إلى ثمانية آلاف نسمة.
ولم تنل حادثة السَّان بارتلمي أيَّام وقوعها شيئاً من الانتقاد في أُوربة الكاثوليكيَّة، وقد أوجبت حماساً يفوق الوصف، فكاد فيليب الثاني يصبح مجنوناً لشدة فرحة يوم بلغه وقوعها، وانهالت التَّهاني على ملك فرنسة أكثر من انهيالها عليه لونال نصراً عظيماً في ساحة الوغى.
وما بدا السُّرور على أحد كما بدا على البابا غريغوار الثالث عشر، فقد أمر بضرب أوسمة خاصَّة تخليداً لذكراها، رُسِمَت على هذه الأوسمة صورةُ غريغوار الثالث عشر، وبجانبه ملك يضرب بالسيف أعناق الخوارج، ثم هذه العبارة: ((قُتِلَ الخوارج))، كما أمر بإيقاد نيران الفرح، وبضرب المدافع، وبتكليف الرسام فازاري أن يصوِّر على جدران الفاتيكان مناظرها.
ولن أتوسَّع هنا فأتحدث عن عطش أُوربة إلى الذَّهب، حيث أبحرت السُّفن الأوربيَّة تحمل إلى الشُّعوب الإفريقية والآسيوية والأمريكيَّة جماعة من الرُّهبان يبشَّرون بالعهد الجديد، ويعودون منها بكنوزها من الذَّهب والفضَّة والعاج والتَّوابل، وأمعن البابا مارتن الخامس في الكرم والسَّخاء، فأحلَّ من الأوزار والخطايا أرواح من يلقون حتفهم في تلك المغامرات (في طلب التوابل، سونيا ي.هاو، ص106)، معطياً الاستعمار طابع الحروب الصليبية الصريح.
فأيُّ دين انتشر بالسيف يا قداسة البابا؟
ما آثار الفتح الإسلامي، وما آثار الاستعمار الغربي حيثما حلَّ وإلى يومنا هذا؟
اعكس تصب يا قداسة البابا، وتذكر أنه في عام 1992م، وبمناسبة مرور 500 عام على اكتشاف أمريكة واستعمارها، زار سلفُكَ البابا جنوبها، فقوبل بمظاهرات دامية مندِّدة، وبتحطيم تماثيل قادة المستكشفين والقديسين، فلماذا؟
ما جاء به محمَّد
لا يتقبَّله العقل!
يا قداسة البابا..
مؤتمر كولورادو التَّبشيري، الّذي انعقد في 15 تشرين الأوَّل (أُكتوبر) 1978م، تحت شعار (مؤتمر أمريكة الشماليَّة لتنصير المسلمين)، ممَّا قاله المؤتمرون:
- الحقائق العلميَّة صدمت المعتقد المسيحي.
- الإسلام هو أكثر النُّظم الدَّينيَّة المتناسقة اجتماعيّاً وسياسياً، مع البساطة والوضوح.
- وتساءل بعض المؤتمرين: كيف يمكن للعقل السَّليم أن يفهم الأقانيم الثَّلاثة واحداً في ثلاثة، والثلاثة في واحد؟
البابا يوحنا بولس الثاني، طالب الولايات المتحدة الأمريكيَّة بمنشور أصدره أواخر سنة 1990م بدعمٍ مالي كي يضاعف التبشير جهوده ((فالإسلام هو الدِّين الوحيد الذي يتحدَّى انتشار المسيحية، وهناك تزايد في الإقبال على الإسلام، وانحسار في المناطق المسيحيَّة في الشَّرق الأدنى وإفريقية، وهناك جسور للإسلام تتزايد في جنوبي أُوربة))(1).
فهل تساءلتم يا قداسة البابا، عن سبب إقبال النَّاس على الإسلام، وسبب انحسار المسيحيَّة في عصر التَّقدم العلمي ومخاطبة العقل؟
المكتبة المنطقيَّة في باريس (شارع فوجيرارد رقم 41/6)، نشرت عدداً من الكتب الجليلة الفائدة العلميَّة، في أحد هذه الكتب المسمَّى: (مشكلة يسوع والمصادر النَّصرانية) لقس كاثوليكي، كان أُستاذ تاريخ الأديان في جامعة استراسبورغ، أعلن الفاتيكان حرمانه بتاريخ 2 تموز 1933م، لأنه شكَّ وارتاب في كتابات الفاتيكان عن ألوهيَّة المسيح، وعن وجوده أيضاً.
