لماذا أخفقت النهضة العربية؟

 

بالرغم من أن بعض المفكرين العرب يرفضون الإقرار بمقولة: "النهضة حلم تاريخي" إلا أنهم يؤكدون في الوقت نفسه على عدم توصل النخب إلى إرساء النهضة باعتبارها مشروعا تاريخيا واجتماعيا مكتمل العناصر.

النهضة العربية وجدلية الإخفاق والنهوض

محمد الحوراني

بالرغم من أن بعض المفكرين العرب يرفضون الإقرار بمقولة: "النهضة حلم تاريخي" إلا أنهم يؤكدون في الوقت نفسه على عدم توصل النخب إلى إرساء النهضة باعتبارها مشروعا تاريخيا واجتماعيا مكتمل العناصر.

 

‏‏

كما أن بعضهم يرى الحديث في المشروع النهضوي العربي حديثا في واحد من أكثر المواضيع إشكالا واستعصاء على الحل، ولعل بروز إشكالية النهضة عائد إلى مطلع القرن التاسع عشر، إذ أنه ارتبط بصدمة الاحتكاك بالغرب على اعتبار أن وعي العربي "لتخلفه"، وشعوره تاليا بحاجته إلى النهوض، لم يكن ممكنا من الناحية الموضوعية ،إلا بعد أن اكتشف تقدم "الآخر"وصار يقيس تخلفه هو بتقدم غيره. واليوم وبعد مرور قرنين كاملين على ظهور المشروع النهضوي العربي والإسلامي ما زال هذا المشروع يراوح مكانه وما زال أصحابه يهيمون على وجوههم باحثين عن الطريق الذي يخرجهم من ضياعهم وتخلفهم، ولكن كيف لهم أن يحققوا ذلك؟هل يعودون إلى مشروعهم النهضوي لدراسة أسباب فشله أملا في الاهتداء إلى سبيل النجاح بغية الخروج من الواقع المزري الذي يعيشونه؟ أم الأجدر بهم أن يطرحوا مشروع نهوض وتنوير جديد يحررهم مما هم فيه ،ويضعهم أمام آفاق ومداخل تاريخية جديدة ..؟‏‏

 

