مالك بن نبي بين أسئلة النهضة ومشكلات الحضارة (الجزء الأول)

سيرة ذاتية غير موضوعية للكاتب
يقول مالك بن نبي: ‹‹...وفي ظهيرة يوم الجمعة أخذت نصيبي من الرفيس وأخذت أقضمه بنهم ولذة، وفجأة سمعت بباب الدار سائلاً ينادي: "أعطوني من مال الله"، ولم أكن عندها أكلت من فطيرتي أكثر من النصف، ومع ذلك بادرت بإعطائها له عندما تذكرت واحدة من حكايات جدتي عن الإحسان وثوابه.››[1]
إن المتأمل لهذه الجمل، يخال نفسه أمام حكاية خرافية أو ملحمة أسطورية، لا تقبل التصديق، لأن أي طفل يستحيل أن يفكر في شخص غير نفسه، لكننا أمام حكاية حقيقة تروي سيرة مفكرٍ ومجاهدٍ وفيلسوفٍ وأديبٍ جزائري اكتوى بجمرة الفكر وبلهيب العلم، غيرته الإسلامية وشهامته العربية الأصيلة، دفعته إلى التعمق والتفكر في أسئلة علمية وجودية صنعت منه الفيلسوف والمفكر والنابغة.
لا يمكن لدارس فكر مالك بن نبي، أن يغض الطرف عن مولده وحياته وشخصيته التي كان لها الدور الكبير في بناء معالم فكره، لذلك يجب أن نمر على حياته مرور الكرام لا مرور البخلاء لأن الكرام إذا مروا استوقفوا، وبذلك نقف وقفة متأنية على نشأته وتكوينه.
مولده ونشأته وتكوينه:
ولد المفكر الإسلامي الجزائري (مالك بن عمر بن نبي) بمدينة قسنطينة عام 1905 م، في عائلة فقيرة، وقد تبناه عمه ليتربى عنده، وسرعان ما توفي عمه فأعادته زوج عمه إلى أبويه، اللذين ارتحلا به إلى مدينة تبسة سنة 1912م عند أخوال أمه، الذين يعملون بالتجارة وببعض الحرف العادية. وظل والده لفترة دون عمل، وفيها عرف مالك طعم الحرمان، الذي سرده في مذكراته شاهد القرن حين يقول:((... ففي العائلة الفقيرة لابد أن يجوع الصغار متى فقد الأب عمله، غير أن أمي كانت تحول دون ذلك بممارستها للخياطة، وبالتالي فهي التي كانت تمسك بكيس النقود الذي كان دائماً فارغاً...))[2].
وكان لحكايات جدته وقع كبير على شخصيته، بسردها الدائم لأهوال فظائع سقوط مدينة قسنطينة بيد الفرنسيين سنة 1837م، وكيف هرّب أهل قسنطينة زوجاتهم وبناتهم بالحبال من أعالي مرتفع سيدي مسيد، كي لا يتعرضن لوحشية جنود الاحتلال.
تلقى تعليمه الأولي في كتاب بلدة تبسة طيلة أربع سنوات، حفظ خلالها عدة أجزاء من القرآن الكريم، والتحق بالمدرسة الفرنسية أثناءها، لينقطع بعدها عن الكتاب، مع احتفاظه بالتردد على المسجد، وخاصة في أيام العطل والجمعة وأيام الصيف، حيث كان أهل تبسة يتوزعون إلى فئتين، فئة تذهب لتأدية صلاة المغرب والعشاء في مسجد سيدي ابن سعيد والجامع العتيق عند الشيخ سليمان بن طيار البيضاوي، وفئة تقصد المقاهي والحكايات[3].
ولما أتم المرحلة الابتدائية ونجح في نيل شهادة التعليم الابتدائية، التي كان لها وقع وتأثير كبير بَيّن على الأهالي، الذين لا يستطيعون إرسال أبنائهم لمزاولة دراستهم الثانوية[4]، انتقل إلى قسنطينة ليواصل دراسته في المرحلة التكميلية للحصول على رتبة كاتب عدل[5]، وكانت هذه المرحلة من أخصب مراحل حياته، حيث التقى فيها بالشخص عبد الحميد بن باديس، وأعلام النهضة الجزائرية العربية الإسلامية الحديثة أمثال الشيخ المولود بن الموهوب، والشيخ محمد بن العابد، اللذين اكتسب منهما العلم الشرعي، ونمَّى ثقافته الإسلامية، كما اكتسب من الشيخ عبد الحميد بن باديس الحماسة والشجاعة والإقدام[6].
