لا فصل بين الأدب والفكر

سُذّج جدّاً أولئك المفكّرون الذين يفصلون بين الأدب والفكر، أو بين القصيدة والأطروحة الفكرية والفلسفية، أو حتّى بين الفكر ولغة الموسيقى الباعثة على سحر التعليل والتأويل. وربما كان توصيف "سُذّج جداًّ" قليلاً على هؤلاء، الذين يقولون بالفصل المذكور، نظراً لقصورهم الفاقع تجاه حتّى ملامسة تخوم الفكر والمعرفة؛ ذلك أنّ الأدب العظيم، سواء تجسّد في رواية أم في قصيدة، أم في مسرحية، هو مزيج حضاري مركّب من الفكر ومعطى الواقع، ومن معطى الواقع والخيال من جديد، ناسجاً عناصره لجعلها واقعاً أدبياً أو فنّياً أو علميّاً.

 

عن هذا المزيج تتوالى الأسئلة الإبداعية المستغرقة في شيفرة الرؤية بمرموزاتها وتصوّراتها ودلائلها، داخل النظام الاجتماعي الذي به يكون مظهرها أو هيئتها ومرادها العام.

وأعظم لقاء للشعر مع الفكر، مثلاً، تجسّد في لقاء هلدرلن مع هيغل.. ولقاء هايدغر مع هلدرلن، عبر ثنائيّات تراكميّة شفّت عن ذلكم التواشج العميق للرؤية الصوفية الألمانية، ممزوجة بمعاني الوطن والموت والمصير والكينونة والزمنية، وذلك كلّه انطلاقاً من مرآة الحياة وتجليّاتها.. هذه التي بذاتها تُشكّل نصّاً محورياً عامّاً يقرأه كلّ منّا على طريقته.

إنّها لقاءات أو ثنائيّات خرجت من سقف المحدود والمتصوّر إلى الأفق التاريخاني ما بعد اللاهوتي، مُحدّدة لنا الأفق الهائل للتكوين، وهو ينبجس من سؤال الفكر في القصيدة، أو النصّ الفلسفي، والذي يحقّ لمبدعه في النتيجة أن يتمرّد على ذاته وصولاً إلى التحرّر من ميتافيزيقيا النهايات.

ومن اللقاءات الفذّة الأخرى بين الأدب والفكر، ذلكم اللقاء المتجسّد في تجربة جان بول سارتر الطويلة والعميقة مع نفسه؛ فهو فيلسوف وروائي ومسرحي وكاتب سياسي، شكّلت نصوصه متمازجة "تلاحم" أنساق وجودية طوّرت طرقاً بنائية نحو الحرّية والثورة، عاشت عليها أجيال بأكملها في الخمسينيّات والستينيّات وامتداداً إلى الثمانينيّات من القرن الفائت في الغرب والعالم على السواء.

وهو بدأ برغبة في أن يصبح فيلسوفاً من خلال كتابته الرواية والمسرحية، وحتّى الأغنية (ألّف أغنيات عدّة  للمطربة الفرنسية الكبيرة جولييت غريكو) فجمع في داخله بين الخيال الأدبي الفذّ لستندال والعمق الفلسفي المتجاوز لسبينوزا، وقد جعلته كتاباته الفلسفية، وبخاصّة منها كتابه الأشهر: "الوجود والعدم" – 1943، أكثر المفكّرين الأدباء التصاقاً بفكرة الحرّية والثورة؛ وهو على الرّغم من شغفه بالأدب وألوانه المختلفة، وخصوصاً سلسلته الروائية "دروب الحرّية"، إلاّ أنه لم يتخلَّ حتّى نهاية حياته عن عباءة الفيلسوف بنظامه الفكري الخصوصي ذي التمثّلات الواضحة.

