متعة الإيثار لأبي حيان التوحيدي

والقناعة مُزة فكهةٌ ولكنها فقيرةٌ إلى البُلْغة، وصيانة النفس حسنة إلا أنها كُلْفة محرجة إن لم تكن لها أداةٌ تُجِدّها وفاشيةٌ تمدها . . قال ابن السمّاك: لولا ثلاثٌ لم يقع حيف، ولم يسل سيف، لقمةٌ أسوغ من لقمة، ووجه أصْبَح من وجه، وسِلك أنعم من سلك، وليس كل أحد له هذه القوة، ولا فيه هذه المنة والإنسان بشر، وبنيته متهافتة وطينته مُنْتَثِرَة، وله عادةٌ طالبة، وحاجةٌ هاتكة، ونفسٌ جموح، وعينٌ طموح؛ وعقلٌ طفيف، ورأي ضعيف، يهفو لأول ريح، ويَسْتخِيل لأول بارق؛ هذا إذا تخلص من قرناء السوء، وسلم من سوارق العقل، وكان له سلطان على نفسه، وقهرٌ لشهواته، وقمعٌ لهوائجه، وقبولٌ من ناصحه، وتهيؤٌ في سعيه، وتبوؤ في معاني حظه، وائتمامٌ بسعادته، واستبصارٌ في طلب ما عند ربه، واستِنْصافٌ من هواه المضل لعقله المرشد، وهذا قليلٌ وصعب ولو قلت: معدومٌ أو محال في هذا الزمن العسير والدهر الفاسد، لما خفت عائقاً يعوقني، ولا حسوداً يرد قولي . قال ابن السماك: الله المستعان على ألسنٍ تصف وقلوبٍ تعترف، وأعمالٍ تَخْتَلف .وقال معاوية لأبي بكر بن عبدالرحمن ابن الحارث - ورآه لا يلي له عملاً، ولم يقبل منه نائلاً-: يا ابن أخي، هي الدنيا، فإما أن ترضع معنا؛ وإما أن ترتدع عنا . وربما قال بعض المتكلفين قد قال بعض السلف: ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا من ترك الآخرة للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه . وهذا كلام مقبول الظاهر موقوف الباطن . وربما قال آخر من المتقدمين: “اعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً” . وهذا أيضاً كلامٌ منمق، لا يرجع إلى معنىً محقق؛ أين هو من قول المسيح - عليه السلام - حين قال: الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب متى بعد أحدكم من أحدهما قرب من آخر؛ ومتى قرب من أحدهما بعد من الآخر . وأين هو من قول الآخر: الدنيا والآخرة ضرتان، متى أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، ومتى أسخطت إحداهما أرضيت الأخرى . ونرجح فنقول: ونعوذ بالله من الفقر خاصة إذا لم يكن لصاحبه عياذٌ من التقوى، ولا عمادٌ من الصبر، ولا دعامةٌ من الأنفة، ولا اصطبارٌ على المرارة . وقد بلينا بهذا الدهر الخالي من الديانين الذين يصلحون أنفسهم ويصلحون غيرهم بفضل صلاحهم، الخاوي من الكرام الذين كانوا يَتسعون في أحوالهم، ويوسعون على غيرهم من سعتهم، وكانوا يهتمون بذخائر الشكر المعجل في الدنيا، ويحرصون على ودائع الأجر المؤجل في الأخرى؛ ويتلذذون بالثناء، ويهتزون للدعاء؛ وتملكهم الأريحية عند مَسْأَلَة المحتاج، وتعتريهم الهزة معها والابتهاج؛ وذلك لعشقهم الثناء الباقي؛ والصنيع الواقي؛ ويرون الغنيمة في الغرامة، والربح في البذل، والحظ في الإيثار، والزيادة في النقص؛ أعني بالزيادة: الخلف المنتظر من الله؛ وبالنقص: العطاء . . وكانوا إذا وَلُوا عدلوا، وإذا ملكوا أفْضَلوا، وإذا أعطَوْا أجزلوا، وإذا سُئِلوا أجابوا، وإذا جادوا أطابوا، وإذا عالُوا صَبَروا، وإذا نالوا شكروا، وإذا أنفقوا واسَوْا، وإذا امتُحِنوا تأسوْا؛ وكانوا يرجعون إلى نقائبَ ميمونة، وإلى ضَرائِبَ مأمونة، وإلى ديانات