ما بعد شوقي

فهل آن لنا أن نواجه التحديات بعقلانية وشجاعة، وأن نحدد نقاط الضعف قبل نقاط القوة في واقعنا الحالي؟ ثم هل نملك من الجرأة أن نحلل تاريخنا بشكل علمي مستفيدين من قناديل الراحل التي نثرها على طول ممرات ودهاليز القرون الماضية، فتعيننا على كشف مكامن عجزنا ومكامن ارتكاز قوتنا فنخطط خارطة المستقبل محددين الإحداثيات التاريخية التي كشف عنها عبر مسيرة مدرسته.
بعد أن وضعت الأحزان أثقالها واستفاقت العيون من مصابها، فإنه لابد من الإبصار بنور العقل إلى المدرسة التي خلفَّها الراحل غزيرة بأحداث التاريخ الإسلامي وعبره، ومآثره، فقد تميزت هذه المدرسة بالمرابطة لكل متربص بالإسلام والمسلمين. وقد نصب شوقي متاريس المنعة والمقاومة الفكرية فدرأ عن الأمة سهاماً خبيثة، وكشف عن مؤامرات ودسائس ضد ديننا الحنيف، واستحضر أبهى صور التاريخ الإسلامية لتشد عضد شباب الأمة وتزرع الثقة في نفوسهم. لعمري إن هذه المدرسة يا أبا معتز لك فيها تطلعات ما أتاح لك العمر أن تحقق إلا اليسير منها، إن الإخلاص لهذه المدرسة يرتب علينا أن نطور مواقعها التي أسسها الراحل الكبير، فآن لها أن تنتقل من مواقع التخندق والتمترس إلى مواقع الإعداد والإقدام على جبهة المستقبل؛ التي تتجسد في استشراف جيل جديد تكون أحد مصادر ذخائره وإمداداته الأساسية مدرسة شوقي.
إن رحيل شوقي أحدث دوياً في شباب العالم الإسلامي صارخاً في ضمير كل حر: ماذا بعد؟
فهل آن لنا أن نواجه التحديات بعقلانية وشجاعة، وأن نحدد نقاط الضعف قبل نقاط القوة في واقعنا الحالي؟ ثم هل نملك من الجرأة أن نحلل تاريخنا بشكل علمي مستفيدين من قناديل الراحل التي نثرها على طول ممرات ودهاليز القرون الماضية، فتعيننا على كشف مكامن عجزنا ومكامن ارتكاز قوتنا فنخطط خارطة المستقبل محددين الإحداثيات التاريخية التي كشف عنها عبر مسيرة مدرسته.
إذن لكل مشروع نهضوي يتطلع إلى الشباب، احتياجات:
- إن الشباب المسلم اليوم بحاجة إلى بث الثقة في صدره الذي امتلأ ذلاً وضعفاً. إنه بحاجة
إلى الإضاءات ومفاخر تاريخنا التي وردت في مدرسة شوقي لتكون سنداً ودعماً لهم لا عئباً أو لوماً عليهم، فيتمكنوا من العمل الفاعل الذي يحول المجتمع الإسلامي من عالم الأفكار والأمنيات إلى عالم حياة الخلايا الحية، عالم العمل ذي التنظيم العالي.
بالرغم من أن مثل هذه الأفكار تبدو صعبة النقاش أو القبول فعلى الأقل يجب معرفة أسباب هذا التنحي. وإلا هل هذا قدر الأمة إلى يوم الدين؟
- علينا استغلال طاقات الشباب في سن مبكرة؛ فإسرائيل لديها من علماء الفيزياء والذرة لاتتجاوز أعمارهم الـ 24 سنة، في الوقت الذي يكون اعتمادنا على المفكرين الكهول دون التفكير برفد كوادرنا الفكرية بالطاقات الشبابية وتأهيلها.
- تحديد الأهداف بوضوح ماهي ؟ وأين وجهتها ؟ ومن أين تبدأ ؟ وماهي الكلفة الموازية لها ؟ ثم وضع خطة استراتيجية مذيلة بجدول زمني.
- العمل ضمن إطار جماعي تعاوني يضم رجال أعمال ومثقفين وعلماء وجميع الفئات اللازمة لأي مشروع.
إن الخطوات السابقة باتت معروفة ومكررة.لذلك لم أستطرد بسرد أكثر مما ذكرت وإنما الشيئ الهام والذي يمثل عنق الزجاجة هو:
كيف ننظر إلى الأمور التي على أساسها توضع الأهداف؟ ويمكن توضيح ذلك إذا حاولنا الإجابة على الأسئلة التالية:
· من أي زاوية ننظر إلى العلوم المادية؟
· من أي زاوية ننظر إلى المرأة وبالتالي إلى الرجل؟
· من أي زاوية ننظر إلى القانون الوضعي؟
· من أي زاوية ننظر إلى المجتمع الغربي؟
· من أي زاوية ننظر إلى الجهاد؟
· من أي زاوية ننظر إلى مخالفنا في الرأي؟
· ماهي الخلفية الثقافية التي نفهم القرآن من خلالها وهل هي كافية لاستيلاد أجنة عصره؟
وهناك أسئلة كثيرة مشابهة لما ذكرت، والمهم هل مفاهيمنا عن الحياة والدين محصورة بتصورات ألفناها فتؤطر إنتاجنا الفكري، وهو يدور في فلك ثابت تعوزه الطاقة ليقفز إلى أفلاك أخرى فلا يجد إلى ذلك سبيلا .