وما دمنا ذكرنا اسم المغنّية الفرنسية جولييت غريكو (90 سنة أطال الله بعمرها..)، فمن المفيد الإشارة إلى أنّ هذه الفنّانة الرائعة مثقّفة فلسفيّاً وأدبيّاً وشعريّاً، وقد نهلت من الينابيع نفسها التي نهل منها سارتر فلسفته الوجودية، أي أطروحات ديكارت و"كوجيته" الشهير: "أفكّر، إذن أنا موجود"، وفلسفة الفينومينولوجيا لأدموند هوسرل وتلميذه الوجودي العظيم مارتن هايدغر، مع فارق أنّ جولييت غريكو اتّجهت إلى الإبداع الغنائي، بينما ذهب سارتر إلى التعبير بالكلمة والنصّ. والإبداع الغنائي الذي تمثّله "مطربة الوجوديّين"، لا يقوم على سحر الصوت واستثنائيّته فقط، بل على الاندغام المديد بفعل الكلمة الشعرية وأدوار فضاءاتها والإحساس  الغامض والعميق بها، ذلك أنّ مقياس معرفة الظاهرة الأدبيّة، من خلال الأغنية بنموذجها الشعري الراقي هنا، ليس هو الظاهرة نفسها، وإنّما هو هذا المؤوّل منها، يتجوّل في رؤوسنا وشبكة مشاعرنا وأذواقنا وزوارق أعصابنا، مُشكّلاً منها اتّحاداً سياديّاً فائق الخصوصية والأبعاد، المُعلَنة منها والسرّية… إلخ.

ونستدرك فنقول إنّ ثمّة صداقة معرفية وثقافية عميقة تعمّرت بين جان بول سارتر وجولييت غريكو، دفعت بالفيلسوف الوجودي إلى كتابة أغنيات لها. كما كان تَقرَّب منها شعراء وكتّاب كبار من أمثال: جان كوكتو وجاك بريفير وبوريس فيّان وجان تارديو، فغنّت قصائد لجاك بريفير وريمون كينو وروبير ديسنوس. كما غنّت أيضاً قصائد  للشاعر والمسرحي الألماني الكبير برتولد بريخت؛ وكذلك غنّت بضعة نصوص شعرية كتبتها لها خصّيصاً صديقتها  الروائية الفرنسية الشهيرة فرانسواز ساغان. تقول ليونور غونزاليس، وهي كاتبة وناقدة فرنسية من أصل أرجنتيتي، وصديقة مقرّبة من المغنّية جولييت غريكو: "تنافس الكثيرون، في السرّ والعلن، على الفوز بقلب جولييت، في طليعتهم سارتر، ما أثار ذلك حفيظة صديقته ورفيقة دربه سيمون دي بوفوار، لكنّ الأخيرة لم تفصح عن ذلك، بداعي الحرّية والخيار محض الوجودي الفردي الذي زرعه  فيها سارتر، وبنى على أساس ذلك نهج علاقته بها".  لكنّ أحداً لم يفز بقلب جولييت الجميلة الساحرة غير زوجها، عازف البيانو والأكورديون جيرار جوانيست، وإن كانت قد حرصت هي كلّ الحرص على التقرّب الدائم من مختلف الرموز الفكرية والإبداعية والسياسية الفرنسية والعالمية، التي كانت باريس الأربعينيّات من القرن الفائت، مسرح تفاعلها الجدلي والحيويّ المنتج، وخصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية (1945)، وما كان سبقها من حروب ونزاعات وتجاذبات اجتاحت أوروبا، وأفضت، في ما بعد، إلى قيام عالم جديد كرّسته اتّفاقية يالطا، بين الاتّحاد السوفياتي بزعامة ستالين من جهة، وبين بريطانيا بزعامة تشرشل، والولايات المتّحدة بزعامة فرنكلين روزفلت من جهة ثانية.. حيث ناقشوا على طاولة غير مستديرة (هذه المرّة) تقاسم النفوذ في العالم بعد الانتصار على ألمانيا النازيّة، واستطراداً الاتّفاق على تقسيمها، وبناء جدار برلين الذي اندمغت علامته في ذاكرة أغلب السياسيّين والمفكّرين والمثقّفين في هذا العالم.

