ما العولمة ؟! سلسلة حوارات لقرن جديد

كثر الحديث عن العولمة شرحا وفهما وتأويلا وغزلا بفتوحاتها ورجما بنتائجها وتخديرا منها ، وشغل هذا الموضع شعوب العالم ومفكريه واختصاصيه وعامة المثقفين، واختلفت وجهات النظر حول جوهره وتباينت الآراء وأصبحوا المهتمين في هذا المجال من المثقفين والباحثين في موقعين متضادين بالرغم من اتفاقهم بأن العولمة بلا شك ظاهرة عالمية جديدة لا ترتبط بالسياسة والاقتصاد فقط وانما تشمل جميع الميادين الثقافية والعلم والانتاج.

فمنهم من يراها ضرورية لنمو الاقتصاد وتحقيق الرفاهية خصوصا في البلدان العربية وبلدان العالم الثالث ويرى فيها الأداة الرئيسية لضمان تطور الانسانية باتجاه الديمقراطية وبناء شروطه المادية والسياسية لصيانة وضمان قوق الانسان، وعلى صعيد آخر يرون هؤلاء العولمة على انها ضرورية لنشر نتائج الثورة العلمية والتقنية في عصرنا الراهن كثورة الاتصالات والمعلومات التي تسهل عملية التفاعلات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية بين الشعوب.

اما في الضد تظهر العولمة سيطرة أمريكا والغرب على العالم في احتكار الموارد لصالح الرأسمال العالمي ورغبة الشركات المتعددة الجنسية في السيطرة على كل موارد العالم سعيا في ترسيخ مصالح المركز الذي هو الغرب الآن على حساب الاطراف.

ولا اعتقد يوجد من يظن بأن دعاة هذين الاتجاهين يمكن أن يلتقوا فمن المستحيل القضاء على الحملة المناهضة للعولمة طالما هناك اختلافات جوهرية بخصوص ماهية الامور التي تسعد الانسان وتزيد من رفاهيته وهذا هو جوهر التناقض والصارع الفلسفي بين الأفكار.

ولا نغفل أيضا ما شهده القرن المنصرم من فيض للدراسات التي طالت العولمة، ومن شأن أية بيبلوغرافيا عربية أن تبين لنا هذا الفائض الذي ترجمته الدوريات والمجلات والصحف والكتب والندوات بحثا وتحليلا للظاهرة.

وفي هذا السياق وفي اطار الدعوة الى حوارات من اجل قرن قادم وجديد أصدرت دار الفكر كتاب ضمن هذه السلسة عن العولمة شارك فيه الدكتور حسن حنفي كواحد من أبرز المدافعين عن الخصوصية الثقافية في مواجهة قوى العولمة، والدكتور صادق جلال العظم هذا الماركسي العتيد الذي يرفض أن يغادر حقل الماركسية الأرثوذكسية، لمعالجة هذا الموضوع الشائك حسب رؤية ومنهج كل منهما.

التلخيص:

يقدم الدكتور حسن حنفي مفهومه للعولمة في جواب على سؤاله لماذا لا تكون هناك عولمة من وجهة النظر الاسلامية فالعولمة مفهوم ذاع في العقد الاخير للترويج لظاهرة اقتصاد السوق الحر بعد انهيار النظم الاشتراكية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي ليشرع للعالم ذي القطب الواحد وقد توافق مفاهيم أخرى للغرض نفسه. ونظرا لتعدد الآراء والمدارس الفكرية الاسلامية فمن الصعب معرفة وجهة النظر الاسلامية فلا توجد وجهة نظر واحدة بل تعددت وجهات النظر وتعارضت أيضا فالأصوب حسب حنفي اذن القول بوجود وجهة نظر عربية مستعينا باسم المنهج الظاهرياتي(الفينومينولوجي) في الفلسفة المعاصرة وهو موجود في كل حضارة ويقوم على التنظير المباشر للواقع وتحليل التجارب الحية للاستقلال والتبعية للأطراف والمركز.