وفي هذه الفترة قرأ الكثير من الكتب، ومن أهمها كتابان أثرا في تكوينه ونفسيته، هما كتاب (الإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق) لأحمد رضا، وكتاب (رسالة التوحيد) للشيخ محمد عبده، وارتبط بصداقة متميزة مع المرحوم (حمودة بن ساعي)، كما تعرف على بعض تلامذة الشيخ عبد الحميد بن باديس.[7]
كما اطلع على جريدة ( الإقدام) التي أكسبته قوة عظيمة فقال عنها: ‘‘... فالإقدام وضعت في فكري الحدود السياسية الدقيقة، فكانت تكشف عمليات استغلال الفلاح الجزائري، وقد بلغت درجة لا توصف في هذه الفترة..))[8].
وطيلة هاته السنوات كان يتردد على مدينة تبسة التي أثرت فيه بيئتها تأثيراً منقطع النظير وسم شخصيته وجعلته متمسكاً ومواكباً لمعانات الشعب الجزائري، وبعد نهاية السنة الرابعة من إتمام المرحلة الثانوية ما بين 1924- 1925م، سافر مع صديقه (قاواو) إلى فرنسا بحثاً عن العمل، فذهبا إلى مرسيليا وليون وباريس، ولكنهما أخفقا في إيجاد العمل المناسب فعادا أدراجهما[9].
ثم عاد إلى تبسة، فعمل كمساعد لباش عدل بالمحكمة، وشاهد أثناء عمله ما شاهده من المظالم الاستعمارية، ثم عين كاتبا في المحكمة بـ(آفلو) بالغرب الجزائري، فقال عنها:‘‘... كانت آفلو بالنسبة لي مدرسة تعلمت فيها أن أدرك فضائل الشعب الجزائري الذي لا يزال بكراً، وكانت هذه فضائله بالتأكيد في سائر أنحاء الجزائر قبل أن يفسدها الاستعمار...’’[10].
وكان مالك كثير الاطلاع والقراءة في الأدب العربي القديم، وفي كثير من كتب التفسير، إضافةً إلى اطلاعه على أدب المهجر والأدب الفرنسي، كل هذا صقل ذهنه المتوقد وفكره الناقد، فاتسع أفقه وحسه الأدبي، وأصبحت له نظرة منهجية في كل ما يدور حوله، واستطاع مالك بن نبي أن يرصد حركة الاستعمار وقسوته التي أحدثت تغييرات خطيرة في بنية المجتمع الجزائري، كل ذلك كان سبباً _ أيضاً _ في توجيه مسار فكره إلى البحث عن أسباب ضعف وتخلف العالم الإسلامي، ومن ناحية أخرى محاولة البحث عن ايجاد الحلول العلمية والعملية للخلاص من هذا التقهقر والضعف.
مالك بن نبي ومشكلات الحضارة:
إن المتمعّن والمحلّل والدّارس لكتابات المفكر الإسلامي/النهضوي مالك بن نبي – رحمه الله – يتبين بدقةٍ ووضوحٍ الهدف النهضوي الذي نذر حياته له، بخدمته للقضايا الإنسانية العادلة ابتداءً من القضية الجزائرية إلى القضايا القومية الإسلامية وانتهاءً بمعضلات العالم الثالث، فلقد أمضى مالك أكثر من ثلاثين عاماً متأمّلاً يحلّل ويضع شروط النهضة للمجتمع الإسلامي، رغم التعتيم والتهميش الذي مورس ضده حيّا وميّتا، إلا أن فكره بقي حيّا يُقرأ وأفكاره مازالت تنبض بالحيوية والفعالية، تتداولها أجيال ما بعد الاستقلال في الجزائر وفي العالم الإسلامي برمته.
لقد حمل مالك بن نبي هموم وتيه الحضارة الإنسانية، كما حمل هموم التخلف الحضاري لأمته الإسلامية القابعة في التراب، فكان يشخص الأمراض، ثم يقدم أسبابها وعللها، دارساً فاحصاً مجمل تفرعاتها ومظاهرها وأوجهها المختلفة في العوالم الثلاثة التي يعيشها العالم الإسلامي في الأفكار والأشخاص والأشياء محلّلا إياها بمنطق الطبيب الجرّاح، والخبير الاجتماعي، والحكيم النفساني، والداعية الديني.