‏‏

يرى" طيب تيزيني" أنه من السخرية الاستفزازية أو من الهزل الساذج أو من المفارقة المنطقية والواقعية الحادة أن يطرح العرب مثل هذا الطرح في المرحلة الراهنة على الأقل ،وبناء عليه فمن الواجب أن تتجه البحوث نحو أسباب فشل أو إخفاق النهضة العربية بغية الاستفادة من ذلك مستقبلا، سواء تم الاتفاق على خلق مشروع نهضوي جديد،أم استقرت الرؤية على تطوير المشروع القديم بعيدا عن السلبيات التي خلقت معه؟ لماذا أخفقت النهضة؟ في سجال فكري جمع الدكتور محمد الو قيدي والدكتور إحميدة النيفر حاول الاثنان تلمس الأسباب التي حالت دون نجاح المشروع النهضوي العربي موضّحين في الوقت نفسه ما إذا كان تحقق النهضة مربوط باستمداد شروطها من التراث الحضاري الغربي ،أم أن الإصلاح والنهوض لا يتحقق إلا من خلال تجديد الفكر الديني الإسلامي أولا؟ يعيد النيفر السبب الذي جعل مسار النهضة يؤول إلى ثقافة التطابق أي إلى طريق مسدود ومشروع مغيب،إلى طبيعة النهضة مع الماضي .فقد كان الشغل الشاغل للنخب التي دفعت بالنهضة وانخرطت فيها متمثلا في الحرص على الندية مع الآخر.وكان هاجس الفاعلية في الحاضر هو الغالب مما جعل غاية النهضة تتحدد في تشكيل عناصر الأمة ضمن اختيارات الحضارة الجديدة ومتطلباتها كما يرى أن إشكالية النهضة ترجع إلى طبيعة صلتها مع الماضي، وهذا ما يدفعه إلى ضرورة التمييز بين غائية النهضة ومضمونها ،وما يقتضيه من الالتحام بالآخر وبين منابع النهضة وحسها التاريخي،أي مرتكزات قوتها الأساسية وهو الجانب المتعلق بالهوية والتراث .وبعد أن يعود النيفر بالمزيد من التحليل إلى المناخ الفكري العام الذي احتضن النهضة العربية الحديثة وإلى مسألة الإسلام يتبين له أن ذلك الارتباط بالحركة السلفية لم يمنع من إرساء تصور مختلف للإسلام ؛وهو ما يسمح بالقول بأن المفارقة الكبرى للنهضة تتضح في مجال تحديد تصورها الهجين للإسلام .كان توجها ،من جهة،حسب التمشي السلفي يعمل على استعادة قوة الإسلام،لذلك كان يقفز فوق التراث ويدين كل الواقع الديني المؤسساتي والشعبي الصوفي على أنه تقليد وابتداع .من جهة أخرى قدمت النهضة تصورا مختلفا للإسلام عن تصور التراثيين والسلفيين ؛حيث اعتبرت الإسلام دينا ليس كسائر الأديان فهو ليس مجرد عبادات تتصل بالفرد في حياته الذاتية الخاصة ،إنما يشمل كل جوانب الحياة الفردية والجماعية. وفيما يتعلق بعلاقة النهضة بالآخر يرى النيفر أن النهضة العربية حين اعترفت بالآخر اعتبرته أداة ضرورية للوعي بالذات أولا؛ ومن ثم صاغت بعيدا عن كل حس تاريخي مفهوما تجريديا للإسلام،لم يزد النسيج الثقافي إلا تمزقا كما خلطت بين شرعية مخالفتها للتصوف الشعبي وما يصحبه من دجل،وما آلت إليه مقولاتها من تهميش لدلالة الدين وأبعاده الحضارية.هذا المنهج سيكون حاسما من الناحية الفكرية؛لأنه يحدد طبيعة النهضة باعتمادها الأثر المعرفي الخارجي في حركة الوعي،وهو ما أفضى إلى الاستناد إلى مرجعيات مستعارة فيما تضطر إليه بعد ذلك من وعي كوني .والذي حصل في تجربة النهضة العربية الحديثة هو الحضور السلبي للآخر .وكان سلبيا لأنه جرى ضمن سياق صدامي،لم يتمكن من امتلاك الآخر بعد فحص نقدي له ،إنما صار الأنموذج الذي تفكر به النخب.وكانت النتيجة تفشيا للمنظومة الإيديولوجية التي تصادر على المطلوب،فكانت لابد أن تفتقر إلى الوسائط النظرية التحليلية.ولذلك لاغرو أن كان التصور المغلوط للذات شديد الارتباط بعائق ثان لايقل خطورة عن الأول ،وهو النابع من تصور مغلوط لذات الآخر وتاريخه. النهضة وإشكالية الهوية وإذا كان إحميدة النيفر يؤكد على الرابطة القوية بين النهوض الحضاري وبين الحفاظ على الهوية فإن علي حرب يرى في واحدة من مقالاته أن الذي أعاقنا عن النهوض والخروج من العجز والقصور الذي نحن فيه ،هو إما هواجس الهوية وثوابت الأمة وأختام العقيدة أو أطياف الحداثة وتهويمات الاستنارة وأصنام التقدمية ويرى حرب أننا ما لم ننجح في التخلص من هواماتنا الأصولية التراثية وتهويماتنا النهضوية التنويرية وثنائيات الضدية الخانقة ،لكي نتعلم كيف نصنع حياتنا ونخترع مستقبلنا ونثبت جدارتنا عبر الانخراط في صناعة العالم وتغييره . وعندما يتجاوز حرب الكلام الذي يحدثنا عن النهضة والنهضة الثانية أو الثالثة فإنه يفعل ذلك لغير سبب .الأول أن مصطلح النهضة الذي يستعمل اليوم بمعنى أوسع مما كان متداولا في عصر الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي،إذ هو يراكم ويستجمع كل ما أخفق المشروع الحضاري العربي في إنجازه سواء من حيث علاقته بالنهوض والإصلاح أو بالتقدم والتحرر أو بالعقلنة والترشيد أو بالتنمية والتحديث. السبب الثاني هو أنه مع العصر الرقمي والانفجار المعلوماتي والاقتصاد المعرفي نتجاوز النهضة إلى ما بعدها كما نتجاوز الحداثة إلى ما فوقها .