لسانا العربي.. لغة المقدس ولغة الشعب

كانت العربية الفصحى في البدء، لهجة من لهجات القبائل العربية جرت على لسان قريش.
وبسبب من مكانة قريش ومكانة مكة حاضرتها، وبسبب من انتشار وتركز الأسواق والتجارة والتبادل والبيع فيها، فقد تشكّل في وجدان العربي وطبيعته لسانان لهج بهما منذ فجر وجوده، أحدهما خاص بالقبيلة وحياتها وأسلوب معاشها، وثانيهما لسان عام تفهمه القبائل العربية بمجموعها وهو لسان قريش. مع ضرورة التأكيد أن اللسانين يتحدّران من أرومة واحدة، ما يعزز إلفتهما وحسن تجاورهما...
ولأن مكة حاضرة العرب جميعا وموئل دياناتهم وآلهتهم وتجارتهم والحِمى الحاضن للبيت العتيق.. بيت إبراهيم وهاجر وإسماعيل، وموضع هُبل واللات والعزّى، لذلك ترسّخت لهجة قريش وانتشر لسانها في نجود جزيرة العرب وعسيرها وفي يمنها وشآمها فكتبوا شعرهم ومعلّقاتهم بلهجة قريش وتناقلوا فصوص حكمتهم وأمثالهم وسجلوا نصوص خطب أحنافهم وبلغائهم بهذا اللسان وأطقسوا لشعرائهم وأقاموا لهم المسابقات والجوائز، وكان سوق عكاظ سوق الإبداع العربي العظيم الذي عزّ له في تاريخ العرب الوسيط والمعاصر نظير.