ويرى حنفي أن العولمة ليست ظاهرة جدية كما أنها ليست ظاهرة اقتصادية او سياسية أو تقنية او معلوماتية فحسب بل هي أساسا ظاهرة تاريخية مستمرة تعبر عن رغبة الشمال في السيطرة على الجنوب والغرب في السيطرة على الشرق. ويجيب عن تساؤله لصالح من كانت العولمة بأنها لصالح المركز على حساب الاطراف ولصالح الغرب على الشرق، ويقول ان ركائز العولمة تقوم على ان العالم قرية واحدة بسبب ثورة الاتصالات وان المصالح أصبحت متشابكة والتوازن في المصطلح بعد التوازن في القوى وان التقدم العلمي هو الفاصل بين المجتمعات والقدرة على المنافسة والمثل الليبرالية ما هي الا مثل براقة اقرب الى أساطير الاوليين كل كلمة منها يراد بها الباطل.

يقول الدكتور حنفي تحت عنوان الأبعاد الاقتصادية والسياسية والتقنية للعولمة : ان العولمة في مظهرها الاساسي تكتل اقتصادي للقوى العظمى للاستثمار بثروات العالم ومواده الاولية واسواقه على حساب الشعوب الفقيرة واحتواء المركز للأطراف التي حاولت الفكاك منه،كما ان التقدم التقني يظل سرا عند مبدعيه في المركز ولا يقل أهمية عن احتكار السوق والمعلومات وقدرتها أنما هي مرتبطة بمقدار ما يغذيها الانسان فالمخرجات (output) مشروطة بالمدخلات(Input) بالاضافة الى ان العولمة لها ثقافتها وهي ثقافة غير مكتوبة قيمها مبثوثة عبر الاقمار الصناعية والقنوات الفضائية بل وعبر أساليب الحياة اليومية هي من حيث المضمون ثقافة الكسب والايقاع الايقاع السريع والتسلية الوقتية واثارة الغرائز هي بأقل وصف ثقافة (الجريء والجميلة).

ويبين الدكتور حنفي ان العولمة ليست قدرا محتوما لا يمكن الفكاك منه ولا قانونا تاريخيا تخضع له كل الشعوب ،فالتاريخ ليس مجرد قانون موضوعي ويقول لمواجهة العولمة يمكن العثور على نقيضها في:
1.
الارادة الوطنية المستقلة للشعوب والتمسك بنتائج الاستقلال السياسي.
2.
التجمعات الاقليمية القادرة على الوقوف امام الدول الصناعية للخروج من دائرة الدولار حماية لأسواق المال من تلاعب القوى الكبرى .
3.
تكوين قطب ثاني في مواجهة القطب الاوحد حتى ينشأ تطور متكافئ وتبرز منافسة بين أقطاب متعددة.

ويشير الى ان دور الثقافة العربية في معركة العولمة لا يقتصر على شرح مفاهيم وتصورات واحدة اليها من المركز انما يتركز في ابداع مفاهيم جديدة تدفع المركز الى التهميش كونها الرصيد الاول للمقاومة العربية ولبقاء العرب في التاريخ.

ويرى حنفي ان لكل ثقافة مسارها وأنه لا يوجد مسار واحد لجميع الثقافات فالثقافة تعبير عن مرحلة تاريخية بعينها وتتشكل في اطار الوعي التاريخي لأمة ومن خلاله. وفي خضم سيطرة المركز الاوروبي في عصوره الحديثة وترويجه لثقافته خارج حدوده الى باقي الثقافات أصبح مساره على باقي الثقافات مما يؤدي الى خضوع الأطراف لسلطة المرز وتأثيره، كما يكشف عن الخصوصية والعالمية، المحلي والكوني في ثنائية الأنا والآخر والعلاقة بين الطرفين ليست مجرد موضوع لبحث علمي انما هي علاقة صراعية وهي مؤشر على وجود أزمة وجودية تاريخية.

يؤكد الدكتور حنفي أن العولمة هي أحد أشكال الهيمنة الغربية والجديدة التي تعبر عن المركزية الأوروبية في العصر الحديث وهي تعبير عن مركزية دفينة في الوعي الاوروبي وتقوم على عنصرية عرقية وعلى الرغبة في الهيمنة والسيطرة فالغرب أفرز أشكالا جديدة للهيمنة عن طريق خلق مفاهيم وزعها خارج حدوده مثل العولمة، العالم ذي القطب الواحد، نهاية التاريخ، صراع حضاري والتي تقوي المركز وبالمقابل هو ينحت مفاهيم أخرى مثل ما بعد الحداثة ونهاية عصر الحداثة والتصدير خارج المركز للأطراف، والغرب الذي أوجد هذه المفاهيم العقلانية يريد هدمها بما في الغرب من قوة على التجاوز يحاول منع الحضارات الاخرى من الوصول اليها والاستفادة منها وما صراع الحضارات الا بهدف تحويل العالم الى دوائر حضارية متجاورة ومتصارعة على مستوى الثقافات لاخفاء الصراع حول المصالح في الثروات والهاء الشعوب الهامشية بثقافات تقليدية.