ولذا لا غنى عن تجديد المصطلحات وإعادة صياغة الإشكاليات .فليست المسألة الآن كيف ننهض من السبات أو كيف نجدد النهضة ،أو كيف نندرج في الحداثة ،إذ نحن نعيش في العالم الحديث منذ عقود طويلة ،ولأن العالم اليوم يكاد يتحول إلى عالم من الفضائح لا أسرار فيه من فرط انكشافه وفيض معلوماته وفائق أدواته. ما يراه حرب لا يتوافق بأي شكل من الأشكال مع طروحات المفكرين المحافظين على هويتهم وثقافتهم وتراثهم أو مع أولئك اللذين جعلوا من حركة الإسلام السياسي مشروعا ً للنهضة والحرية لتوفر الجوانب التنظيمية والفكرية فيه كما هو الحال عند السلفي الحديث علال الفاسي الذي اقترح تبني نظرة شمولية للمسائل السياسية والوطنية ،منتقدا تفكير القرية المقتصر على المحيط الصغير. أما تاريخية الدين فإنها غير متناقضة مع قدسيته ،ومصداقية مصدره ،كما أن هذين الجانبين ضروريان لبناء النهضة ،باعتبارهما يمثلان نظرة شاملة إلى تاريخ المجتمعات البشرية وتحديدا لصورة واضحة عن الإنسان بمختلف أبعاده،كما أن الدين من شأنه أن يجعل النهضة أكثر متانة وصلابة وحفاظا على استمراريتها إذا ما أحسن المفكرون والمثقفون العرب توظيفه في مشروعهم النهضوي. لا بل إن قاسم أمين والذي يعده البعض واحدا ً من أعداء الدين الإسلامي ، يولي أهمية كبيرة للمسألة الدينية في النهوض العربي ، ففي كتابه (أسباب ونتائج ) يحدد أول جوانب الإصلاح والنهضة ، ونعني بها ( التربية ) حيث نراه يصوغ نظرية تربوية تقوم على ثلاث أسس : الأول : غرس بذور محبة الدين في نفس الطفل المصري . الثاني : تنمية المشاعر القومية. الثالث : تنمية الوعي الذاتي. أما الجانب الثاني الذي يراه قاسم أمين أحد أسس النهضة العربية الإسلامية فقد صاغه تحت عنوان (التنظيم السياسي للحضارة الإسلامية ) وتناوله في كتابه ( المصريون ) سنة 1894 وفيه رأى وجود تنظيم ونظام سياسي إسلامي كملمح بارز في حضارتنا الإسلامية ، وهو يرجع ازدهار المسلمين وحضارتهم إلى تطابق نظامهم السياسي مع تعاليم دينهم ، فلما أهملوا تعاليم دينهم انهار كل البناء. وفي كتابه ( المرأة الجديدة ) الصادر سنة 1900 يحدد الجانب الثالث من عوامل النهضة ، ويقصد به ( التمدن الإسلامي ) إذ يتعامل قاسم أمين معه باعتباره الإطار المعرفي الذي تؤخذ منه عملية النهضة المعاصرة إذا أرادت أن لا تحيد عن جانب الصواب. وإذا كان بعض المفكرين العرب يرون أن النهضة لم تعد مأمولة التحقق ،فإن الدكتور محمد الوقيدي يراها ما تزال مأمولة ،أي إنها ما تزال واقعا مأمولا أمام العرب لا واقعا متحققا أو منجزا،كما أن الخطوات التي حققها الواقع العربي والفكر العربي غير كافية لانتاج شروط النهضة ، وحتى لا يدفع الوقيدي بالفكر إلى أفق ضيق ،فإنه يكتفي بوصف الواقع بعدم الكفاية متجنبا الحكم على ما عرفه من تطورات بالفشل مشيرا في الوقت نفسه إلى أن المأمول اليوم هو أن تلعب النخبة المفكرة في البلاد العربية والإسلامية دورها الريادي المطلوب،وهو الأمر الذي يقتضي قطيعة مع عادات فكرية سائدة،ومع الميل إلى عدد من التوافقات غير الناجحة تستطيع النخبة المفكرة اليوم أن تلعب دورا توضيحيا ،وأن تقدم عناصر نظرية ملائمة لحركة البلاد العربية نحو النهضة.وتقتضي هذه المهمة محاولة للسير في طريق التخلص من الخضوع لضغط الواقع ،ومحاولة الإمساك بعناصر هذا الواقع في تعقيداتها وتناقضاتها. النهضة بين الأمل والألم وإذا كان الو قيدي يرى النهضة سيرورة مأمولة ، وتحقيقها متوقف على الإطار الفكري الذي يمكن أن تتحقق فيه، وهذا دور مفكري البلدان العربية والإسلامية اليوم و الذي ينبغي أن يجعلوا منه التزامهم الأساسي.فإن طيب تيزيني يدعو لتبني هوية (عمل)هي هوية مشروع نهوض عربي تنويري جديد.وهذا المشروع إذا كان يبدأ بواحد من مليون،فهو صحيح حين توضع العلاقة بين الواحد والمليون على نحو استراتيجي دقيق .وهو لن يكون صحيحا حتى إذا بدأ بالألف من المليون،حين يكون هذا الألف مبعثرا متناثرا وفاقدا القدرة على النمو باتجاه الهدف الكبير والبعيد. بقي أن نشير إلى أن مشروع النهضة متغير على أرض الواقع وفي داخله ، ولإنجاز مشروعها لا بد من أن تضرب الأمة وقادتها وزعمائها في ملامح هذا الواقع بمثابرة واستعداد عميق للتضحية ، وإيمان واسع بأن ظهرها على الجدار. ولكن قبل هذا تحتاج النهضة في البداية إلى وعي المعنى العربي والإسلامي في إنسانية الإنسان العربي والمسلم ، بمعنى أن يتحسس الإنسان انتماءه العربي والإسلامي في شخصيته الوجودية ، فعندما أفكر أنني عربي ومسلم ينفتح وعيي على هذا التفكير ومن ثم أتحرك فردا ً ونتحرك جماعة أو أمة نحو العناصر الأساسية في العروبة والإسلام في الفكر وحركة الحياة.‏‏

 

 

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.