وهناك رأي هام في (دائرة المعارف الفرنسيّة 5/117) خلاصته: أنَّ المصادر المسيحيّة كلّها من عمل شاؤول (بولس)، أو من عمل أتباعه، وليست الأسماء الموضوعة عليها إلا أسماء مستعارة غير حقيقيّة.
وفي (العقائد الوثنيّة في الديانة النصرانيّة) للمرحوم محمد طاهر التَّنير، يكفينا مثال واحد، من أصل ستة وأربعين تطابقاً بين النُّصوص الهنديّة الوثنيَّة والأناجيل:
كرشنا هو المخلص، والفادي، والمغزِّي، والرَّاعي الصالح، والوسيط، وابن الله، والأُقنوم الثاني من الثّالوث المقدس، وهو الأب والابن والرُّوح القدُس.. إِلخ.
ويسوع المسيح هو المخلِّص، والفادي، والمغزِّي، والرَّاعي الصالح، والوسيط، وابن الله، والأُقنوم الثاني من الثّالوث المقدس، وهو الأب والابن والرُّوح القدُس.. إِلخ.
الأناجيل الأربعة المعتمدة من أصل أكثر من ثمانين إنجيلاً تمَّ تغييبها في مستودعات الفاتكيان لم يُمْلِها المسيح، ولم تتنزَّل عليه بوحي، ولكن كتبت من بعده، أوَّلها متَّى كتبها بعد سنة 50م، لأنّه مات في الحبشة سنة 70م، وإنجيل يوحنا في دائرة المعارف البريطانيّة اشترك في تأليفه عشرات، ولا مرية ولاشك أنه كتاب مزوّر.
وليس في هذه الأناجيل الأربعة المعتمدة عبارة واحدة على لسان السيِّد المسيح تقول: أنا الله اعبدوني، وهنا يتساءل بعضهم: إذا كان عيسى بشراً فلم تعبدونه؟ وإذا كان إلهاً ففيم البكاء على آلامه؟
ونشرت مجلَّة (المجلة) في عددها 712، تاريخ 3-9/10/1993م، ص56، تحت عنوان: العثور على أناجيل كانت غير معروفة من قبل، الرواية القبطيّة تقول: إن المسيح لم يصلب، وإنّما صُلِبَ شبيه له، والأناجيل الجديدة تغيّر تاريخ السنوات الأولى.
عُثِرَ على هذه الأناجيل في نجع حمادي بصعيد مصر عام 1945م، وترجمت اليونسكو النصوص عام 1975م، ومما جاء بها حرفياً: يقول المخلص: إن الذي رأيته سعيداً يضحك هو يسوع الحي، لكن من يدخلُون المسامير في يديه وقدميه، فهو البديل، فقد وضعوا العار على الشَّبيه، انظر إليه وانظر إليًّ.
العقل مغيّب في المسيحية، والدليل:
دع عقلك وأقبل، دع عقلك واتبعني، أطع وأنت أعمى، آمن بهذا وإلا هلكت، الجهل رأس العبادة، والقذارة من الإيمان.. إلخ.
((لا تقل في قلبك كيف يمكن أن يتجسَّد الله ويصير إنساناً، فدع ذلك لأنّه من شأنه الخاص))، (أُسطورة تجسِّد الإله في السيد المسيح، أشرف على التحرير البروفيسور جون هِك، أُستاذ اللاهوت جامعة برمنجهام ص90).
القس وهيب عطا الله يقول: إنَّ التجسُّد قضيَّة فيها تناقض مع العقل والمنطق والحسِّ والمادة والمصطلحات الفلسفية، ولكننا نصدق ونؤمن أن هذا ممكن حتى ولو لم يكن مقبولاً (مقارنة الأديان - المسيحيَّة).
