لا تتركوا الكتاب وحيدا

كتبت مثل هذا العنوان قبل ثلاث سنوات تقريبا..وأستعيده مرة أخرى هذا العام، وربما أستعيده مرارا في قادم الأيام كما يستعيده غيري من محبي الكتاب وعشاقه، وما أكثرهم رغم كل ما يقال عن جيل اليوم الذي ابتعد عن الكتاب وعن القراءة واتجه إلى عوالم افتراضية أخرى، لا فرق إنْ كانت القراءة التي أعنيها إلكترونية أو ورقية.. أعني هنا القراءة بشكل مطلق. الأعداد التي تزور المعرض يوميا أعداد جيدة ومفرحة.. ومفرح جدا السجال الذي يدور في وسائل التواصل الاجتماعي حول الكثير من الكتب الصادرة حديثا، وحول العديد من الكتّاب، ما يدل بتقديري على الأقل، أن هناك نية لزيارة المعرض واقتناء كتب حديثة تسد حاجة عام كامل من القراءة. ومعرض مسقط بالتحديد ينجحه شراء الأفراد لا شراء المؤسسات كما هو الحال في معارض مجاورة في الخليج وهذه ميزة في حد ذاتها. الكثير من الأصدقاء اتصل بي يسأل أن أرشح له روايات صدرت حديثا أو يسأل عن كتاب بعينه أين يجده، والجديد أن هناك من يسأل عن كتب سياسية واقتصادية ودراسات اجتماعية، ولم يعد الأمر مقتصرا على الشعر والروايات أو حتى الكتاب الديني الذي يلقى الكثير من الرواج. لكن وحتى نكون منصفين، هذا ليس المشهد كله بطبيعة الحال. هناك مشهد آخر علينا أن لا نغفله. بل يحتاج منا إلى تركيز كبير عليه..وأتحدث هنا عن واقع حقيقي مع الأسف الشديد..واقع أعرفه تماما وهو ينعكس على المجتمع وعلى وعيه وبنائه وتطوره. هناك نسبة كبيرة في المجتمع انتهت علاقتهم بالكتاب مع اليوم الذي انتهت فيه دراستهم. سواء كانت تلك الدراسة مدرسية أو جامعية. هناك «من» لم تطأ أرجلهم ساحة معرض الكتاب في حياتهم أبدا.. ولم يقتنوا ولو كتابا واحدا من المعرض أو من غيره. بل إن أحدهم قال لي أكثر من مرة «لماذا تضيع فلوسك على هذه الكتب؟» و«ماذا صنعت لك هذه الكتب..
حتى بيت كما الناس ما عندك؟» وهذا خطاب لا يوجه لي وحدي بل يوجه للكثير من الأصدقاء.. أصدقاء الكتاب وأصدقاء المعرفة. وللأسف فإن هؤلاء المبتعدين عن الكتاب هم أكثر الناس نقدا لتأخر المجتمع وعدم تقدمه وهم الأكثر تبرما من الحال والأحوال. هذا الحال لم يكن موجودا في عُمان سابقا، فالمكتبات كانت تكاد تكون أساسية في البيوت العمانية.
صحيح أنها كانت تضم في الأغلب كتبا دينية وفقهية، ولكن ذلك المتوفر في تلك المرحلة وذلك السائد، ومن ساعدته الظروف للسفر خارج عُمان عاد بكتب جديدة كانت تسجل فتحا قرائيا ومعرفيا في تلك المرحلة من تاريخ عمان. يحتاج المجتمع في عمومه إلى وعي وفهم جديدين لقيمة الكتاب وأهميته، وتحتاج الدولة أن تعرف أيضا قيمة اهتمام أفرادها بالكتاب وتعرف الفرق بين المجتمع الواعي والمجتمع اللاواعي.. ولذلك نحتاج أن نرى الكتاب في كل مكان والحث على المعرفة في كل وقت. ويحتاج معرض مسقط الدولي للكتاب اليوم أن ترتاده الأسرة، أن يأتي الأب بصحبة أبنائه، حتى يستطيع زراعة حب الكتاب في نفوسهم من هذا العمر المبكر ولا بأس أن يكون هذا الأمر مدعوما من الحكومة أو من مؤسسات القطاع الخاص..
فالعالم لم يتقدم أبدا في معزل عن الكتاب/ المعرفة، والمعرفة لا تأتي بمعزل عن الكتاب. ومن سيقول هنا أن العالم تقدم بالكتب العلمية وليس بالروايات والشعر سأقول له إن أوروبا واليابان وأمريكا والهند والصين هم أكثر نتاجا للإبداع الشعري والسردي من دول العالم الثالث الذي لا ينتج علما بالأساس..العلوم الإنسانية لا غنى عنها أبدا وإلا سنتحول جميعا إلى مجرد آلات فقط.
فلا تتركوا الكتاب وحيدا..لا تتركوه وحيدا اقتناء وقراءة.

إضافة تعليق