وفي سياق آخر يوضح الدكتور حنفي مخاطر العولمة على الهوية الثقافية التي هي مقدمة لمخاطر أعظم على الدولة والاستقلال والثقافة الوطنية، فهي تعني مزيدا من تبعية الاطراف للمركز وتجميع لقوى المركز وتفتيت لقوى الأطراف، فالمركز هو الذي يحدد قيم الاستهلاك والمتعة بالحياة والامم لا تنظر الى مشاريع قومية وخطط استراتيجية وبالتالي تصبح ثقافته هي نموذج الثقافات الامر الذي يؤدي الى انحسار الهويات الثقافية الخاصة، ويؤكد انه لا يتأتى الدفاع عن الهوية الثقافية ضد مخاطر العولمة عن طريق الانغلاق على الذات ورفض الآخر وانما من خلال :
1.
اعادة الموروث القديم الذي هو الرافد الرئيسي في الثقافة الوطنية.
2.
كسر حدة الانبهار بالغرب ومقاومة قوة جذبه وذلك برده الى حدوده الطبيعية والقضاء على أسطورة الثقافة العالمية.
3.
التخفيف من غلواء العولمة عن طريق قدرة الانا على الابادع بالتفاعل مع ماضيها وحاضرها بين ثقافتها وثقافات العصر.

أما الدكتور صادق جلال العظم فيقدم العولمة على أنها ظاهرة ما زالت قيد التشكل والتكوين والصنع وهذا يعني أنها لا زالت قيد الوصف والرصد والدرس والتحليل والتفسير وهي موضع سجال ونقاش وجدال وفرضيات واقتراحات لا أكثر.ويعترف العظم بأن مدخله لمسألة العولمة كان مدخلا ثقافيا بحتا حيث انتهى عقد السبعينات ثقافيا وبدأ عقد الثمانينات فكريا بالجدال الحاد الذي أطلقه كتاب الاستشراق لادوارد سعيد وانفجار جدال دولي سياسي أدبي ثقافي ايدولوجي بظهور رواية الآيات الشيطانية لسليمان رشدي.

ويسأل هنا أنحن امام ظاهرة استثنائية وفذة أخرى في عالم الكتب والثقافة والادي؟ أم أننا أمام بداية نمط يتكرر مع اقتراب نهاية القرن العشرين ؟ ويتبين له ان العالمية والكلية الشمولية التي اتصفت بها مناقشات كتاب أدوارد سعيد بداية لميل تاريخي عام وجد تعبيره الأكثر احاطة وقوة وكونية في حادثة (الآيات الشيطانية) وتأكد له سلامة هذا الاستنتاج بعد نشر مقال فرانسيس فوكوياما (نهاية التاريخ) ومقال صموئيل هانتغتون (صدام الحضارات) ورصد ردود الفعل العالمية والدولية التي أثارها المقالين، ويرى الدكتور العظم أن ظاهرة العولمة هي السبب فيما أثارته هذه المؤلفات من ردود فعل نقاشية وسجالية ودولية.

ويشير الدكتور العظم في دراسته هذه انه على الصعيد العربي يتدفق خطاب عن العولمة تسيطر عليه عبارات وأوصاف ومصطلحات مثل ثورة المعلومات الكونية، ثورة الاتصالات والمواصلات الفائقة السرعة، الشركات متعددة الجنسية...، كما ترد لدى محمد عابد الجابري عن العولمة في مقالاته عبارة (مجال المال والتسويق والمبادلات والاتصال..).