محاكم التفتيش من أصدر مرسومها في تشرين الثاني (نوفمبر) 1478م، والتي هي لطخة عار في وجه الكنيسة لا تمحى؟
لقد شُكِّلت بمرسوم بابوي في إسبانية، ثم عمَّت أُوربة كلَّها، أصدرها البابا سيكستُس الرَّابع (1471-1484م)، ولقد حكمت في مدة ثماني عشرة سنة، من سنة 1481م إلى سنة 1499م على عشرة آلاف ومئتين وعشرين شخصاً بأن يحرقوا وهم أحياء، فأُحرقوا، وعلى ستة آلاف وثمان مئة وستين بالشَّنق بعد التَّشهير، وعلى سبعة وتسعين ألفاً وثلاثة وعشرين شخصاً بعقوبات مختلفة بهم، فنفذت (الهلال والصليب ص34).
حرية الفكر أصبحت جريمة يُعاقب عليها بمنتهى القسوة، وقصة جاليلو مع محاكم التفتيش مشهورة، قالت صحيفة الجارديان البريطانية في 29/6/1983م: عقدت لجنة علميّة دينية في الفاتيكان برئاسة البابا جون بول الثاني لردّ اعتبار جاليلو، وتصحيح خطأ الكنيسة بشأنه، حينما قال: إنّ الأرض هي التي تدور حول الشّمس على خلاف ما ذُكِرَ في العهدين القديم والجديد.
أما تذكر ياقداسة البابا أن الكنيسة أحرقت مكتبة الإسكندرية بحجّة محاربة العلم القديم، الذي سمّوه آنذاك بالعلم الوثني؟
أما استصدرت الكنيسة حكماً بطرد من يتكلّم بالفلسفة، ويتحدث بآراء ابن رشد، مثل سيفر البابسوني الذي قُتِل في جامعة باريس، لأنه تحدّث عن ابن رشد؟
ومن رسم خريطة للجنّة والنّار، وباع صكوك الغفران؟
ففي الوقت الذي شهدت به أُوربة صراعاً بين العلم والدِّين برعاية الكنيسة، كان العالِمُ المسلم يتلقَّى وزن كتابه ذهباً، مكافأة لما أبدع، مع انتشار المكتبات العامّة والخاصة في كلِّ العالم الإسلامي.
أَنسي قداسة البابا - على سبيل المثال - فضل ابن خلدون في فلسفة الاجتماع وفلسفة التاريخ؟ أَم نسي الشريف الإدريسي، وابن رشد، والرّازي، وابن سينا، وابن زُهر، وابن النفيس؟ أم تراه نسي جابر بن حيّان، وموسى بن شاكر وأولاده، وعبد الرحمن الخازن؟ أَنسي لوغارتمات الخوارزمي، وأبحاث الزُّرقالي التي اقتبس منها كوبرنيكس؟ أَنسي ابن الهيثم رائد علم البصريّات بلا منازع، وأبا المنهج العلمي؟
أَنسيت أُوربة كل هذا، في القوت الذي كانت ترسم فيه المصورات لجهنم؟ وتمنع العلماء أن يقولوا بكرويَّة الأرض، فأيُّ عقيدة بحاجة إلى (عقلنة) الإسلام أم مسيحيّة شاؤول؟
مذنَّب هالي الذي ظهر سنة 1682م، فاضطربت لظهوره أُوربة، لجؤوا إلى البابا إينوقنتيوس الحادي عشر، واستجاروا به، فأجارهم، وطرد المذنّب من الجوِّ، فولى في الفضاء مذعوراً من لعنة البابا، ولكنه عاد - ويعود - كلَّ ست وسبعين سنة.
فردريك نيتشه يقول عن رجال الكنيسة: ((لا يخطئون فقط في كلِّ جملة يقولونها، بل يكذبون، أي إنهم لم يعودوا أحراراً في أن يكذبوا ببراءة أو بسبب الجهل)) (عدو المسيح، المقطع 38).
لقد قرر المجلس الأدنى لمجمع كنتربوري بجلسة في شهر تموز (يوليو) عام 1917م، أنّ الكتاب المقدس ليس كلام الله صرفاً، ولكنه مشوب بالأقاصيص التي كانت تجري على ألسنة الناس، كما أن كثيراً من الحوادث الواردة فيه لا يقبلها العقل (ينابيع المسيحية ص85).