وفي هذه الدراسة، سنعرج على أبرز القضايا الكبرى التي تطرق إليها مالك بن نبي في حياته الفكرية، والتي نطمح من خلالها إلى التعريف بفكر المجاهد والمفكر والفيلسوف، مركزين في ذلك على أهم القضايا الجوانية - بتعبير المجاهد علي عزت بيجوفيتش – التي اتسم بها فكر مالك بن نبي وهي كالآتي:
القضية الأولى: مشكلة الحضارة
يبرز مالك بن نبي في نظريته أن الإنسان اجتماعي بطبعه، ويسعى دوماً عبر أعماله لتحقيق فطرية الاجتماع الغريزية فيه، ونتيجةً لهذه الميزة الاجتماعية التي ترضي وتلبي حاجياته الفطرية فهو بحاجة دائمةٍ ماسةٍ إلى تحقيق آليات الانصهار الاجتماعي مع بني جنسه، الأمر الذي يدفعه إلى البحث عن وسائل للتفاهم والتواصل اللغوي والفكري والاجتماعي والثقافي...، وبهاته الآليات تتشكل نواة المجتمع.
ولا يقوم المجتمع، ولا يعرف الاستقرار إلاّ بالفاعلية الثقافية، ولا تتحقق الفاعلية الثقافية فيه، إلا بالممارسة والحقن الحضاري. وأيّ تقاعسٍ في عملية الزرع الثقافي الدؤوب في مسيرة وبنية وعمق المجتمع ستجعل من المجتمع مجتمعاّ متخلفاّ/بدائياّ تسوده الهمجية ويحيا بالتخلف والفوضى، ولذلك فقد عرّف المفكر مالك بن نبي الحضارة قائلاً((... إنني أؤمن بالحضارة على أنها حماية للإنسان، لأنها تضع حاجزاً بينه وبين الهمجية...))[11].
وأي غياب للفعل الحضاري/الفردي والاجتماعي سيؤدي بالضرورة الحتمية إلى عدمية الإنسان والإنسانية، وظهور موطن الخلل في عالم الأفكار والأشياء لأن:((... الحضارة هي التي تنقل الإنسان إلى شكل من أشكال الحياة الراقية...))[12].
فالحضارة سِلم وأمان للإنسان والإنسانية، وحماية لكافة حقوقه وحرياته وواجباته وحاجياته، وبها يجد الأمن لمستقبله وحياته، لكونها تستطيع أن تمنحه ضمانات حقيقية وواقعية لوجوده، لأن وظيفتها تكمن في تأمين الحماية للاستمرارية الثقافية والمدنية والحضارية للفرد والمجتمع، وقد ابتهل المجاهد مالك بن نبي إلى:((... أن يكون للمجتمع مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذلك من أطوار نموه. فالمدرسة والعمل والمستشفى ونظام شبكة المواصلات والأمن في جميع صوره عبر سائر تراب القطر، واحترام شخصية الفرد، تمثل جميعها أشكالاً مختلفةً للمساعدة التي يريد ويقدر المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه...))[13].
ومهما كانت طبيعة الضمانات التي يقدمها المجتمع للفرد، سواء أكانت صدقةً، أو زكاةً، أو كفالةً، أو إعانةً، أو تعليماً أو تكويناً، فهي أنماط من الضمانات التي تصون أفراد المجتمع لأن حضور الفعل الحضاري في المجتمع هو مقياس حقيقي للمجتمع المتحضر، الذي يتشكل ويتغير عبر الفعل الكرونولوجي للوصول إلى الرقي والازدهار. فالمجتمع التاريخي المتطور هو الذي يصنع الحضارة، وليست الحضارة سوى:((... محصلة تفاعل الجهد الإنساني مع سنن الآفاق والأنفس والهداية، من أجل الترقي المعرفي والروحي والسلوكي والعمراني في عالم الشهادة...))[14].
