ما الذي تفعله الرواية ؟

إن انتشار الرواية اليوم وهيمنتها على بقية الأجناس الأدبية من ناحية المقرؤوية ظاهرة لم تعد محل تجاذب أو اختلاف. فهي الجنس الأدبي المرحب به عند الناشرين والمترجمين والقراء. ولكن لماذا تسيد هذا الجنس الأدبي في وقت وجيز المشهد الأدبي؟ وما الذي جعل منه مركزا بعد أن كان جنسا طفيليا نعته المنظرون والنقاد القدامى بأبشع الأوصاف وأسقط عنه بعض الغلاة حتى صفة الأدبية؟ هل نحتاج لهذا الجنس الأدبي إلى هذه الدرجة؟ ما الذي يفعله هذا الروائي ليجعله في هذه المكانة ويحرج تاريخ الشاعر؟ ماهي العلاقات التي ربطها الروائي بالسلطة مقارنة بالشعر جعلته قبلة القراء اليوم؟ كيف تمكن الروائي من انتزاع مكانة داخل هذا الزحام من المسؤوليات المعقدة التي يعيشها الانسان اليوم وأخرج هذا الجنس الأدبي الأدب من عزلته وصورته الكلاسيكية بصفته ترفا إلى مستوى الضرورة؟

الرواية أوالتاريخ المغيب

إذا كان الانسان كائنا تاريخيا كما تعرفه بعض الفلسفات فإن هذا الانسان في حاجة إلى قراءه تاريخه، غير أن التاريخ الرسمي المكتوب من المؤرخ هو تاريخ مزور لأنه محكوم بانتماء المؤرخ لماكينة النظام الذي عاش فيه أولا وثانيا لأن التاريخ يكتبه الغالب ومن ثم فهو عاجز عن رصد التحولات الحقيقية للمجتمعات وهو عاجز عن نقل هواجس تلك الشعوب في تلك الفترة بدقة لانشغاله عن الواقع بالوقائع الكبرى. وهذا ما دفع الروائي عبد الرحمان منيف إلى القول إن”الأجيال العربية القادمة ستحتاج قراءة الرواية لتتعرف على تاريخها”.48142_50-300x214

إن الخطاب التاريخي خطاب موسوم بقول الحقيقة الذي يستوجب الدقة ويضفي على صاحبها صفة الكائن الانضباطي، أما الرواية فهي خطاب النسبية وتنتمي لحقل التخييل متحررة من خطورة قول الحقائق في تعددها، فليست مع الرواية شيء اسمه حقيقة مفردة. وهذا ما يفسر ما يتعرض له هذه الجنس الأدبي من ملاحقة من الأنظمة بالمصادرة أو بقمع كتابه. إنه جنس المغامرة والمجازفة التي تؤدي بمرتكبيه إلى السجون أو إلى حبل المشنقة أو اهدار الدم. إذ الرواية، بهذا المعنى، جنس أدبي جاء ليقوض سكون السلطة ويحرج أمنها. بالحديث عن المشاكل الحقيقية للناس في تلك الحقبة.

فالرواية العربية اليوم ،مثلا، تعطي صوتا للذين يعيشون خارج التاريخ الرسمي، الممنوعين من الكلام كاللاجئين والمهاجرين غير القانونيين، والمخطوفين والمساجين السياسيين والأقليات العرقية المقموعة والفقراء والخدم والثائرين، بل تذهب الرواية المعاصرة بعيدا لتعطي صوتا للخارجين عن القانون كالمتمردين أو المنحرفين أو حتى المخبولين والمرضى النفسانيين ليتحدثوا عن تجاربهم بعيدا عن مخافر التحقيق أو مكاتب الطب النفسي.

إن التاريخ الحقيقي كما يراه منيف هو تاريخ الشعوب ،” تاريخ الناس وليس تاريخ الحكام والروائي” يراقب ويرصد ويجمع ثم يسجل […] حتى شبهه بميزان الحرارة، الذي يستطيع “أن يقرأ المجتمع في حالته الحقيقية ويقدر الاحتمالات أكثر مما يستطيع السياسي الذي يقرأ المجتمع من خلال الرغبات والشعارات”.