فكلما كانت الزاوية التي ننظر من خلالها ضيقة كلما كانت النتائج محدودة وعلى الأغلب سلبية.
ومن أهم الأحداث خطورة يمكن أن ترشدنا إلى دهاليز أنفسنا؛ الرسوم المسيئة إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والآيات الشيطانية ومحاولة حرق المصحف الشريف مؤخراً.
لم يكن لدى العالم الإسلامي سوى الردود الغاضبة الآنية؛ لأن الزاوية التي ينظر فيها إلى الغرب هي العدائية وعدم الثقة، وهذا صحيح من أجل زاوية محددة. لكن لو كبرنا فتحة الرؤيا لوجدنا أن المجتمع الغربي ينصت عندما يستمع إلى المنطق، وهذا ما حدث بالنسبة لأحداث غزة منذ الاعتداء وحتى الآن مروراً بسفن الحرية.
لذلك يجب علينا الآن أن نجيب ماذا فعلت الدراما العربية الإسلامية لأحداث غزة؟ من كان يتذرع بعدم الجدوى من الغرب فها هو يجلس مشدوهاً غيرمصدق من هول مايرى!
وهذا يلتقي مع السؤال أعلاه من أي زاوية ننظر إلى الجهاد؟
إن أوضح مفهوم لدينا حول الجهاد هو القتال ولكن لنتخيل اليوم أحد الدعاة يدعو إلى المشاركة في الجهاد من خلال مسلسل تلفزيوني يعرض قضية عربية إسلامية فكيف سيكون رد الفعل ؟
ونستطيع إيضاح الفكرة عندما نحدد الغاية من الجهاد.
لقد منَّ الله على الإنسانية بوسائل جهادية عصرية تضاف إلى الوسائل القتالية مثل:
الإعلام، السينما، الأقنية الفضائية، وسائل الاتصالات والشبكات العنكبوتية، الفعاليات الثقافية، المعارض التجارية والفنية ، المصارف التجارية.
ولكنها تحتاج إلى إتقان في الاستخدام. وإذا اخترنا وسيلة الدراما فمن الضروري أن نحدد الهدف والوجهة. فإذا كانت الدراما موجهة إلى الغرب فلابد عندئذ من التركيز على حرص المجاهدين الفلسطينيين على مقاتلة العسكريين الإسرائيليين، وتسليط عدسة الكاميرا على ذلك الشاب الفلسطيني الذي اضطر إلى اقتحام منـزل إسرائيلي عندما لاحقته قوة صهيونية.
فبدأ يتبادل النيران مع الجنود الصهاينة وعندما نفدت ذخيرته أمطر الصهاينة المنـزل بقنبلة سببت اندلاع النار في المنـزل، فهب إلى طفل يحمله من المنـزل وسط النار المشتعلة، وعندما ظهر للجنود ليسلمهم الطفل الإسرائيلي كانت النيران الإسرائيلية قد أردت الشاب الفلسطيني والطفل الإسرائيلي على الأرض مضرجين بالدماء، وعويل الأم الإسرائيلية يملأ المكان صراخاً فامتزجت دموعها باللعنات على جيش إسرائيل.
إن مجابهة إسرائيل يجب أن تأخذ منحى مفاجئاً ومربكاً للإعلام الإسرائيلي.
إن كل لقطة للكاميرا يجب أن تكون محسوبة، فالإعلام الإسرائيلي ليس غافلاً، والرسائل للغرب يجب أن تتناغم مع ثقافتهم ومفاهيمهم في الحوار وطريقة الخطاب.
وهناك أمر آخر فنحن لم ندرك تماماً لعبة المصالح بين الـدول بل ننظر من زوايا القيم فقط؛ الصداقـة ،الإخلاص، الـ.............، وهذا شيء جيد وممتاز. ولكن لم يعد المديح أو كرم الضيافة أو التصفيق أو الرقص بالسيوف كافياً، علينا أن ندفع الغرب أو دول العالم بشكل عام لتبادر بالمثل فتغدق من التكنلوجيا إلى مصانعنا أو مراكز أبحاثنا مانحب ونشتهي.
في حين أن المكاسب اليوم لا يمكن أن تجنى إلا بأداء مواز وهام عند الطرف المقابل. والاقتصاد اليوم بين الدول هو سياسة ليِّ الأذرع؛ بما تحققه كل دولة من إنجازات تجبر الآخرين على احترامها وتلبية متطلباتها بما يتناسب مع موقعها الاقتصادي.
لذلك أريد ان أقول بأنه آن الأوان أن ننتقل من مرحلة لوم الآخر إلى فهمه وتحليله وكيفية النفاذ إليه والاستفادة منه، ونبش الأسباب الذاتية المتعلقة فينا بنقد ذاتي لنتمكن من مخاطبة الغير وتعبيد الطرق أمام مشاريعنا.
والحقيقة أن مقياس نجاحنا هو في مدى اقتراب صحة توقعاتنا لنتائج مشاريعنا قبل حدوثها. وهذا يعتمد على البيانات المتوفرة والمعلومات الإحصائية وتجارب الآخرين. لذلك ستكون هناك أهداف وطرق تؤدي إلى تلك الأهداف.
نسأل الله أن يجعل مناسبة رحيل فقيدنا عصفا لأفكار الأمة وإنتاجا لرؤى جديدة تفتح آفاقاً تكون مهداً لحضارة السلام من بلاد الرسل والسلام.

إضافة تعليق