لأن الحضارة إنجاز خلال الزمن التاريخي، ويشمل هذا الإنجاز كل مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية ولذلك يؤكد مالك بن نبي على فكرة أن الحضارة تولد منتجاتها أو هي التي تصنع منتجاتها، وكل استيراد لمنتجاتها ومعالمها لا يعتبر إنجازاً حضارياً، لأن الحضارة:((... هي نتاج فكرة حية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر، الدفعة التي تجعله يدخل التاريخ، فيبني هذا المجتمع نظامه الفكري والثقافي طبقاً للنموذج المثالي الذي اختاره، وعلى هذا تتأصل جذوره في محيط ثقافي أصيل تتحكم بدوره في جميع خصائصه التي تميزه عن الثقافات الأخرى، والحضارات الأخرى...))[15].
وبذلك، يعرف الأستاذ مالك بن نبي الحضارة بالنظر إلى عناصر تركيبها الأساسية، وهي:‘‘ معادلة تركيبها الحدود التالية:{ إنسان + تراب + زمن = حضارة }[16].
فالحضارة تشيد من خلال ما يحمله الإنسان من عقيدة وفكر، فيستغل بها التراب الذي يكتنز مختلف ضرورات الحياة، كما يستغل عامل الوقت بتحويله إلى ساعات عمل وإنتاج. فمشكلة الحضارة والتخلف والجهل والتبعية لا نعالجها باستيراد منتجات حضارة قائمة، بل نعالجها بحل مشكلات الإنسان والتراب والوقت.
كما أن عناصر الحضارة لن تجدي نفعاً إذا لم يكن الجامع بينهما هو فكرة الوازع الديني، الذي يسيطر على روح الفرد وحياة الأمة، وبذلك يظل هذا العامل هو المتحكم في سيرها التاريخي، وهذا ما يؤكده مالك بقوله:((... فالحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية، والحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء، يكون للناس شرعةً ومنهاجاً... فكأنما قدر للإنسان ألا نشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية...))[17].
وإن الفكرة الدينية تبث في روح معتنقيها الأخلاق الرفيعة، ومن بلسم روحها تنتشر وتنبعث حياة المجتمع الفكرة المتطورة، فإذا فقدت الأخلاق تحررت الغريزة، وهنا تنتصر الهمجية وتتقوى، وبذلك تطلق العنان إلى سقوط الحضارة على إثر تحرر الغرائز، فإذا ما تحررت الغرائز في الأفراد وسيطرت عليهم توجهت عقولهم نحو الكم والأرقام، وفق الإنسان قيمته الروحية الحقيقية وصارت الحضارة في يده وسيلة استعمار، ووسيلة اضطهاد وظلم وفساد وضغط، كما يرى بن نبي أن الحضارة تبدأ ببزوغ فكرة دينية فيه، وتسمى هذه المرحلة بمرحلة الروح، وتكون الحضارة في طور الميلاد والنشأة، ثم تليها مرحلة انتشار وتوسع الحضارة، وتسمى مرحلة العقل، لتنتهي إلى مرحلة الغريزة وهي مرحلة الأفول والتلاشي[18].
ومن خلال هذا العرض السريع لمفهوم الحضارة عند مالك بن نبي نتبين أنه قد عرفها من خلال ثلاثة مستويات، فتعريفه لها من حيث تركيب عناصرها، يشير إلى النظرة النشوئية التكوينية، وتعريفه لها من حيث وظيفتها، يشير إلى النظرة الوظيفية، وتعريفه لها من الناحية التاريخية يشير إلى النظرة التاريخية التطورية البيانية[19].
تيمات الحضارة عند مالك بن نبي:
يرى الأستاذ مالك أن الحضارة لا تستقر في مكان واحد في الأرض، كما أنها لا تتمركز في رقعة جغرافية معينة، أو عند شعب معين، بل تسير وتتحرك من مكان لآخر، ومن شعب لآخر:((... لأن الحضارة تسير كما تسير الشمس، فكأنها تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب، ثم متحولة إلى أفق شعب آخر...))[20].
وتتقاسم حركية قيام الحضارات وسقوطها ثلاثة مستويات نظرية رئيسة كبرى، هي:
1- نظرية حركة التقدم الصاعد للحضارة.
2- نظرية حركة النكوص المتدهور.
3- نظرية التعاقب الدوري.