هنا تخلق الرواية تاريخا مضادا فكل رواية منشغلة بأسئلة راهنها هي رواية تكتب التاريخ، ذلك “التاريخ المغيب” من التاريخ الرسمي؛ تاريخ الحكام. و لعل هذا ما يشرع لعبارة كونديرا”لا شي يستنثى، بعد اليوم، من الرواية” فهي جماع الخطابات؛خطاب واصف ومحرض ومنذر ومحذر.

الرواية والخطاب التحذيري

ظل الروائي عبر تاريخه جرسا منذرا بالمخاطر، إن كانت تلك المخاطر سياسية كما كان مع الانجليزي جورج اورويل في روايته 1984 والذي نبه لخطر الأنظمة الشمولية أو تلك الروايات المنذرة بخطر التطرف الديني أو الكوارث البيئية حتى الروايات الاستباقية وروايات الخيال العلمي والتي تروي قصص مسقبل الانسان في الكون وتلك الروايات التي تتوقع الثورات في مجتمعات تبدو مستقرة كرواية بول استر” رجل في الظلام” الذي توقع انتفاضة الشعب الأمريكي يوما ما رفضا لنتائج الانتخابات الرئاسية التي لم تعد خاضعة للفكرة الديمقراطية بقدر خضوعها للوبي المال والأعمال.84337

كل تلك الرؤى بدأت تخلق نظيراتها العربية فأصبحنا نتحدث عن الروايات التوقعية والاستباقية التي تنبأت بالانتفاضات الشعبية أو بمستقبل نهاية النفط وظهور الطاقات البديلة. إن الغاية من هذه الروايات ليس التبشير بنهاية النفط لأن تلك حقيقة علمية ولكن غايتها تحذير الشعوب التي تعيش من الريع النفطي بضرورة التفكير في مستقبلها بعد النفط. ويشمل التحذير العلاقات الاستراتيجية لتلك الشعوب وانظمتها مع الشعوب الأخرى وأنظمتها.

إن الرواية، في هذا المستوى، تصبح أداة مهمة لنشر الوعي السياسي والبيئي والاستراتيجي، وهي بذلك شريك لبعض الفنون الأخرى المؤثرة في الشعوب كالسينما.

غير أن المتأمل في المشهد العربي، مثلا، لا يفوته أن هذا العالم ليس له بديل غير الرواية والوعي الذي تقدمه الرواية لأن السينما لم تتحول بعد إلى صناعة عربية مؤثرة، بل ظلت نزيلة تجربة مصرية تتراجع يوميا بينما ظلت سينما الأطراف؛ المغرب العربي مثلا، سينما مهرجانات لا تستقطب جماهيرا كفيلة بتحريك كبير للوعي، زيادة على فقرها بسبب ارتهانها لنظام الدعم الحكومي وهو ما يجعلها بالضرورة رهينة الرقابة.

الرواية أو الخيال التعويضي

تمكن الرواية الشعوب المحبطة، بسبب نسب الفقر وانسداد الآفاق والقمع السياسي والكبت الاجتماعي، من تعويض نفسي، فهي النصوص التي تعطيه أملا في المستقبل وامكانية التغيير وتنقل له تجارب الآخرين والذين قد تكون حيواتهم أكثر بؤسا من حياته ومن ثمة فإن الرواية تلعب دور المهدأ؛ الأفيون الذي تحتاجه الشعوب حتى لا تصاب بالجنون.

إن الرواية كما يصفها الروائي البريطاني كولون ولسن ” واحدة من أكبر التعويضات الممتعة التي استطاع الانسان أن يبتكرها“.