شَهَاداتٌ مُنْصِفَةٌ
كلمة قداسة البابا تكتب وتختار نصوصها بدقة، وتُراجع مرَّات ومرَّات، لقد انتقى مقولة الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني، الَّذي كان يعيش ألم ومرارة فشل الحروب الصَّليبيَّة على شرقنا العربي المسلم، فما تراه يقول؟
لقد تخيَّر وانتقى ما يناسب ويطابق ما في فكره وقلبه، متناسياً ومغفلاً مئات الشَّهادات المنصفة، لكبار الفلاسفة والمفكِّرين والمؤرخين، لأنها لا تناسب ما في نفسه، وتجلّى الجهل واضحاً حينما قال {لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ}{2/256:1-4} فكرة كانت في بدايات الدَّعوة، ولكن بعد الغزوات والحروب والانتصارات أُلغيت، مع أنّ هذه الآية الكريمة (مدنيَّة) نزلت بعد غزوة أُحد وبني النضير، فأيُّ جهل وافتراء نراه ونسمعه؟
(جان دوانبورت) البريطاني، كتابه (اعتذار لمحمد والقرآن)، اعتذر فيه عن التَّصوُّرات والأحكام التي كانت شائعة في الغرب حول نبي الإسلام، والقرآن الكريم.
اللُّورد البريطاني (هِدْلي) يوضِّح: أن مدبِّجي وناسجي هذه الافتراءات حول الإسلام ونبيِّه لم يتعلَّموا حتّى أوّل مبادئ دينهم المسيحي، وإلا لما استطاعوا أن ينشروا في جميع أنحاء العالم تقارير معروفاً لديهم أنها محض كذب واختلاق (المثل الأعلى في الأنبياء - المقدِّمة).
واعتذر (تولستوي) من رسول الله الذي نال إكباره، فكان جزاؤه على كلمة الحقِّ أن حرمه البابا من رحمة الله، قال (تولستوي) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكفيه فخراً أنَّه فتح طريق الرُّقي والتَّقدُّم، وهذا عمل عظيم لا يفوز به إلا شخص أُوتي قوّة وحكمة وعلماً، ورجل مثله جدير بالاحترام والإجلال.
المؤرِّخ الإسباني (سانسيت أُولبورنوت) يشهد قائلاً: ((إنَّ الفتح العربي الإسلامي لإسبانية جلب إليها كلَّ خير)) (تاريخ الأندلس، د. أحمد بدر).
وقال الرَّاهب (ميشو) في كتابه (رحلة دينيّة في الشّرق ص162): ((ومن المؤسف ألا تقتبس الشُّعوب النصرانية من المسلمين التسامح الذي هو آية الإحسان بين الأمم واحترام عقائد الآخرين، وعدم فرض أي معتقد عليهم بالقوّة)).
(غوستاف لوبون) في كتابه (حضارة العرب) قال منصفاً: ((فالحقُّ أنَّ الأُمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، ولا ديناً سمحاً مثل دينهم))، وتمنّى لو انتصر المسلمون في بواتييه (بلاط الشهداء) لتنعم فرنسة بحضارة وعلوم كما نعمت إسبانية.
(فردريك نيتشه) الفيلسوف الألماني يقول عن فهم وبحث: ((حارب الصَّليبيون شيئاً كان الأجدر بهم أن ينبطحوا بِذُلٍّ أمامه، حضارة يمكن لقرننا التّاسع عشر أن يعتقد أنه فقير جداً، ومتأخر جداً بالمقارنة معها)) (عدو المسيح، الفقرة 60)، ((إنَّ تاريخ الكنيسة يحمل صفحات حمراء دامية في أمريكة وإفريقية وآسية وأُوربة))، (عدو المسيح الفقرة 36)، ويقول (نيتشه) عن المبشِّرين ورجال الكهنوت المسيحيِّين: ((لا يخطئون فقط في كلِّ جملة يقولونها، بل يكذبون، أي إنهم لم يعودوا أحراراً في أن يكذبوا ببراءة، وبسبب الجهل)) (عدو المسيح، الفقرة 38).