وتدخل رؤية مالك بن نبي ضمن سياق النظرية الثالثة، التي درست الحضارة كحركة تعاقب دوري سنني، وقد تميزت هذه النظرية بنوعية العلماء والباحثين الذين قدموا قراءاتهم فيها بعمق وموضوعية وإنصاف، وهم:
1- المؤرخ والباحث الموسوعي (عبد الرحمن بن خلدون ت 808 ه/ 1406 م)، الذي يرى أن خط سير الحضارة في أي أمة من الأمم يمر بالمراحل الأربعة الآتية: {مرحلة البداوة، ومرحلة الحضارة، ومرحلة الترف، ومرحلة التدهور}.
2- المؤرخ والباحث الموسوعي (اشبنجلرت 1936 م)، الذي يرى أن الحضارة كائن حي، يولد وينمو، ويكبر ويهرم، ويموت.
3- المؤرخ الموسوعي(أرنولد توينبي)، الذي يرى أن العامل الرئيسي في نمو الحضارة هو التحديات البيئية والجغرافية والبشرية المحيطة بالمجتمع.
4- المؤرخ والفيلسوف (هيغل)، الذي يرى أن قيام الحضارة متوقف على الصراع القائم بين
المتناقضات في نطاق المادة ووسائل الإنتاج[21].
وقد بسط مالك بن نبي كل هذه النظريات التي درست فلسفة قيام الحضارت، ثم عرض لنظريته التي لا تخضع لأسباب طبيعية جبرية، بقدر ما تخضع للإنسان نفسه. مشيراً على أن تطور الحياة الفكرية للمجتمع شبيه بتطور الحياة الفكرية للإنسان في جميع مراحل نموه، فهو كالطفل صغيراً، وكالشباب يافعاً، وكالكهل رجلاً، وكالعجوز شيخاً، وكالإنسان ميت فانياً، ونظريته في الحضارة تتأسس على الخطوات الآتية:
1- الطور الأموي: وهي مرحلة التعامل العشوائي مع عالم الأشياء المحيطة به، دون إدراكٍ لعالم الأشخاص عدا وشخص أمه.
2- الطور ما قبل الاجتماعي: وهي مرحلة التعامل مع عالم الأشخاص المحيطين به، دون إدراكٍ لعالم الأفكار.
3- الطور الاجتماعي: وهو الطور المدرسي وما بعد المدرسي، وفيه يحاول إقامة الصلة بين العوالم الثلاثة في داخله [أشياء، أشخاص، أفكار].
وهكذا تتكون الحضارة: بدءًا من الطور الطفولي البدائي، ثم الطور الاجتماعي بارتباط الأفكار بعالم الأشخاص، فالطور الراشد الواعي حيث يعطي المجتمع القيمة للفكرة المجردة عن عالم الأشخاص والأشياء. وهكذا تكون الحضارة بداوة، فتحضر، فشيخوخة، فانهيار[22].
المجتمع المتحضر في رؤية مالك بن نبي:
إن المرحلة الأولى من مراحل الحضارة هي المرحلة التي تسودها القيم الروحية، وميزة هذه المرحلة هو الالتزام بالمبدأ التعبدي الشخصي، أو التعبد الجمعي( العلاقات الاجتماعية ). فالمبدأ هو مركز الدوران الذي يحققه هدف نشاط الفرد والمجتمع، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أراد أن تكسر علاقة المبدأ في بعض جوانبها لفائدة علاقة العواطف:((والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ))[23].
وكذلك قوله تعالى لمن أرادوا أن تكسر علاقة المبدأ في بعض جوانبها لفائدة الحسابات الظرفية: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"[24].
وقد نبه الأستاذ مالك بن نبي إلى أن مرحلة الروح تطبع المجتمعين بطابعين مهمين هما:
1- خنوس الأنا الذاتية، وانسجامها مع المسار العام للمجتمع.
2- انسداد الفجوات الاجتماعية وغياب الفراغ الاجتماعي.
وفي هذه المرحلة تكون كل الملكات ( الغرائز، العقل ) تحت سيطرة الروح، فإذا ما أفلتت الروح، وظهرت بوادر الفتور، انتهت مرحلة التألق والإشعاع، لتبدأ مرحلة لها ميزاتها الخاصة وهي مرحلة العقل، حيث تكون جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة العقل، متجهة نحو المشكلة المادية. وتصبح مرحلة العقل مرادفة للحسابات الشخصية والأنانية والمصلحة، وتمزق الجوانب الاجتماعية من خيوط شبكة العلاقات كما حدث في معركة صفين32 ه[25].
