لماذا يفشل النص العربي؟

كل نصٍ داخل لغته يؤسس نبرةً جديدة مختلفة . ليس لأن صاحبه إنسان آخر يمتلك أن يكون مشروعاً منفتحاً ومختلفاً فقط، بل لأن الثقافة التي يقع هذا النص في سياقها هي جملة ممكنات . قد تكون قابلة لتأسيس هذه الرؤية أو تلك، وقابلة لأن تكون ذات زاوية حادة أو منفرجة، وبهذا القدر أو ذاك من الاتساع والغنى .
مثل هذه البديهيات لا تناقش أو تعارض حين يكون الموضوع نصوصاً في سياق ثقافة واحدة، ولتكن الثقافة العربية مثلا . فهنا مواصفات وتقانة وتصورات تمنح هوية لهذه النصوص، ولهذا من الصعب والغريب الحديث عن تمايز يقترب من التناقض الحاد .
أما حين يكون الموضوع مقارنة بين الثقافات، فمثل هذه البديهيات لا تحتاج حتى إلى مجرد إشارة؛ الاختلاف والتمايز منطقي وطبيعي، والسبب هو اختلاف اللغة والبيئة والتاريخ والتحديات ومسار التطور العام .
السؤال هو، لماذا لا يكون المنطقي والطبيعي هنا منطقياً وطبيعياً هناك؟
أي لماذا لا نقر بإمكانية التمايز إلى درجة ظهور لغة جديدة، ومختلفة داخل اللغة الواحدة والثقافة الواحدة؟
من نافذة خلفية إذاً، ومن حيث لا تشعر الساحة الثقافية المشغولة بما هو جديد وما هو تقليدي، ندخل، ليس لأننا نهوى المفاجآت ومباغتة الحديث السائر بما يقطع خط سيره أو يبدده، بل لأننا نكتشف في مناسبات معينة الملل والسأم من الدوران في إطار مشكلة ليس هو الإطار المناسب لها، أو يكتشفنا هذا الملل أو السأم ويكتشف إطارنا الهزيل .
سنقول إذاً، إن التجارب مجرد معطيات، وخصوصية الثقافات هي التي تمنحها هذا القوام أو ذاك .
نأخذ مثلاً من تجربة كتابة حاولها الفرنسي “جان جينيه” عن تجربة الفلسطيني منذ أحراش جرش وعجلون وصولا إلى الصباح المظلم في المخيمين، صبرا وشاتيلا . ونضع إلى جوارها تجارب كتابة حاولت أن تكتب التجربة نفسها .
هذه النصوص، وهي منشورة بالمناسبة في مجلة واحدة لحسن الحظ (الكرمل، عدد ،7 1983) جعلتنا نتساءل: لماذا ينجح هذا المثقف الفرنسي في كتابة هذه التجربة ويضيئها بشكل مدهش، بينما يفشل المثقف العربي، والفلسطيني بخاصة، الذي جاوره على الصفحات نفسها؟
كان جوابنا، وما زال، هو أن لكل ثقافة زاوية نظر ورؤية . وتحدد هذه الزاوية، بتراثها اللغوي ومواصفاتها الأسلوبية إضافة إلى قدرات الكاتب وطموحه، مدى اتساع أو ضيق هذه الزاوية . فنرى بعض الثقافات لا تستطيع أن تدور حول محورها إلا بهذا القدر أو ذاك . قد تمنحنا قدرة على رؤية بزاوية مقدارها 0_ درجة، أو بزاوية مقدارها 45 درجة، أو حتى بزاوية مقدارها180 درجة . وبالطبع كلما كانت قدرة الدوران أوسع والدرجة أعلى، كان مجال الاستقصاء أشد اتساعاً، والنظر أعمق .
