لغة القرآن أمانة في أعناقنا

اللغة العربية . . لغة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة لا تطالها لغة من لغات الدنيا في مكانتها ورفعتها . كيف لا وهي اللغة التي اختارها الحق تبارك وتعالى، لكتابه المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ فقد جعل الله تعالى كتابه الكريم قرآناً عربياً واضح المعنى، يعقله كل من يقرأ كلماته، أو يتدبر معانيه، فقال سبحانه مقسماً بكتابه: “حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون * وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم” .
إن فالقرآن الكريم بلغته العربية المبينة وأسلوبه الإلهي المشرق ودعوته إلى الحق والرشد أخذ بيد الإنسان إلى الفهم والتعقل والاعتبار والتذكر، ثم أخذ بيده إلى معرفة ربه وعبادته وإلى الإيمان به وتقوى الله . ثم هو يبشر السائرين على هديه العاملين به، المطبقين لمبادئه، وينذر الذين حادوا عن دعوته وتخلوا عن منهجه، ذلك أن آياته المفصلة الواضحة التي اختار الله لها اللغة العربية الخالدة قد ميزت الحق من الباطل، والخير من الشر، والحلال من الحرام قال تعالى: “كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون * بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون” .
واللغة العربية كما هي لغة القرآن الكريم، هي لغة الحديث النبوي الشريف الذي يمثل المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، والرسول صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم “وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى” .
واللغة العربية كذلك هي لغة الأدب العربي الرفيع والحكم الفاضلة، إنها الوعاء النقي الذي نقل إلينا أشرف وأعظم تراث عرفته البشرية منذ وجودها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن أجل هذه المكانة العالية فإن سلفنا أولوها كل عناية ورعاية بحثاً وتأليفاً وتدويناً وتعريفاً بأصولها وقواعدها وما يتصل بها من دراسات دقيقة وعميقة . بيد أن هذه الدراسات يجب أن تفتح عينيها جيداً على ما يحاك للغة القرآن وما يدبر لها من أعداء الإسلام من مخططات حاقدة ماكرة .
ومخططات خصوم الإسلام للنيل من اللغة العربية لا تتوقف، وهي منذ نزول الوحي بهذه اللغة الخالدة تصوب سهامها نحو القرآن نفسه، ولكن الله رد كيد الأعداء في نحورهم، لأنه سبحانه وتعالى تكفل بحفظ كتابه الكريم، قال تعالى: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” .
فلما لم يجدوا أملاً في اقتحام حمى القرآن صوبوا سهامهم إلى السنة الشريفة فحاولوا الدس والتحريف وتلفيق بعض الدعاوى الباطلة وشبه الواهية التي لا أساس لها .
ولكن الله الذي تكفل بحفظ كتابه لم يكن ليدع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهي المبينة للقرآن، فتصدى لهؤلاء الأعداء قديماً وحديثاً أئمة الحديث وحفاظه ممن صانوا السنة من الدخيل وحفظوها من الترهات والأباطيل .
فماذا بعد يصنعون؟ إنهم نظروا إلى هذا التراث الإسلامي العريق وإلى هذا الدين القيم الخالد فوجدوا أنه من أقوى أسباب رفعة المسلمين وعزتهم، فخططوا للإبعاد عنه أو تفريغ المسلمين منه، ذلك أنهم وجدوا الوعاء الذي يحمل هذا التراث إنما يتمثل في اللغة العربية فعملوا جاهدين على القضاء على تلك اللغة، ومن هنا انطلقت الدعوات المغرضة المسفة التي تدعو إلى هجر اللغة العربية، بحجة أنها صعبة وعسيرة أو أنها لا تستجيب لمتطلبات الحياة وروج أصحاب هذه الدعوات للغة العامية بلهجاتها الدارجة لتحل محل الفصحى، لكن بقيت اللغة العربية بحمد الله حاملة أشرف تراث ولم تنل منها ضربات أعدائها لأنها أرسخ من أن تصاب بشيء وأعظم أثراً وأعز جنداً، إنها أغنى لغات الدنيا، وهي التي حملت التراث الضخم العظيم قروناً متطاولة لم تتعثر لها خطوة ولم يخفت لها بريق .
من هنا، فإن اللغة العربية أمانة في أعناق كل أبنائها المخلصين، ويجب أن يتصدوا لدعاة العامية الذين عادوا للترويج لها اليوم، فهم امتداد لمن سبقوهم من حملة المعاول المتسلطة الذين أرادوا أن يدكوا قلاع تاريخنا الشامخ، وأن يفصلوا تلك العرى الوثقى التي حملت اللغة العربية التعبير الحقيقي لها وكانت اللسان المتجاوب في شتى الأقطار العربية والإسلامية والمترجم لآمال وآلام الإنسانية على مر أدوار تاريخها .
وإذا كانت الدعوة إلى العامية تعني الخطر الداهم على الدعوة الإسلامية، فإن هناك خطراً آخر يترتب على ذلك أيضاً وهو فصم أهم روابط التضامن الإسلامي والوحدة بين البلاد الإسلامية، ذلك لأن اللغة الفصحى إذا أهملت وحلت محلها اللغة العامية فسيتعذر التفاهم والتواصل وتنضب روافد العلم والفكر والأدب بين البلاد، وفي هذا تذويب الشخصية وتخريب وتغريب .

إضافة تعليق