لمة رمضان...بين التراجع والتواصل الاجتماعي

طقوس رمضانية تعبق بجو روحاني، مازالت ترتبط بأذهان كبار السن ومدونة في سجل ذكرياتهم التي لايعرفها النسيان، يروونها لأبنائهم وأحفادهم ممن لم يعاصروا تلك الأجواء الاحتفالية الرمضانية التي انحسرت

فضاقت دائرة اللقاءات العائلية واقتصرت على أفراد الأسرة الواحدة واختفت تلك اللمة التي تجمع أصول وفروع الأسرة الكبيرة مع انتشار مفردات الحياة العصرية وتقدم وسائل الاتصال ومحدودية الدخل وغلاء الأسعار. فبعد أن كان هذا الشهر محطة مميزة له خصوصية من جهة التواصل الاجتماعي أمسى كل فرد مشغولا بنفسه وبزحمة المسؤوليات متخذا ذلك مبررا لغيابه الاجتماعي.‏

فهل مازال شهر رمضان يؤثر إيجابا في علاقاتنا الاجتماعية؟‏

فقد بهجته‏
يرى- رامي وهو طالب جامعي أن الاهتمام بشهر رمضان لم يعد كالسابق يقول:يحدثنا والدي وجدي عن بريق هذا الشهر وبهجته وهذا مالم نعد نشعره أنا وأبناء جيلي ومايميزه عن بقية أشهر السنة أن مائدة الافطار تجمعنا وهذا يتعذر حدوثه في الأيام العادية نظرا لانصرافي إلى الدراسة والجامعة ولقاء الأصدقاء.‏

الانصراف إلى الفضائيات‏
بينما تتمنى سارة- أن تعود تلك التقاليد الحميمة التي تجمع كل أفراد الأسرة من أعمام وعمات وخالات وأخوال وتتابع بقولها : عندما كنا صغارا كانت مائدة الأفطار تجمعنا كل شهر رمضان بالتناوب كل يوم في بيت ولكن بعد أن كبرنا وتزوجنا انصرف كل واحد منا إلى حياته الخاصة وتعذر لقاؤنا لكثرة المسؤوليات بالإضافة إلى بعض الحساسيات والمواقف الشخصية والنزاعات العائلية واقتصرت الدعوات على أفراد الأسرة الصغيرة ودعوة أتلقاها من أهل زوجي كما أدعوهم رداً لدعوتهم وبقية الأيام تقضي السهرات في متابعة الفضائيات وماتبثه من مسلسلات وتحول تواصلنا من اجتماعي إلى تواصل مع الفضائيات.‏

بين الإسراف والتبذير‏
ورغم أن الولائم الرمضانية هي مناسبة للتواصل وترسيخ العلاقات الاجتماعية يجعل منها البعض مناسبة للإسراف والتبذير ، ولذلك بعض الأسر عزفت عن إقامة تلك الدعوات أو تلبيتها باعتبارها مكلفة ماديا، ولأن البعض جعلها ميدانا للتباهي بالكرم المبالغ به والاسراف في هدر الأطعمة في وقت يتصف بضيق الأحوال المادية وبتعذر رد الدعوة بمثلها من حيث البذخ واظهار القدرة المادية، هذا إضافة إلى ضياع الوقت والجهد خاصة بالنسبة للمرأة العاملة.

المائدة لاتحلو إلا باللمة‏
وبالمقابل حافظت بعض العائلات والبيوت على عادة التواصل وإقامة الولائم كنوع من التأكيد الثقافي على خصوصيتها في هذا الشهر الكريم، إن كان من الناحية الدينية أو الاجتماعية يقول السيد ماجد: مائدة رمضان لاتحلو إلا باللمة واجتماع الأخوة والأخوات والأقارب، وهذه اللقاءات تقرب بين أفراد الأسرة وتغسل النفوس من الخلافات والأحقاد المتراكمة وهذه الغاية جديرة بالاهتمام مهما كلف الأمر لذلك استعد ماديا لهذا الشهر وأدخر بعض الأموال، حتى لا أثقل ميزانيتي الشهرية وبذلك لاأفوت ممارسة هذه الطقوس وسط عائلتي وأقاربي فنستمتع بجو رمضاني حميم.‏ وتشاركه الرأي السيدة إيمان: ولكن برأيها أنه يمكن الاستمتاع بالجو الاحتفالي الخاص برمضان وبصحبة الأهل ولكن بحدود الامكانيات المتاحة.‏