وكانت القصائد الفائزة في مسابقات سوق عكاظ للشعر تسمى معلّقات وخرائد، وكانوا يطقسون لأصحابها الطقوس ويعلقون قصائدهم على جدران الكعبة، ويقال إنهم كانوا يكتبونها بماء الذهب ويذهب أصحابها عميقا في الخلود كما لا يذهب القادة والملوك.
وهكذا، وبسبب من حفاوة العرب بالأدب، وبما يجري على لسان شعرائهم من شعر، انتشرت مكانتهم في الأرض على أنهم أمة الشعر .. كما هي عليه أمة اليونان في الفلسفة والفكر.
ثم جاء الإسلام.. وتحقق النهوض الكبير للسان قريش وتحول من خطاب يجري على لسان جماعة من الناس ليصير لغة تنتشر في الشرق والغرب وتنتشر عميقا في الثقافات والحضارات..
وما كان لهذا أن يتحقق لو لم يتنزل القرآن بهذي اللغة وهذا اللسان. وتحولت العربية من لغة تجري على ألسنة البشر من شعراء وتجار وعامة، إلى لغة تتنزل من السماء وتجري على لسان الوحي ويتشكّل في حماها الدين الجديد (الإسلام).
وبذلك انتقلت اللغة العربية من طور إلى طور آخر ومكانة مغايرة، انتقلت من أن تكون لهجة ولساناً قابلاً للتبدل والتغير والتأثر، لتصبح نصاً مقدساً لا يأتيه الباطل ولا تغيره الأيام ولا الحدثان. وتلك القداسة أسهمت في خلود اللغة العربية وجمودها وعزلتها في آن. وأسهم ذلك في ترسيخ حضور العامية في حياتنا وأقصى اللغة الفصحى عن الحياة لتكون حاضرة في نصوصنا وندواتنا ومناهجنا فحسب.
وهكذا تشكلت تاريخياً مسافة من القطيعة بين اللغة المكتوبة واللهجة المحكية لم تفلح مجامع اللغة العربية التي أنشأت للدفاع عن الفصحى وإدماجها مع كل جديد ومحدث مع كل ما هو حي ومتطور في تقليص المسافة المفتعلة بين الفصحى والحياة.
وهكذا تابعت العربية الفصحى وهي اللغة الثابتة الراسخة، التي لا تتبدل ولا تتحول، وتلتزم بصرامة وبهاء بالقواعد والأسس وقوانين البلاغة والعروض والصرف والحركات والوقف وقواعد التجويد والتصويت والمد والدغم والفصل والوصل، والقافية والضرب، وإيقاعات الحركة والسكون في البحر العروضي الذي يشكل ميزان الشعر.
تابعت هذه اللغة الحذرمن الجديد الطارئ رغم أنها قادرة على تقبله وإدماجه في ملكوتها ومنحه خصائصها وصفاتها وإيقاعاتها. صحيح أن هذا الجديد يفقد الكثير من طبيعته وخصائصه.. وينتقل ويتحول ويتماهى ويندمج بإلفة واحتدام في الشروط الصارمة لفصحانا المقدسة.
ولأن العربية شكلت نفسها في بحر متلاطم الأمواج من الأمم والمحاذير والثقافات، ولأن العريبة عصية على لسان من لم يلد بين ظهرانيها ولم يرضع من حليب قداستها وكثافة دلالاتها ومماثلة إيقاعاتها وفتنة معانيها وإشاراتها، كما هي عليه كل لغة عظيمة في الأرض، لذلك تشكلت في حواضر الإمبراطورية العربية الإسلامية المترامية الأطراف، مهرجانات من اللهجات واللُسُن والأعراق التي أضاعت مرجعها ولغاتها ولم تتمكن من الوصول إلى شغاف العربية وسطوة معناها وقداستها. لذلك لم يكن بُدٌّ وبعد تحولات ولأي.. من تحول اللهجات من لهجات محكية إلى لهجات عامية مضطربة الحضور ملفقة الهويّة. وقد أسهم في ذلك أن الحضارة العربية والإسلامية المترامية الأطراف والمشكلات، والمتعارضة السياسات والهويات، لم تتمكن من صياغة حضور مستمر ومتماسك في الزمان والمكان، واجتاحتها السياسات البائسة والمؤامرات، فحولت الامبراطورية الهائلة إلى شظايا هائلة ودول لا حدّ لمجهريتها ولا حدّ لمجاهرتها بضيق أفقها وغضبها.
... وعندما يتشظى الناس، ويتشظى تاريخهم واتفاقهم ويتشظى عمرانهم وحضارتهم تتشظى لغتهم، وتصاب بالتهاون ملامحُهم ومكانتهم، فينسلخون عن جلدتهم ويتهاوون، كما يتهاوى المريدون والأتباع أمام قَتَلَتهم، وبين يدي المتغلبين عليهم من الحضارات الأخرى.
وعندما تتشكل الحواضر والدول والعقائد تبعاً لإرادات المتغلبين من الغرباء والدول، وتتحول الأديان العالمية الواسعة الانتشار إلى مِلل ونِحل.. وشِيَع وفرق، تضطرب اللغة المقدسة التي احتوت في حياضها النص المقدس، وتذوي وتنكمش عندما تنحسر القراءة والكتابة بين أهليها والناطقين بها، وتسود الأمية في ظل المتغلبين من الأمم والثقافات الأخرى ويصبح التأخر والتخلف هما الغاية والقصد.. عند ذلك تتبدى العامية بوصفها الوسيلة والغاية، ويكون الإتّباع وليس الإبداع هو المآل والقصد.
وينحسر التجديد ويتردى الفكر وتُختزل المدن والحواضر العربية الكبرى في حارات موصدة وعادات ضئلية مرتبكة.. ويصبح في الحارة الواحدة فردٌ واحد يتقن القراءة والكتابة هو شيخها ومؤذنها وخادم جامعها، أو خادم كنيستها. عند ذلك يصبح التتريك والفرنسة هما السمة الغالبة ويندحر كل شيء، ولو لم يكن أزهر القاهرة موجوداً، وزيتونة تونس، وبعض الكتاتيب في دمشق وبغداد وحلب، وبعض حماة العربية في الأديرة والكنائس في لبنان، ممن رفضوا الاندماج في لغة العثمانيين تحت حجة الخلافة المفتعلة.. ولو لم تتشكل في منتصف القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حركات النهوض القومي الداعية إلى التحرر وإحياء الهوية العربية واللغة، لضاعت الفصحى وضاعت معها العامية.. وأصبح الناس يرطنون بلهجات ولغات مثل تلك التي ترطن بها بعض القنوات العربية حيث لا حفاظ على لغة فصحى ولا عامية شعبية أصيلة، وإنما أمشاج من لغات مرتبكة ومفتعلة، تذكّر المستمعين والمشاهدين لهذه القنوات، بلهجات الخادمات السريلانكيات والمربيات الفليبينيات، حيث تضطر مقدمة أو مقدم البرامج المنوعة، إلى الاعتذار للمشاهدين إذا وردت مفردة عربية، لذلك يعود سريعاً ليشرحها بمفردة فرنسية أو انكليزية وكأنهم يقدمون لجمهور في جزر المارتينيك أو ساحل العاج ثقافتهم المهزومة التابعة.
لقد تمكن الأدب العربي المطبوع والمكتوب، من التعايش مع ثنائية اللهجة واللغة، وبسسب اتساع أفق العربية الفصحى وقدرتها على التعبير وغناها بالمفردات والدلالات المتصلة بتحولات النفس البشرية، وتبدلات المعنى.. صار ممكناً في الأدب التشارك والتآلف حيث تنفرد الفصحى بصياغة السرد والوصف والتذكر وحديث النفس.
.. وتساهم اللهجة المحكية الأصيلة في صياغة الحوار الذي يصدر عن ذوات مختلفة ومتعارضة، لذلك ساد في الحوار الذي يرِد في الرواية والقصة والمسرحية نوع من الفصحى المخففة أو المحكية المفصحة، مما ساعد على إغناء الحوار وتقريبه من منطوق أصحابه، كما هم عليه في الواقع وكما يمكنهم أن يكونوا عليه في الأدب، وأصبح هذا الدمج وهذه الإلفة مستساغة ومحببة.
إن البحث في التطور الدلالي والتاريخي للمفردات والتراكيب والأمثال للعاميات في اللهجات العربية الأصيلة، يحيل لدى الباحثين في أركيولوجيا المعرفة والتاريخ واللغة، عبر رصد التعايش والتداخل، بين الحضارات البعيدة والمتجاورة، إلى كمٍّ من المعرفة يفوق ما تقدمه اللقى الأثرية ونصوص التاريخ والوثائق المتداولة، ويقدم زوادة كبرى لمعرفة التاريخ الحقيقي للجماعات والثقافات والأحداث.
لذلك ينبغي المحافظة على حضور العربية الفصيحة إلى جوار المحكية الأصيلة، وليس العاميات المفتعلة، التي نبتت كالفطور السامة واختزلت قيماً استعراضية، تدفع أصحابها للتقرب من الحضارات المهيمنة مع قدر كبير من ضياع الهوية واللهجة واللغة، والإعلاء من القيم السطحية وهشاشة الوعي والمعرفة.
.

(كاتب سوري)

إضافة تعليق

15 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.