لقاء مع الباحث والمفكر د. طيب تيزيني... أجرى اللقاء: وحيد تاجا ( الجزء الثاني )

هل يمكن لهذه الحركات الإسلامية أن تتمثل الديمقراطية أو أن تنتجها؟**هذه مسألة معقدة لاشك ويبدو أن الواقع يفرض ذلك على كثير من هؤلاء، أذكر طرفة حدثت معي في اليمن حين تناظرت مع رجل دين هناك له حضوره الديني والسياسي وكان السؤال إذا ما أتيح لكم الوصول إلى السلطة ماذا تفعلون؟.. قال: سنصل إليها بفعل أدوات الديمقراطية الموجودة في اليمن ولكن ما إن نصل إلى السلطة حتى ندمر هذه الأدوات نظراً إلى أنه لا يوجد بالأساس سوى حزب واحد هو حزب الله.. الحزب الاعتقادي، هذا الأمر موجود ومحتمل ولكنه بدأ يفتقد مصداقيته وقدرته على الحضور البشري ولعله بدأ يفتقد حضوره على الصعيد الإسلامي نفسه، وبدلاً من هذا أخذت تيارات جديدة مناحيَ جديدة في الأفق الإسلامي تتجه نحو التساؤل حول عملية تطبيق الديمقراطية بطريقة أو بأخرى؛ وهنا أمامنا مثال حي من التاريخ العربي الإسلامي البعيد قليلاً والمتمثل بالمناظرة التي لم يحدث مثيلٌ لها بعد ذلك بين الإمام محمد عبده والمفكر النهضوي فرح أنطون، كان الإمام محمد عبده قلقاً بعض الشيء من مسألة العلمانية، ومعه حق لأن المسألة كانت ملتبسة إلى حد كبير والحوار بينه وبين المفكر فرح أنطون اتجه نحو زاوية محددة فقد تبلورت بسؤال طرحه الإمام على فرح قال: إذا وصلت أنت أو أحد المسيحيين الذين تربوا في إطار إسلامي إلى السلطة.. هل ستفتقد مصداقيتك الإسلامية مجرد أن تدخل إلى السلطة، أي ألا تعتقد أن حكمك من موقعك رئيسَ دولة سيبقى ملوثاً بمسيحيتك التي نشأت عليها.. وكان الإمام محمد عبدة يرى أننا لا نستطيع أن نكون علمانيين فعلاً في السلطة. وقد أجابه فرح أنطون قائلاً: نعم يا سيدي لن أستطيع أن أخرج من مسيحيتي، أنا ربيت هكذا، ولكني حينما أصبح رئيس دولة فإنني سأجد نفسي منصاعاً من الداخل والخارج للقوانين التي أردت أن أمثلها وأصبح رئيس دولة أي سأصبح خادم الدستور والقانون الوطني وحينذاك سأكون واحداً للجميع، لن أفقد مسيحيتي ولكنني سألبس العباءة الوطنية كلها.
إنَّ العملية معقدة بطبيعة الحال نظرياً لكن الضرورات التي يعيشها العالم العربي الإسلامي تفرض نفسها الآن على الجميع كي يفكر في إمكانية التعايش فيما بينهم، وربما الديمقراطية نمط من أنماط التعايش خصوصاً إذا فهمناها نظاماً سياسياً يقوم على مجموعة من الآليات التي إذا ما أخذت ليس ضرورياً أن تتدخل في العقائد مباشرة، مثلاً هل هناك ما يمنع بأن نأخذ مسلمين ومسيحيين وعلمانيين بآلية تقوم على إقرار التعددية والجميع سواء، وآلية الانتخاب السري، ثم من الآليات الإقرار بأن الوطن للجميع، آليات تحافظ على الواقع.. على الوطن وعلى النص الديني كي لا يصبح عائقاً، خذ مفهوم أهل الذمة، تصور أننا نحاجج على هذا الأمر ولم نعد قادرين، هل سنصارع من أجل فكرة لم تعد واردة؛ من هنا نحن رجال وهم رجال كما قال العظيم الشافعي؛ أي نحن مخولون باسم النص وباسم الواقع وباسم الوطن أن نؤول هذه المواقف ونصل إلى ما هو عام يجعل من الوطن وحدة للجميع، بهذا المعنى الديمقراطية التي يواجهها الإسلام تفرض نفسها بكثير من الصعوبات والالتباسات التي من الصعب أن يجاب عنها نظراً لغياب حرية الإعلام وغياب حرية التعبير.
* وكيف تنظر إلى العلاقة مع الغرب في ظل ما يجري الآن؟
** أولاً أريد أن أقول كلمة بما يتصل بمصطلح الغرب: الغرب مصطلح صحيح لكن إذا أُصِرَّ عليه بصورة مطلقة فإنه يصبح مضللاً أي في حالة التضليل هذه يبرز مفهوم صراع الحضارات الغربية والشرقية (المسيحية والمسلمة) كيف!؟.. حين يقال الغرب هكذا على عواهنه يصبح هناك احتمال الحديث عن خصوصيات تاريخية لحضارات متعددة فكان (شبنغر) أحد رواد الدراسات الحضارية الألمانية قد تحدث عن حضارات من هذا النمط واحدة منها تنشأ وأخرى تزول عبر صراعات مختلفة، الآن يأتي هذا الحديث ليقال بالأساس إن الصراع الآن هو صراع بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، التعديل الذي ينبغي أن يدخل إلى مفهوم الغرب يتمثل بضرورة تفكيك هذا المصطلح واكتشاف أنه لا يؤسس لحالة اجتماعية وثقافية وسياسية واحدة وإنما يؤسس لتعددية قائمة على التمايز بين الفئات والشرائح والوحدات والطبقات والشعوب.