يسعى العظم لطرح أفكار عديدة منها اختزال ظاهرة العولمة الى أشياء مثل تكنولوجيا الاتصالات وقوانين السوق تنطوي على ميكانيكية فجة واقتصادية في محاولته لتقديم ملخص لأطروحته التي تقول بأن العولمة هي وصول الرأسمالية التاريخية عند منتصف القرن العشرين الى نقطة الانطلاق من عالمية رائدة التبادل والتجارة والسوق والاستخراج الى عالمية رائدة الانتاج ذاتها كما أن الخاصية التي تميز الرأسمال العولمي تكمن في توجهه الى الاستثمار والتوظيف في عمليات الانتاج المباشر في الاطراف.

ويتعرض الدكتور العظم في دراسته لكراس لينيين (الامبريالية أعلى مراحل الاستعمار) ويخلص الى وجوب اعادة النظر في نظرية التبعية لنتمكن من التعامل مع النقلة الجديدة في حياة الرأسمالية.
يقدم الدكتور العظم وبشكل نهائي تعريفا أوليا لما تعنيه العولمة حيث يقول "انها حقبة التحول الرأسمالي العميق للانسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها وفي ظل سيادة النظام العالمي للتبادل غير المتكافئ، والعولمة في المركز تعني الانتقال الى الاستثمار المباشر الاجنبي في مجتمعات الأطراف ودولها واقتصاداتها والاتجار في كل شيء بشروط تفضيلية للطرف الأقوى ".

ويشدد الدكتور العظم على مراجعة عوامل الانتاج التي حددها الاقتصاد السياسي الكلاسيكي بالأرض والرأسمال والعمل ويقترح اضافة عاملين جديدين: الطاقة ومردودها هو العائدات، والبحث العلمي ومردوده هو ريع الابتكار.

يطرح الدكتور العظم ماذا تعني العولمة في الأطراف وبالنسبة للأطراف ويصل الى اجابته التي مفادها:
1.
تميل العولمة الى تصفية أشكال الانتاج غير الرأسمالية وتصفية شروطها لصالح سيادة الشكل الراسمالي وشروطه وحدها.
2.
الميل الى التعاظم المتسارع لحجم الكتل البشرية الطرفية التي تعمل وتنتج وتستهلك في ظل شروط رأسمالية كلاسيكية أو شبه كلاسيكية.
3.
الميل الى تحويل كل المنتجين المباشرين في التشكيلات الطرفية الى العمل المأجور
4.
الميل الى تعاظم البطالة بجميع أشكالها وأنواعها.
5.
الميل الى تعميق التخلع الاقتصادي في البلدان الطرفية وتحويله في الواقع الى فضيلة.
6.
الميل الى اكتساب المعلومات والمعارف والاتصالات والمعلوماتية والبحث العلمي وما اليه دورا اكثر حيوية.
7.
ميل الاطراف لاستقبال الصناعات الأكثر تلوثا والتي تتطلب كثافة عالية في اليد العاملة.

يشير الدكتور العظم الى مسألة العولمة والدولة ويطرح فكرة تراجع أهمية الدولة وعجزها المتزايد في مواجهة الشركات متعددة الجنسية وتحولها الى مؤسسة مفوتة آيلة الى الزوال.تتكرر هذه الفكرة في الدوريات والمجلات والصحف وأجهزة الاعلام والثقافة العربية وعند معظم المفكرين والخبراء العرب ويستعرض العديد من النماذج على هذه الفكرة .ويعبر العظم عن القناعة التي وصل اليها (بأن لا شيء من المعطيات الحالية والوقائع الراهنة والدراسات الجارية يمكن أن يبرر أو يسوغ اصطناع مثل هذا التناقض المسطح وغير الجدلي أبدا بين العولمة وصيرورتها من جهة وبين الدولة واستمراريتها من جهة أخرى، ويعتقد أن أي كلام عن ذوبان الحدود السياسية بين الدول الاقليمية وحلول الشركات المتعددة الجنسية محل الحكومات هو كلام سابق لأوانه وكلام منخدع يسطح الظاهرة ومظاهرها الخارجية ويرد على قول الجابري بأنه ليس صحيحا أن العولمة هي عالم بلا دولة.

يذكر الدكتور العظم أن حال العولمة وصيرورتها الراهنة تفرض علينا التفكير جديا في مسائل لا تتوافر الاجابات الحاسمة عنها مثلا: هل سيؤدي أخذ العولمة مجراها الطبيعي الى نشوء نمط انتاج واحد يسود العالم، وهل العولمة هي امبراطورية الفوضى كما يؤكد عنوان كتاب لسمير امين،وهل العولمة هي حقا وبالفعل مملكة الضرورة؟.

