لماذا ننظر دائماً إلى الجانب الجيّد من الأشياء؟

لا شك أن الأزمة الاقتصادية الكبرى التي تعيشها البلدان الغربية، منذ عام 2008، وسلسلة من الأزمات الأخرى على المستوى العالمي، ومشكلات السكن والبطالة واضطراب البنى العائلية في المجتمعات الاستهلاكية، أمور تدفع لشيوع حالة من القلق العام. وبالإضافة إلى ذلك هناك أمور أخرى كثيرة على صعيد الحياة اليومية، تشكل عوامل حقيقية كي تكون الحالة المعنوية للبشر سيئة، وفي الأرض، ذلك كما تكتب أستاذة علم النفس في جامعة لندن، تالي شاروت، في كتابها: "نزعة التفاؤل" .
ولكن مقابل عوامل القلق، حسب المؤلفة، ورغم المشاكل والأزمات، نجد أن البشر مبرمجون كي يكونوا متفائلين. وهذا التفاؤل يوجد في المورثات، الجينات.
وبعد أن تشير تالي شاروت إلى أنه من الصعب كثيرا، التحلّي بالتفاؤل وعدم الشكوى من الأوضاع الضاغطة، تؤكد أن الدماغ الإنساني يرى الحياة بصورة زهرية، وهذا ميل فطري لديه، مؤكدة أن هذا الدماغ يولّد الأمل ويدفع البشر نحو الأمام، ولكن نحو الخطأ أحيانا. وفي مواجهة ذلك تدعو المؤلفة إلى نوع من "التفاؤل المعتدل والعقلاني".
وتبين شاروت أن النشاط الزائد في جزئي المخ، الأيمن والأيسر، يجعل 80 بالمائة من البشر يبالغون في حظّهم بالنجاح. وهذه أحد ظواهر التفاؤل الدماغي الشائع. وتكتب المؤلفة في هذا الصدد: "عندما يتعلق الأمر بتقديم رؤية عما يخبئه الغد أو الأسبوع المقبل أو الخمسون سنة المقبلة، نبالغ في ترقّب الأحداث الإيجابية، ونقلل من قيمة الأحداث السلبية".
"إن أدمغتنا ربما تكون مبرمجة لرؤية الجانب الجيد من الأشياء"، هذا ما يفيدنا به العنوان الفرعي للكتاب. وبعد أن تشير المؤلفة إلى أن البشر يميلون إلى الاعتقاد بأنهم بالأحرى مخلوقات عقلانية، تؤكد أن العلوم العصبية والاجتماعية، تبين إجمالاً أننا أكثر تفاؤلاً مما نحن واقعيون. ولكن الأمور تنتهي غالبا أقلّ اكتمالاً وكمالاً مما يؤمل.
ومما لا يختلف عليه اثنان، طبقا للكتاب، هو أن القدماء حققوا التقدم في مسارهم، بفضل تفاؤلهم بالمستقبل، وربما ما كان لهم دون ذلك أن يلجوا دروب الاختراع والوصول بالإنسانية إلى ما هي عليه الآن. لكن من أجل أن نتقدم علينا أن نتصور حقائق بديلة، أفضل، وأنه علينا الإيمان بقدرة الوصول إليها.
وتحت عنوان "آلة الزمن الإنساني"، تشير المؤلفة الى أن التفكير الإيجابي حول آفاق المستقبل، يتطلب أولاً أن نكون قادرين على تصوّر أنفسنا في هذا المستقبل. ذلك أن بداية التفاؤل هي بمثابة رحلة في الزمن الذهني، والقدرة على الانتقال من الأمام إلى الوراء في مساحة العقل وزمانها ومكانها. ولكن بكل الحالات فإنه يحق للبشر انتظار نتائج جيدة.
وفي الخلاصة تشدد شاروت على أن "نزعة التفاؤل" أمر حيوي بالنسبة للإنسان، وربما خاصة على صعيد صحته ولخيره بشكل عام.
ولا تتردد المؤلفة في التأكيد، واعتمادا على إحصاءات واستطلاعات ودراسات ميدانية، أن التفاؤل يزيد أيضا من قدرة المرضى على مقاومة مرضهم ويقلّص من احتمالات الإصابة بأمراض القلب.
يمثل الكتاب، وبالعموم، دعوة الى قدر أكبر من التفاؤل المعتدل والعقلاني، بعيدا عن "المبالغة" وأخطائها.. وأخطارها.
الكتاب: نزعة التفاؤل لماذا ننظر دائما للجانب الجيد من الأشياء
تأليف: تالي شاروت
الناشر: كومبيستيبل لندن 2012

إضافة تعليق