تجدر الإشارة إلى أنّ الألماني الكبير يوهان فولفغانغ فون غوته (1749 – 1832)، وهو شاعر وروائي ومسرحي وفيلسوف كبير يعتزّ به الألمان أيّما اعتزاز، من خلال إطلاقهم اسمه على أشهر معهد لنشر الثقافة الألمانية في العالم، وهو "معهد غوته".. كان أيضاً مفكّراً وحتّى شاعراً سياسياً، رأى في أميركا البدايات، وما تلاها من عقود معدودة فقط، خلاصاً للغرب الأوروبي، وربما للعالم كلّه في ذلك الوقت، من خلال تركيزه على الفروق الأساسية بين أميركا وأوروبا، حين قال في مؤلّفاته الكاملة (الجزء الثاني): "أميركا إنّ وضعك أفضل/ ممّا هو في قارّتنا القديمة/ ليس لديك قصور متهدّمة/ ولا حجارة من البازلت/ وأنتِ لا يزعجك/ في داخلك، في زمنك الحيّ/ ذكريات لا لزوم لها/ وخصام لا طائل منه".

ونعرف من أرشيف غوته السياسي، أنّه وبعد احتلال الجيش الفرنسي بقيادة نابليون ( 1769 – 1821) لشرق ألمانيا، التقى غوته بالإمبراطور الفرنسي الكبير لقاء الأنداد الأقوياء، وترك ذلك اللقاء، الذي حصل في مدينة إيرفورت، عاصمة ولاية تورينغن، أثراً إيجابياً في شخص نابليون، الذي اعترف لكبار مستشاريه من حوله، بُعيد انصراف غوته قائلاً: "هذا رجل كبير.. هذا إنسان كبير".

أمّا غوته، وعندما ضعفت شوكة الإمبراطور نابليون وتبدّد نفوذه في العام 1813، فقد تعاطف معه، وصار مادّة سامية لأشعاره ونصوصه الأدبية، على الرّغم من كونه خصماً له ومحتلّاً لبلده وقال: "هذا قائد فرنسي يفرض عليك احترامه، لأنّه مزيج من فكر وأدب وسياسة وفنّ وحبّ وذوق". (فؤاد رفقة، مجلّة "الكفاح العربي" اللبنانية – أيار(مايو) 1986).

 

غوته والمتنبّي.. والمعلّقات السبع

ولـ"غوته" الفيلسوف والشاعر إطلالة كبيرة وعميقة على الفكر العربي والإسلامي، عبر كتابه الفذّ: "الديوان الغربي والشرقي"؛ وكذلك من خلال معرفته باللغة العربية، والانسحار بدلالات الانسجام بين اللفظ وروح المعنى فيها. قال: "ربما لم يحدث في أيّ لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخطّ، مثلما حدث في اللغة العربية، وإنّه تناسق غريب في ظلّ جسد واحد".

ويعتبر غوته الشعر العربي عماد اللغة العربية وجوهرها؛ ولذلك انجذب بكلّ جوارحه إلى شعر أبي الطيّب المتنبّي، ووظّف بعض إشارات أشعاره في روايته العظيمة "فاوست".

كما انجذب غوته أيضاً إلى  شعر أبي تمّام، ووجد فيه حبْكاً قويّاً بين المعنى والمبنى، وبينهما وبين الصورة الشعرية غير المألوفة.

على أنّ التفات غوته إلى الشعر الجاهلي كان أمراً أكثر من مثير، ولاسيّما تعلّقه بالمعلّقات السبع، التي تَرجم أجزاء منها إلى اللغة الألمانية. وقد ساعده على استيعابها وفكْفكة شيفراتها، معلّمه وصديقه الفيلسوف واللاهوتي الألماني يوهان غوتفريد هيردر (1744 – 1803)، الذي دفعه باتجاه تعلّم لغة الضادّ، واستيعاب فقهها، وأمداء فلسفتها، وذلك انطلاقاً من أنّ أيّ فهم لشخصية شعب آخر، وحضارته، إنّما يكون من مدخل اللغة والأدب والشعر، ولذلك انبرى غوته يستطلع، وفي العمق، ملاحم فحول شعراء عرب الجاهلية: امرؤ القيس، عنترة بن شداد، طرفة بن العبد، لبيد بن أبي ربيعة، الحارث بن حلزة، زهير بن أبي سلمى.. ووجد فيهم شعراء بناة لجسر الإبداع الشعري الإنساني على مستوى كوني.

هكذا، لا يمكننا الفصل بين الفكر والأدب فكلاهما واحد، وكلاهما دأب نحو المعنى.. والإنسان لا يحيا بلا سعي نحو المعنى.

http://ofoq.arabthought.org/?p=2475

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
3 + 16 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.