ومن ثم لابد من التمييز أنَّ هناك أكثر من غرب، نذكر مثلاً ما حدث في المراحل الأولى للتدخل الأمريكي للعراق، هذا الغرب الذي خرج بالملايين إلى الشوارع ضد الحرب، هناك غرب آخر، هو غرب المصالح العسكرية والاقتصادية.. وربما كان هناك غرب ثالث خارج الدائرة، إذاً لا يصح أن نتحدث عن غرب بالمطلق، الصراع الحقيقي الدائر الآن هو صراع المصالح، الولايات المتحدة تريد نفط العالم كله وخصوصاً العالم العربي، ولابد أن نذكر هنا بمشروع أمريكي طرح منذ ثلاثة اعوام وهو محاولة التقسيم السعودي إلى قسمين كبيرين، قسم النفط وقسم الإيديولوجية، المناطق النفطية تعدُّ حالة، والمناطق المقدسة حالة أخرى.. وبذلك حينما تقسم السعودية على هذا الشكل، الولايات المتحدة لا تتدخل بالشأن الأيديولوجي.. أي لا تتدخل في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة.. في هذه المدن والبقاع التي لا علاقة لها بالنفط، إذاً صراع الحضارات مفهوم زائل، هناك صراع مصالح يغطى بالأيديولوجيات، الولايات المتحدة تريد أن تستخدم الإسلام كما تفهمه غطاءً لصراعها ضد الوطن وضد العالم العربي والإسلامي عموماً، من هنا كانت أهمية البحث العلمي، النظري، النشط باتجاه هذه المفاهيم التي تتدفق باتجاهنا من أجل أن نفهمها ونبني مواقفنا على هذا الفهم.. وبهذا المعنى فإن صراع الحضارات مفهوم ملفق أتى من أجل أن يجعل الإسلام مطية هذا الصراع ومن أجل أن يصبح الإسلام حاملاً جريرة هذا الصراع.. إن الذين يقومون بعمليات تخريبية هنا وهناك هم الإسلام .. هذا ما تريد أمريكة قوله.. لتبرر مقولتها «إذاً علينا أن ندمر هذا الإسلام»، ومؤخراً سمعنا عن إنذار خطير وفريد من نوعه من الكونغرس الأمريكي يدعو إلى تدمير المقدسات الإسلامية.. وهذه ليست وقاحة فقط بل أكثر بكثير، شيء فظيع أن يصلوا إلى هذه الدرجة من أجل التسويغ لمصالحهم الإجرامية. وفي الحقيقة نحن نعيش ذلين، ذلاً واقعياً يمارس علينا من الولايات المتحدة ومن الصهيونية ومن التواطؤات مع الداخل العربي، وذلاً ناتجاً عن جهلنا الذي لا يسمح لنا أن نكتشف ما حولنا، من هنا تتأسس فكرة الدعوة إلى إنتاج معرفي جديد، إنتاج معرفي تقوم به فئات جديدة من المفكرين والباحثين ضمن مراكز بحوث حقيقية تنتج معرفة فعلية كي نقدمها للناس بوصفها شكلاً من أشكال الصراع الإيديولوجي وفضح ما تريد الولايات المتحدة فرضه علينا مسلمين وغير مسلمين.
* سؤال اخير ماهي برأيك آفاق العملية السلمية مع الكيان الصهيوني؟
** الكيان الصهيوني مقتله السلام فعلاً، حين تقول سلاماً كأنك أطلقت قذيفة إلى قلب إسرائيل. السلام الحقيقي يدمر إسرائيل، يدمر مجتمعاً غير مؤتلف، مجتمعاً ملفقاً يحتاج دائماً إلى أعداء.. ولاسيما وأن هؤلاء الأعداء موجودون وهم الفلسطينيون. ومن ثم أجد أن هذه العملية التي تسمى المفاوضة لا مستقبل لها، لا يعني ذلك رفض هذا الأمر ولكنه يعني أنه إذا ما أرغمنا على مثل هذه المفاوضات أن نضعها في سياق استراتيجي ندرك من خلاله أن فلسطين لن تعود على الأقل إلى الشرق العربي، لن تعود إلا فلسطين كاملة؛ وهذه دعوة قد تكون الآن أصبحت خيالية ولكن ما هو خيالي قد تجده في لحظة واحدة قد أصبح واقعاً، وهنا أنهي كلامي باستعادة مقولة للفيلسوف الألماني (هيغل): «التاريخ مراوغ» لا تعتقد أنك وصلت إلى حده النهائي لأن هذا الحد النهائي بلحظة ما يَكشف عن أنه مفتوح ويبقى الفعل والإرادة والوعي، المطلوب الآن أن نفعل بإرادة وأن نفعل ونريد بوعي عربي تاريخي قادر على أن يحقق الحد الأول من كرامة وطنية وقومية وأيديولوجية إسلامية ودينية سمحاء عموماً وخصوصاً..

إضافة تعليق