استجار يوحنا ملك إنكلترة بسلطان الموحِّدين في المغرب محمد النّاصر أن يحميهُ من البابا، قُبالة جزية سنوية، وأن يعتنق وشعبه الإسلام ديناً له، ولكن محمد النّاصر رفض هذا العرض لأنّ أريحيّته أبت عليه استغلال الضائقة السياسية الإنكليزية لحملهم على اعتناق الإسلام، (المؤرخ الألماني يوسف أشباخ، في كتابه: تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين 2/153).
مايكل هارت في كتابه (المئة الأوائل) في تاريخ البشرية، جعل محمداً أولهم بلا منافس، فهل هذا التخيُّر عن علم وبحث، أم عن جهل وتحيُّز، وهو المسيحي الذي لم يُسْلِم؟
شاعر ألمانية الأوّل (غوته)، كان يحتفل بليلة القدر، لنزول القرآن الكريم فيها، وكان يقول علناً: إن كان الإسلام يعني الاستسلام لله، فكلنا نحيا ونموت على الإسلام.
شهادات منصفة من كبار المفكرين كثيرة، مثل: رينيه جينو الذي أسلم لاعتصامه بنصٍّ مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنه القرآن الكريم، والدكتور غرينييه، وفانْسَان مونتيه، وكات استيفنس (يوسف إسلام مطرب القارتين)، وعبد الرشيد سكنر أستاذ علم النفس في جامعة برادفورد، صاحب كتاب (تكنولوجيا السُّلوك الإنساني) والدكتور مراد هوفمان سفير ألمانية السابق في المغرب، والدكتور موريس بوكاي صاحب كتاب دراسة الكتب المقدَّسة في ضوء المعارف الحديثة، والدكتور روبرت كراين (فاروق عبد الحق) مستشار الرئيس الأمريكي نيكسون للشؤون الخارجيّة، ونائب مدير مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، القائل: الإسلام هو الحلُّ الوحيد، فهو الذي يحملُ العدالة في مقاصد الشريعة.
وأختم هذه النماذج بـِ(وُلْ دْيُورانت) صاحب (قصة الحضارة)، الذي درس الحضارات والعقائد في القارات الخمس، من قبل الميلاد إلى منتصف القرن العشرين، ثم قال: ((وإذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس، قلنا: إنَّ محمداً كان من أعظم عظماء التاريخ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجيّة حرارةُ الجوِّ، وجدبُ الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحاً لم يدانه فيه أيُّ مصلح آخر في التاريخ كلّه)) (قصة الحضارة 13/47).
فهل هذه الآراء صادرة عن دراسة وبحث، أم عن جهل وسطحيّة يا قداسة البابا؟
خاتمة
رمتني بدائها وانسلّت
يا قداسة البابا... من عرف الحقّ عزَّ عليه أن يراه مهضوماً، فكيف بمن رأى الباطل يُسْقِطُ ما فيه من فضائح على الحقِّ ظلماً وحقداً وتعصُّباً، والباطل على علم ويقين بأنَّه يفتري ويكذِّب، ويصمُ الآخرين بما فيه؟
يا قداسة البابا... ها هو ذا الكتيّب بين أيديكم عن طريق سعادة السَّفير البابوي بدمشق، وقد اعتمدت فيه التَّوثيق، ومعظمه من كتبكم ومن مفكِّريكم، فإن كان لكم رأي يخالف ما ورد فيه، فيمكن التَّصويب من أجل الوصول إلى الحقيقة:
- أيُّ دين انتشر بالسَّيف والإكراه والقسوة والعنف والدِّماء؟
- وأيُّ دين جاء بالشَّرِّ ولا يتقبَّله العقل، واصطدم مع حقائق العلم وأحرق العلماء؟ علماً أنك يا قداسة البابا تؤمن بالعهد القديم (التّوراة) حيث الله يتعب وينام ويصارع ويتأَلم..! وأُذكِّركم:
أنّ البابا سلفستر الثّاني (999-1003م) الذي كان من علماء عصره، وترجم إلى اللاَّتينيَّة كتباً عربية كثيرة، تلقى علومه في الأندلس، في قرطبة وإشبيلية.