هذه ناحية، أما الناحية المثيرة، وقد عرفناها من دراسة نص “جان جينيه”، ومن نصوص أخرى في الثقافات الأجنبية، فهي أن الأساس الفلسفي، سواء كانت النصوص صحفية أو أدبية أو خطابات سياسية . . إلخ، يلعب دوراً في تحديد مجال الرؤية وتقنيتها الأساسية . الأساس الفلسفي في هذه الثقافة هو التمييز بين الذات والموضوع، وفهم العلاقة بينهما فهماً خلاقاً . أي بمعنى أن الذات ليست مجرد ما نشعر به ونريده أو نحلم به، بقدر ما هي حصيلة هذا الاتصال بالموضوعات . العالم الخارجي موضوع، والكاتب أو الفنان معني بأن يكون لعالمه الكتابي، لنصه، قوام الموضوع الخارجي .
إذا صورنا هذا الوضع بصورة تمثيلية، يمكن القول إن الكاتب هنا يسلط أضواءه على مسرح العالم، ويجتهد لتسليط أضواءٍ من مواقع غير متوقعة . إنه لا يظل ساكناً . إننا نراه يقفز من زاوية إلى أخرى، من هذا الزمن إلى ذاك، وقد يلقي بنفسه في وسط المسرح، ولكننا لن نراه أبداً يجتذب نظرنا إليه ليقول ها أنا ذا . ذلك لأن الأنا هنا تعلو على هذه الصغائر .
تألق الكتابة هنا، وتألق الكاتب أيضاً، يزداد بنسبة ما يمتلكه من قدرة على إضاءة المصائر والمعطيات، وليس العكس، أي بنسبة ما يمكن أن تضيئه هذه المصائر والمعطيات من ذاته . إنه يطمح إلى أن يكون نشيداً لكل من لم ينشدوا بعد، ولكل ما يضطرب في هذا العالم من طبيعة وحياة .
كيف يفشل النص العربي؟ أو كيف تفشل ثقافة في الدوران حتى زاوية أبعد من الزاوية الحادة، 20 درجة مثلاً؟
لهذا الفشل أكثر من مبرر، فهو يفشل أولا بسبب المواصفات الأسلوبية، وأهمها أن الإنسان لا يكتب أو يقول ما يعنيه تماماً، بل ما يعتقد أنه موضع المعنى الذي تتطلبه “الثقافة” أو “الجمهور” أو “الناشر” أو “الرأي العام”، وهو يفشل ثانياً، لأنه يفتقر، حتى الآن، إلى أساس فلسفي عميق يعترف على الأقل بموضوعية العالم كخطوة أولى، وحتى حين ترد لفظة “العالم” في نص أو عبارة، فإنها لا تكون سوى سد فراغ في حيز . يقولها الكاتب وليس من الضروري أن يعنيها .
القول هنا شيء آخر؛ هو ليس فعلا ولا حركة، إلا بنسبة ما يظهر من ذات المتكلم .
ولو عدنا إلى الصورة التمثيلية، لقلنا إن صاحب النص العربي يقف أمام مسرح العالم وكل جهده منصب على تحويل كل الأضواء لتتسلط على شخصه، وتضيء تقاطيعه وهو قابع في زاوية من زوايا القاعة . وحتى حين يقفز إلى خشبة المسرح، فهو يقفز في الظلام الذي تسبب فيه، وليهتف بنا، ها أنا ذا .
تجتهد الثقافة دائماً في التعبير عن تجربة تاريخية، تجربة القضايا الكبرى التي تشغل المجموع . وإذا كان للأفراد من دور في صناعة نص الثقافة أو نصوصها، فإن قيمتهم تتحدد بنسبة الضوء الذي ألقوه على هذه القضايا . صحيح أن الثقافة تحدّد زاوية الرؤيا، بلغتها وأساليبها وتراثها، ولكن هذا التحديد مسألة نسبية يحددها من جانبه المستوى التاريخي ومعرفته ومغامراته الروحية وتطور قواه الاجتماعية وصراعاته . ومن هنا فهي لا تحكم إلى الأبد كل اللغات والأساليب الممكنة . إننا نحترم ما مضى، ونحترم الطاقة التي أظهرها هذا الفرد أو ذاك، ولكن لأن العالم أكثر غنى واتساعاً، فإننا لا نستطيع أن نكون وثنيين نقدس الأوثان، ولا حتى من أولئك الذين صنعوا آلهة من تمر في الصباح وأكلوها في المساء . هذه الحساسية هي التي نسميها حساسية جديدة .