اتجاه نحو الانغلاق‏
عن رأي علم الاجتماع بهذه الطقوس تقول الدكتورة إيمان حيدر: رمضان فرصة لاتفوت لاجتماع العائلة والتواصل الاجتماعي وهذه اللقاءات عامل مهم في ترابط الأهل بعضهم ببعض ومناسبة لتجديد العلاقات وإزالة الخلافات والتوترات بين أفرادها فيشيع الحب ويزداد تماسك المجتمع ولكن الذي حصل أن البعض جعل من هذا الشهر شهرا للطعام وليس للعبادة أو صلة الأرحام فانصرفوا عن التواصل أو زيارة الأقارب لأن كلاً منهم هناك مايشغله سواء بالعمل أو الدراسة وهذا الانشغال الدائم أدى إلى اقتصار التواصل بينهم على المكالمات الهاتفية، والزيارات القليلة في المناسبات.‏

 كما دخل نوع من الفردية في العلاقات والاتجاه نحو الانغلاق على الذات والتفكير بالمصلحة الشخصية كل ذلك أدى إلى غياب التواصل حتى بعين الأخوة أحيانا، بالإضافة إلى عامل التقارب الجغرافي فلما تباعدت المساكن بين الأهل والأقارب خفت اللقاءات.‏ كما أن هناك الكثير من العادات التي كانت تميز شهر رمضان قد اختفت فقد كان الأقارب والجيران يلتقون كل يوم للإفطار في أحد البيوت بالتناوب، أما في أيامنا هذه فقد أصبحت كل أسرة تفضل السهر لوحدها في المنزل أمام شاشة التلفاز أو في المقاهي والخيم الرمضانية.‏ وكذلك اختفت عادة قديمة جميلة كانت تنشط بهذا الشهر وهي عادة سكب الأطعمة وتبادلها بين الجيران في الحي الواحد كنوع من المشاركة، أما الآن فقد أصبح الجار لايعرف جاره بسبب الحياة المدنية والأبنية الكبيرة التي تضم سكانا من كل حدب وصوب يختلفون في الأطباع والعادات.‏

تعميق التواصل بشكل دائم‏
حتى عندما يكون هناك تواصل في بعض العائلات التي مازالت تحافظ على هذا الطقس لتحقيق صلة الرحم فإنها تقتصر على هذا الشهر وتشهد أيامه كثافة في الزيارات مثلما تشهد الشاشة التلفزيونية كثافة وزخما بعرض المسلسلات, بينما في بقية أشهر السنة تكون هناك شبه قطيعة لذلك ينبغي تعميق هذا التواصل الأسري بشكل دائم ومستمر لما له من أهمية في تقوية بنيان المجتمع وتماسكه كما ينبغي التوعية والتنبيه لمخاطر الاسراف والتبذير في الولائم ما يجعل البعض يعزف عنها بسبب أحواله المادية وهذا بحاجة لتوجيه وارشاد وغرس هذه المفاهيم والقيم في المناهج المدرسية، وهنا علينا ألا ننسى دور ربة الأسرة في ترشيد الاستهلاك وضبط النفقات وعدم المبالغة.‏

وأخيرا لنجعل من أيام هذا الشهر الكريم فرصة لنعمق قيم التواصل والتكافل، فالمهم هو الإنجاز الاجتماعي والعمل على إحداث تطور نحو الأفضل لبناء مجتمع متقدم متماسك.‏

نشر في: جريدة الثورة 

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.