والبابا بولس السَّادس الذي تولَّى البابويّة عام 1963م، ومات مسموماً عام 1978م، أصدر وثيقة كانت بمنزلة اعتراف رسمي مسيحي بالدِّين الإسلامي، جاء فيها: ((إنَّ كلّ من آمن بعد اليوم بالله خالق السَّماوات والأرض، وربِّ إبراهيم وموسى، فهو ناجٍ عند الله، وداخل في سلامه، وفي مقدِّمتهم: المسلمون)) وأوقف التَّبشير بالعالم الإسلامي، بعد أن اطلع على جزء مما جاء في لفائف البحر الميت (مغاور قمران)، حيث جاء في سفر إشعيا: ((بعد المسيح، يأتي نبيٌّ عربيٌّ من بلاد فاران - بلاد إسماعيل، وفاران باللُّغة الآراميَّة هي بلاد الحجاز - وعلى اليهود أن يتَّبعوه، وعلامته أنَّه إن نجا من القتل، فإنَّه النبيُّ المنتظر، لأنَّه يفلت من السَّيف المسلول على رقبته، ويعود إليها بعد ذلك بعشرة آلاف قدٍّيس)).
وأُذكِّر بالآية الكريمة الصَّريحة الواضحة، وهي جزء من عقيدة كلِّ مسلم:
{لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلَى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ} [الممتحنة: 60/8-9].
فالإسلام يمدُّ يده لمصافحة أتباع الأديان الأُخرى لتحقيق التّعاون على إقامة العدل، ونشر الأمن، وحفظ الدِّماء أن تُسفك، وحماية الحرمات أن تنتهك.
والإسلام لم يقم على اضطهاد مخالفيه، أو مصادرة حقوقهم، أو تحويلهم بالكره عن عقائدهم، لأنّ حريّة الاعتقاد مصانة، هذه عقيدتنا، ونحن أحقُّ من مانويل الثاني بالتَّعريف بها.
ولقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم لجنازةٍ مرَّت أمامه، فقيل له: إنّه غير مسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أَوَليس نفساً؟))، (رواه البخاري في الجنائز 1312)، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((أنا شهيد أنّ العباد كلَّهم إخوة)) (رواه ابن حنبل عن زيد بن أرقم).
يا قداسة البابا..
هذا ما يتناسب مع حجم هذا الكتيِّب، علماً أنني قدّمت ما أريد مفصلاً في كتبي:
الإسقاط في مناهج المستشرقين والمبشِّرين، وفي: الحوار دائماً وحوار مع مستشرق، وفي: الإسلام في قفص الاتِّهام، وفي: التسامح في الإسلام المبدأ والتطبيق..
وهناك كثير من التساؤلات، ولكن حجم الكتيِّب لا يسمح، منها: كلُّ مسيحي حاورته بالَّتي هي أحسن، كان يقول: أسرار، رموز أمر الثّالوث الأقدس، فوق عقولنا، سرٌّ لا يمكن شرحه عقلاً، وأودُّ طرح السُّؤال التَّالي، الذي سألته لعشرات، ولدور نشر مختصة بالكتاب المقدَّس: إنَّ الإصحاحات الأُولى في الأناجيل تنتهي وعمر السيد المسيح 12 سنة، ليبدأ الإصحاح الثاني في كلِّ الأناجيل المعترف بها، وعمره 30 سنة، فما بين سنة 12، وسن 30 لا يعرف أحد أين كان، وما هي سيرته، فالسِّنين الضَّائعة من حياة يسوع كيف نجيب عنها؟ وبماذا نفسِّرها، وهو الذي خُلق بمعجزة؟
علماً أننا وإن لم نتلقَّ إجابة، فإنَّ السَّيِّد المسيح يبقى عندنا من الأنبياء أُولي العزم، وأُمَّه طاهرة بتول صدِّيقة.
وأرجو ألاَّ أُلام على ما قدَّمت، فاللّوم يقع على من بدأ الهجوم بلا علم، فخالف الحقيقة، وأسقط ما فيه، أو ما عنده علينا.
***
دار الفكر
دمشق - سورية
الدكتور شَوقي أبو خليل

إضافة تعليق