قوية، وأماناتٍ ثَخِينة؛ وكان لهم مع الله أسرار طاهِرة، وعَلانِيةٌ مقبولة؛ ومع عباد الله معاملةٌ جميلة، ورحمةٌ واسعة ومَعْدِلةٌ فاشية؛ وكانت تجارتهم في العلم والحكمة، وعادتهم جارية على الضيافة والتكْرِمَةِ؛ وكانت شِيمَتُهم الصفْحَ والمغفرةَ، وربحُهم من هذه الأحوال النجاةَ والكرامةَ في الأولى والعاقبة؛ وكانوا إذا تلاقوا تواصوا بالخير، وتناهوا عن الشر؛ وتنافسوا في اتخاذ الصنائع، وادخار البضائع أعني صنائع الشكر، وبضائع الأجر، فذهب هذا كله، وتاه أهله؛ وأصبح الدين وقد أخلق لَبُوسُهُ، وأوحش مَأْنوسه، واقتُلِع مغروسه؛ وصار المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، وعاد كل شيء إلى كدره وخاثره، وفاسده وضائره؛ وحصل الأمر على أن يقال: فلانٌ خفيف الروح، وفلان حسن الوجه، وفلان ظريف الجملة، حلو الشمائل، ظاهر الكيس، قوي الدسْت في الشطرنج، حسن اللعب في النرد، جيدٌ في الاستخراج، مدبر للأموال، بَذولٌ للجهد، معروفٌ بالاستقصاء لا يُغْضي عن دانق، ولا يتغافل عن قيراط؛ إلى غير ذلك مما يأنف العالم من تكثيره، والكاتب من تسطيره . وهذه كلها كنايات عن الظلم والتجديف، والخساسة والجهل وقلة الدين وحب الفساد، وليس فيها شيءٌ مما قدمنا وصفه عن القوم الذين اجتهدوا أن يكونوا خلفاء الله على عباد الله بالرأفة والرحمة والاصطناع والعدل والمعروف . * * * كتاب “الإمتاع والمؤانسة” لأبي حيان التوحيدي شيخ الصوفية وفيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة وإمام البلغاء، يضم مسامراتِ سبعٍ وثلاثين ليلة قضاها التوحيدي في منادمة أبي عبدالله العارض أحد وزراء البويهيين في أواخر القرن الرابع الهجري، وطريقة الكتاب أن الوزير يقترح موضوع للمسامرة، فيجيبه أبو حيان عما اقترح، حتى إذا أراد الوزير الإخلاد إلى النوم سأل أبا حيان ملحة الوداع، وكانت الموضوعات في الفلسفة، والمذاهب العقائدية وإخوان الصفاء، ومناظرات أهل الكلام، واللغة، وسياسة الملك، والحِكَم والأخلاق الحميدة . في هذا النص الذي بين أيدينا يصف أبو حيان التوحيدي صنفاً من الناس من أهل العقول الذين يسيطرون على أنفسهم، ويتبعون الحكمة والعقل في ما يأتونه من أفعال، وأقوال، ولا تجنح بهم رغباتهم وشهوات أنفسهم إلى الفساد، ويتوسع التوحيدي في وصف هذا النوع من الناس بكل صفات الحمد والإيثار، فهم كنف لغيرهم من الناس، يعطفون على الضعفاء ويرحمونهم، وتدفعهم أريحية نفوسهم إلى العطاء الذي لا يرجو صاحبه مقابلاً، ولا يطمع في مكافأة، ويشكو التوحيدي من غياب هذه الفئة من الناس في زمنه، بحيث صار قصارى ما يمدح به الإنسان براعته في اللعب، وخبرته في جمع المال وتخزينه . أسلوب التوحيدي يتميز بثلاث خصائص بارزة، فلغته أصيلة صافية بعيدة عن الضعف، وهو متمكن من المفردة يطوعها لما يريد من المعاني، ويشتقها بسهولة ورشاقة (أفضلوا، يستخيل، استنصاف)، والخاصية الثانية القدرة الظاهرة على إشاعة موسيقا داخلية عن طريق صناعة الفواصل وتكرار المفردات المتقاربة والمقاطع المتوازنة، والثالثة التنقل بين الأقوال والأمثلة والحكايات داخل الموضوع الواحد، لكي يكسر رتابة النص ويبعد الملل عن قارئه، ويتحفه بالحكاية الطريفة والحكمة الدالة . دار الخليج

إضافة تعليق