ثم تحصل بعض التفككات الروحية في الفرد وفي روح الجماعة والمجتمع بانفصال الأساس المعرفي عن البعد الثقافي، وبانفصال الأساس الإيماني عن البعد السلوكي، وتبدأ مرحلة الغريزة المتحررة من وصاية الروح والعقل، ويسود المرض الاجتماعي، وتظهر آثاره في علاقات الأفراد وأخلاقهم، فيكون تضخم الأنا وانتفاخها، وتتحلل شبكة العلاقات الاجتماعية عندما يسترد استقلاله وسلطته في داخل الجسد الاجتماعي. وتميل الكفة في هذه المرحلة إلى التشيئية، ويسود قانون الكم والعدد.. ويسود المجتمع الانحطاط، وينتهي المجتمع، ويخرج عن الحضارة، ويعود الإنسان إلى مستوى الحياة البدائية، ولا يعود الإنسان والتراب والوقت عوامل حضارة، بل تصبح عناصر خاملة لا صلة بينها.
وهذه الظاهرة الحضارية لا تمس الأمة الإسلامية فحسب، بل تتعداها لكل الأمم والشعوب الأخرى لأن((... التجارب التاريخية العامة تؤكد أطوار الحضارات هذه، ولا تكاد حضارة ما تشذ عن هذه القاعدة...))[26].
وانطلاقاً من نظرية الأطوار العمرية للإنسان عند مالك بن نبي فإن المجتمع المتحضر هو المجتمع الذي بلغ عمر الفكرة، وتتمثل هذه الفكرة في جملة عوامل معنوية ومادية تتيح لهذا المجتمع أن يوفر لكل فرد من أفراده جميع الضمانات والضوابط الاجتماعية اللازمة لمواصلة عملية التحضر. لأن الحضارة هي: القدرة على القيام بوظيفة أو بمهمة معينة تخدم تقدم ونمو المجتمع. ووضع الأستاذ مالك بن نبي شروطاً لتحضير المجتمع، وهي:
1- انتصار عالم الأفكار السليمة على الأفكار الميتة والمشوشة.
2- وضوح وأصالة المنهج المتبع في تنمية الفرد والجماعة.
3- انعدام فاعلية عقدة القابلية للاستعمار.
4- تفاعل مجموع الأشخاص مع ضروب التراب ومجموع الأزمنة في تفاعل معاجلة الناتج الحضاري [إنسان+ تراب + زمن = حضارة].
وحتى يحقق المجتمع رقيه الحضاري لابد من حل إشكالات الحضارة الثلاث والسيطرة عليها، وهي:[مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب، ومشكلة الوقت].
ولحل مشكلة الإنسان يجب توجيه وضبط العوامل الثلاثة المنوطة بنجاحه، وهي:
ü مشكلة الإنسان:
1- توجيه الفكر والثقافة للإنسان المتحضر، وذلك بتشبيعه وريه بأبعادها الأربعة [الدين والخلق، والتذوق الجمالي، والعلم، والتمكن الصناعي والتكنولوجي].
2- توجيه قيم العمل الجماعي في الإنسان لصناعة الإنسان الكائن المتحضر.
3- توجيه ووضوح سياسة المال لخدمة الكائن المتحضر.
ولتبيين الفرق بين العلم الحقيقي القادر على نقل الإنسان لدائرة التحضر يبين الاستاذ مالك أن الإسلام وفر المناخ والنفسي والروحي والاجتماعي المناسب لنمو العلم وازدهاره.
فالقرآن الكريم لم يحمل أسرار صناعة الذرة أو غزو الفضاء، ولكنه بث آياته روح وحركية العلم، على العكس من التوراة التي ابتدأت في سفر التكوين على توضيح الظاهرات المادية، والإنجيل الذي استفتح على عملية تجسيد الأقانيم الثلاثة، فإن القرآن الكريم بدأ بالعلم والحث عليه، وبذكر أدواته ومناخه الملائم[27].
ü مشكلة التراب: وهنا يبدو أثر وفاعلية الإنسان ككائن يسعى للتحضر لتحريك التراب الجامد وتحويله إلى منجزات حضارية.
ü مشكلة الوقت: وهنا يتجه الإنسان لتبيين تأثيره في الاستفادة من الوقت. وهكذا يصبح حل مشكلات الحضارة يعني دخول المجتمع في مرحلة التحضر[28].

إضافة تعليق