يذهب الروائي إلى لم شتات الشعوب بالوصول إلى عوالم المنفيين والمهاجرين ليقدم عوالمهم وحيواتهم فيعيدهم من جديد إلى الخارطة التي طردوا منها وهجروا منها. والرواية لا سقف مكاني يعرقل تحركها لذلك فهي بطابعها الاختراقي قادرة على تحريك السواكن والمياه الرادكة وتأجيج الوعي أينما كان.wilson-obit-web-blog427

هكذا تشيد الرواية هذا العالم الحر، عالما بديلا صنعه الروائيون احتجاجا عن الواقع والراهن الذي صنعه الحكام، ولا يقتصر ذلك على روايات اليوتيوبا فقط بل تلك الروايات التي تشعل فتيل الأفكار والأسئلة في مجتمعات راكدة.

انتزعت الرواية العربية ، مثلا، دورا كبيرا في التعريف بقضايا الشعوب زمن الاستعمار  كأعمال الكتاب الفرنكفونيين بالقضية الجزائرية وأعمال غسان كنفاني وغيره بالقضية الفلسطينية وهو ما قامت به الرواية الافريقية في مواجهة المستعمر  الأوروبي فيما يعرف بعبارة ” الرد بالكتابة” ، كما ساهمت الرواية العربية في فضح ذهنية الجماعات المتطرفة في الحزائر وافغانستان والسعودية واليمن و ساهم الروائيون العرب في التصدي ولو بالتخييل للانظمة الاستبدادية فنوعوا من اشكال الرواية وأنواعها للتحايل على أنظمة الرقابة حتى تصل الى القرّاء . كل ذلك جعل من الروائي المعارض الأول للانظمة الحاكمة قبل الأحزاب المعارضة.

المنتوج العربي الوحيد في السوق العربية المشتركة

15592292_10154875550739874_327022869_nفي ظل الفشل الكبير للانظمة العربية في بعث سوق عربية مشتركة بعد اليأس من الوحدة السياسية ظلت الرواية العربية كواحدة من المشترك الثقافي تصنع جمهوريتها الكبرى أو “جمهورية الخيال “. فالقارئ العربي الذي أصبح يقرأ للسوداني كما للسعودي والمصري والتونسي والايريتري والجزائري والعماني، يتعرف يوما بعد يوم على الشريك العربي وقد ساعد انفتاح دور النشر العربية على المشهد الابداعي العربي بعض الشعوب العربية التي لم تعرف فن الرواية الى المغامرة فيه باعتبار هذا الفن هو الأسلوب الأمثل للتعبير عن همومها حتى يسمعها العالم.

لقد عمقت الرواية العربية عبر تاريخها حاجتنا إلى التثاقف الداخلي الداخلي فأصبحت القضايا المحلية في قطرعربي معين قضايا رأي عام عربي كمحاكمة الكتاب أو الاعتداء أو السجن. وهكذا أصبح المواطن العربي المستهلك للرواية أكثر دراية بالشعوب العربية الأخرى.

إن الرواية تبدو الوسيلة الأخيرة التي في يد الشعوب الفقيرة اليوم لتعبر عن نفسها وترتقي بها في مسيرة توقها نحو التطور الاجتماعي وتحسين وضعها الاقتصادي واستحقاقاتها من قيم الحرية والعدالة والمساواة وغيرها من القيم الانسانية التي تأتي الرواية لتدافع عنها وتطالب بها بشتى الأساليب السردية.

وهذا ما يرتفع بهذا الفن، الذي ولد مع نشأة البرجوازية لكي يضطلع بمهام إنسانية تقطع مع أصل مولده، وليتحول من فن الترف إلى الفن الضرورة باعتباره السلاح الموزع بعدالة بين الأمم، التي تمكنت أن عبره شعوب العالم من كتابة سردياتها وسرد ذاتها بكل حرية. وهذا ما دفع  بروائي مثل الأمريكي بول استر للقول” إننا بحاجة للقصص كحاجتنا للماء والهواء” . على اعتبار أن الرواية، خلافا للفلسفة التي تأتي متأخرة كبومة “مينيرفا” لتفهم الواقع ، جاءت لتغير الواقع.

 

إضافة تعليق

2 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.