ويوصي الدكتور العظم بضرورة قيام اقتصاد سياسي نقدي حقيقي للعولمة يتجاوز بلا شطحات أو أوهام الوصف الفينومينولوجي الكيفي والكمي للظاهرة مما هو سائد حاليا باتجاه التفسير والتعليل وكشف المحركات العميقة وتحديد الاسباب القريبة والبعيدة.

ويعود في ختام دراسته الى شؤون الثقافة ويعالجها عبر قضيتين، الأولى تدور حول احتمال نشوء بنية ثقافية عولمية تضاف الى بنية الثقافات العالمية المحلية في العالم كله، اما القضية الثانية تتناول طرح بأن أزمة الثقافة العربية الراهنة أزمة انسداد آفاق الفئات الوسطى في المجتمعات العربية المعاصرة.

من مثقف وطني الى مثقف غربي بهذا التوصيف المؤدلج والموجه الى صادق العظم قام الدكتور حنفي بحسم أمرين في رده على التساؤل ما العولمة وفي رده على توصيفات العظم وقراءته لظاهرة العولمة، حيث يؤكد حنفي أن العولمة ليست قضية نظرية بل صراع تاريخي بين المركز والأطراف وانها ظاهرة قديمة وليست قيد التكون كما ذكر العظم وينتقد العظم بكونه يرى الظاهرة من خلال الادبيات الماركسية وليس من خلال رؤيتها وحدسها وبالتالي تصبح العولمة ظاهرة غربية دون تحديد موقف العرب منها. ويعلن حنفي بصريح العبارة اقصاء صادق العظم فهو مثقف غربي الهوى والعقيدة يستعير معظم ودوافع التعبير عن فهمه للعولمة من أيدولوجيا حداثوية تعطي الاولوية للأيدولوجيا على حساب العلم ولا تساهم الا في قراءة أحادية الجانب.

أما الدكتور العظم فيعقب قائلا انه من الصعب تصنيف مساهمة الدكتور حنفي أهي دراسة أم خطاب تعبوي غرضه فضح العولمة واستنهاض الهمم ضدها، فما قدمه حنفي مجرد فيض تلقائي لا يلتزم بمنهج بحثي معين ويقوم على استطرادات لا تنتهي. اما الاعتراض الجوهري هو انه طرح تساؤلا هاما هل هناك عولمة من وجهة النظر الاسلامية الا انه لم يصل الى جواب كما أن أسلوبه ادى به الى الوقوع في هاوية الاستشراق. وسأل العظم ألا يحول استشراق حنفي المعكوس الاسلام-أوروبا-العرب-الشرق- الى دوائر حضارية متصارعة كما فعل صاحب نظرية الحضارات التي هاجمها حنفي؟!!.

تقييم

في الحقيقة ان ما يجمع حنفي والعظم أنهما يجعلان من المدخل الثقافي مدخلا أساسيا في فهم العولمة،لكنهما سرعان ما يذهبان في الاتجاه المعاكس وذلك على الرغم من تعريفهما الاقتصادي المشترك للعولمة.