إن أوهاماً كثيرة تولدها نزعات التقديس والارتخاء، فنجد جهوداً طريفة دائبة لصناعة أمثلة مكتملة شعرياً وروائياً ونقدياً وسياسياً، وفي كل شيء . وهكذا يتشكل نشيدٌ جماعي يتردد في احتفالات التقديس في كل مناسبة وبلا مناسبة حول هذا “المبدع” أو ذاك، ويطغى هذا النشيد إلى درجة تحوله إلى طنين لا معنى له ولا دلالة، اللهم معناه ودلالته على عمق التجويف الراهن .
بالطبع ليس ذنبنا أن مروجي الأوهام يشعرون باليأس والافتقار إلى أي امتلاء ممكن، فذلك شأن خاص جداً، كما هو شأن القبيلة البدائية التي لا تعرف “طبيباً” سوى هذا الكهل الرث صاحب القناع والتعاويذ .
ما الذي نتطلع إليه؟
إن آلاف البشر الذين ماتوا والذين يعيشون، بل ملايينهم التي تشكل مصائرها التاريخ، هم الذين لا ينشدون أبداً . وكانت لنا تجربة مع زميل ردّد عبارة أطلقها كإحدى البديهيات حين قال، إن فلاناً من الشعراء يجسد تجربة شعب أو أمّة . وصعق حين قلنا له إن ما يبدو بديهياً بالنسبة له قد لا يكون كذلك في نظر غيره .
لم يكن زميلنا يشك في هذا الوهم الشائع . وقلنا آنذاك، إن طموح الإنسان الأقصى أن يصل إلى لحظة يكون فيها نفسه تماماً بلا زيادة ولا نقصان، ورغم أن عدداً من الناس يعتقد أنه هو نفسه دائماً، فإن هذه القضية التي تبدو بسيطة وبديهية، معقدة إلى حد كبير، فما بالك بمن يريد أن يكون هذا الكل الهائل؟
أطروحتنا ببساطة هي أن لكل إنسان مستوى تحصيله الثقافي وجهازاً عضويا خاصا به، وطموحاً وأهدافاً خاصة به، ومهمة أو رسالة ينهض بها وفق ما يعتقده من مفاهيم حول الرسالة وأسلوب نهوضه بها . وهذا الكل المركب من استعدادات وطموحات وخيارات يتمظهر في قول أو فعل أو كتابة . وبالتالي، كيف يمكن تصور هذا التطابق بين “كلية” فرد و”كلية” أمّة؟ هذا إذا تجاوزنا التناقضات الطبقية والفكرية وتفاوت مستويات المنظور .
لنكن أكثر تواضعاً، فمثل هذا المسرح المعتم بحاجة إلى إضاءة، وقد ضجرنا من توجيه كل الأضواء، ما صغر منها وما كبر، إلى هذا المشاهد أو ذاك، أو إلى هذا الممثل أو ذاك . إن دراما كوننا الصغير لا يمكن أن يختصرها لا الأحياء ولا الموتى، بل باستطاعة هؤلاء أن يقولوا “كلمتهم” . ونشدد هنا على “ . .هم” لأنهم لا يمتلكون غيرها .
إن الذين يحاولون إدارة ذراعي الزاوية، والسماح لنا بأن نرى أكثر وأعمق وأوسع، ليسوا عابثين . فلا الزمن كما ينظر إليه السذج يكفي لتحديد مواصفات ثقافة ومثقفيها، ولا الكتب الشائعة . ولا يحدد هذه المواصفات التفاح الذي نتشارك في أكله والتلفاز الذي نشاهده . إن اختلافنا أعمق، لأننا حتى الآن لا نعرف كم هو عدد المعطيات التي تشكل عقلية إنسان . ولن نعرف بالطبع حتى لو استعنا بأحدث أجيال الحاسبات الالكترونية
دار الخليج

إضافة تعليق