فحنفي يؤكد بشيء من الرتابة والتكرار على أن العولمة ليست ظاهرة فقهية تختلف من حولها الآراء بل هي مسألة صراع ومقاومة دفاعا عن الاستقلال ضد التبعية وهي ليست بالجديدة وهي شكل من أشكال الاستعمار الجديد وهذا ما يشاركه به محمد عابد الجابري وعبد اله بلقزيز وكثيرون، ويمضي حنفي في هذا الاتجاه ليصل الى نتيجة مفادها " ان العولمة هي الماركة المسجلة والاسم الحركي للأمركة التي يعتبرها التعبير الحقيقي عن مركزية غريبة دفينة في الهيمنة على العالم".
ما يلفت النظر في بحث حنفي هي تلك النتائج المتسرعة التي يقودنا اليها في توصيفه للعولمة على أنها الضد من الدولة الوطنية ففي هذا الاطار تظهر الديمقراطية وحقوق الانسان والاقليات وحرية المرأة وحق التعبير على أنها أفكار مستوردة تهدف الى دك حصون الدولة الوطنية وتهديمها، من هنا تنكره لهذه القيم واعتبارها كلمة حق يراد بها باطل، فالاستقلال الوطني يفوق ما عداه، وما على هذه القوى الا ان تنتظر حتى تنجز الدولة الوطنية استقلالها. انها ايضا كلمة حق يراد بها باطل، بصورة ادق يراد لها تبرير استبدادية ما تسمى بالدولة الوطنية مهما كانت الضحايا التي ترافقها، وهذا ما وقع به الكثير من المثقفين العرب الذين باركوا دولة الاستبداد والظلم وبذلك خانوا الاخلاق والسياسة معا.
باختصار فان اللغة الخطابية المضاعفة والجميلة عند حسن حنفي في توصيفة للعولمة، تستعير هي بدورها معظم مفراداتها من لغة ايديولوجية كفاحية ونضالية وهي لغة تدعو الى مواجهة العولمة على صعيدين، صعيد عالمي من خلال السعي المشترك الى تكوين قطب ثاني خارج المركز الغربي، وعلى صعيد وطني من خلال التأكيد على اهمية المسألة الثقافية العربية ودورها في حماية الامة ومن خلال ابداع مفاهيم جديدة من داخلنا لا تستهلك المفاهيم الغربية ولا تعيد انتاجها ولان هذه اللغة على وجوبها لا تجد ما يسندها في الواقع ولا يمكن مقارنتها مع ما تنتجه فيديولوجيا عالم ماك وورلد على حد تعبير بنجامين باربر، التي تغزو العالم وعلى جميع الصعد، فان هذه اللغة الجميلة تمارس هروبا الى الامام بالرغم من انها تستثير فينا الهمم، وقد تكون هذه هي شيمة الخطاب العربي المعاصر في الثلث الاخير من قرننا المنصرم كما بين الجابري في قرائته التشخيصية لعيوب العربي المعاصر.
وكما يلحظ قارئ الكتاب فان رد حنفي على العظم بقي مضمرا بالاتهام والاقصاء من جهة وبالنصيحة من جهة أخرى وهذا هو أسلوب خطابنا التقليدي في العقود المنصرمة لا بل ان ظاهرة الاتجاه المعاكس هذه باتت تشكل علامة فارقة في خطابنا المعاصر فبمقدار ما تساهم هذه الظاهرة بين المثقفين العرب في تعميق الاشكالية المعرفية حول الموضع المطروح بمقدار ما تساهم من جهة أخرى في فضح زيف الخطاب الليبرالي الديمقراطي الذي يدعي احترام الآخر والبحث عنهه وايجاده والاصغاء اليه لا الغاءه.
بالمقابل يسعى العظم الى تطوير مدخل ثقافي الى فهم العولمة، لكنه لا يفلح في ذلك عندما يخلط بين العالمية الثقافية كما تجسدها كتابات إدوارد سعيد (الاستشراق) وفرانسيس فوكوياما (نهاية التاريخ والانسان الاخير) وصموئيل هنتنغتون (صراع الحضارات) وبين العولمة، ويظهر هذا ايضا بمثابة نتيجة، فقد صرّح العظم بانه لا يفهم العولمة، لكنه عاد ليدبج لنا خطابا مطولا عن العولمة يستعير معظم دوافع التعبير عن نفسه من لغة نضالية ايديولوجية ميتة ومن ماركسوية هرمة وشائخة.
يؤكد العظم ان العالم اليوم يتعرف بصوابية التحليل الماركسي لطبيعة الرأسمالية المعاصرة وبدقة تشخيصية لميولها وديناميكيتها وتكيفاتها. من هنا تعريفه للعولمة بانها "حقبة التحول الرأسمالي العميق للانسانية جمعاء، في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ" وهنا يقوم العظم باستدعاء هذا الفيض الكبير من الخطاب الماركسي الدارج والممتد على طول القرنين التاسع عشر والعشرين في سبيل فهم العولمة، وذلك بدون الرجوع الى الكتابات الحديثة عن العولمة باستثناء استعراضه السريع وتهجمه على افكار بعض المثقفين العرب وسخريته منهم وهو بهذا يثبت لنا من جديد ان قطاره يأبى السير الا على قضيب واحد ويثبت اتهام حسن حنفي له بانه يتجاهل النقد المضاد للعولمة.
ان تجاهل العظم للنقد الحديث لظاهرة العولمة مضمر بالسعي الى اثبات صحة اجتهادات وتنبؤات ماركس ولينين بأن العولمة هي اعلى مراحل الامبريالية على غرار كتيب لينين الذائع الصيت "الامبريالية اعلى مراحل الاستعمار" وقد دفعه حماسه الى اثبات صحة اجتهادات السلف الماركسي الى التركيز على الجانب الاقتصادي للعولمة مهملا الجانب الثقافي فيها مع انه كان مدخله الى فهم العولمة.
قبل ختام هذه المراجعة للكتابين لا أدري ان كان يصح لي التطرق الى مفهوم العولمة من وجهة نظر مفكر علم الاجتماع السياسي برهان غليون والذي بدوره ابتعد عن مفهومي حنفي والعظم، فالعولمة برأيه تتجسد في نشوء شبكات اتصالية عالمية فعلا تربط جميع الاقتصادات والبلدان والمجتمعات وتخضعها لحركة واحدة، فهي بنية جديدة من الاندماج العالمي الأعمق على عدة مستويات. ويرى غليون في كتابه ثقافة العولمة وعولمة الثقافة ان عمليات دمج العالم في منظومة واحدة قديم جدا لكن العولمة بنية جديدة تطبع النظام العالمي ،وهذا النظام ما هو الا اندماج منظومات ثلاثة رئيسية المنظومة المالية،والمنظومة الاعلامية والاتصاليةنوالمنظومة المعلوماتية بشبكة الانترنت.
وأما سمير امين - صاحب أطروحة التراكم الراسمالي في النظام العالمي- فهو يختلف مع غليون وحنفي، ويرى لا جديد في العولمة ويقول ان الاتجاه نحو دمج العالم في منظومة واحدة قديم قدم الحركات والتوسعات الامبريالية. فهي تشكل موجة ثالثة من التوسع الاستعماري لا تختلف في أهدافها عن أهداف الموجات السابقة، وذلك أن اهداف رأس املال المهيمن للشركات العملاقة المتعددة الجنسية تبقى في غزو موارد الكوكب والاستفادة من استغلال العمل في الاطراف. ويرى باختصار أن الرأسمالية قد انتجت منذ نشاتها عالمية او عولمية، مرت بمراحل عدة قبل أن تصل الى مرحلتها الراهنة. باختصار يقول أمين بأننا امام مرحلة استثنائية ومصيرية تندرج تحتها أبعاد ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية متشابكة وغير مسبوقة ومن الواضح أن البعد الثقافي الحضاري يتربع على رأس هذه القائمة، حيث ان العالم اليوم يتجه نحو عمالة الفكر، او ما يعرف ب(القوة الرخوة) بعد أن ولت عصور قوة السلاح والمصانع العملاقة. وأن الرأسمالية لا تمثل في رأيه نهاية التاريخ، فلا بد من احلال نظام أخر اكثر تقدما وان اقامة عولمة بديلة تفترض في المجال الثقافي انتاج ثقافة عالمية جديدة.
وفي رأيي ان حوار القرن هذا عن ماهية العولمة الذي يجمع مفكرين عربيين، يكشف لنا عن نزعة خطابية تستسهل الحديث عن العولمة وكأنها موضوع انشائي، وتجعلنا نغوص بين خواطر حسن حنفي السهلة والعفوية، اذ هي لا ترقى الى اكثر من ذلك، وهنا يصح اتهام العظم له، وبين لغة ايديولوجية ممركسة وتقليدية ميتة تصف العولمة وكانها قادمة من كوكب بعيد على حد تعبير زكي الميلاد. بهذا يثبت مفكرونا ولعهم في السير في الاتجاه المعاكس مستقلين كل منهما قطارا يسير على قضيب واحد. وبهذا يثبتون للجميع ان القضية ابعد من كونها قضية مثقف وطني وآخر ماركسي، فهذه تصنيفات ايديولوجية وحزبية قاصرة عفا عليها الزمان، ويثبتون لنا ايضا ان عرب اليوم اكثر خورا وضعفا لانهم لا يزالون يجهلون ما هي العولمة واين تكمن فتوحاتها وافخاخها وطلائعها.

 

 

الكاتب : الدكتور حسن حنفي والدكتور صادق جلال العظم

 

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.