محاكاة ومرجعيات خارج الحدود

المنظومة الثقافية العربية، لم تكن مغلقة أبداً، وعبّرت عن حيويتها الذاتية، حينما احتكّت وتفاعلت مع عناصر ومكوّنات أجنبية عنها، وتقبّلت مؤثرات فكرية متعددة، وصاغت في ضوء التحوّلات التي خضعت لها بنيتها الفكرية والثقافية أسئلة وأجوبة جديدة، كان بعضها قاصراً، وبعضها ملتبساً أو متوتّراً. وككل منظومة ثقافية ذات بُعد تاريخي، تعرّضت لمؤثرات خارجية، وامتصت ما هو غريب، أو أقصت بعضه، وطوّعت البعض الآخر، طبق شروطها الاجتماعية والفكرية الخاصة، وبما يتلاءم مع بنيتها. فمثل هذه المؤثرات لا يمكن في العادة، أن تحتلّ مكانها ويُعاد توظيفها إلا إذا عُدّت أحد مكونات ومحرّكات التطور الداخلي الذاتي.

ولا تستسيغ المجتمعات ما يطرأ عليها من تبدّل او تحوّل، يفرضه وجود عناصر خارجة عن حدودها وأنماطها الفكرية. بل ان مناعتها الذاتية تقف حائلاَ دون دخولها، ولا تزول العوائق النفسية المقاومة، أو تنخفض وتيرتها إلا إذا أعادت دمج هذه العناصر الغريبة عنها في صلب سيستام المناعة هذا. ومثلما لاحظ غرينابوم في كتابه:«L’identité Culturelle de l’Islam» لم «يتهلْين» الفكر العربي الإسلامي بالكامل في القرنين التاسع والعاشر الميلادي. فقد ظل المجتمع الإسلامي عصياً على المطاوعة، وغير قادر على اجتياف كل المؤثرات اليونانية. في حين تعاني المنظومة الثقافية العربية المعاصرة اختراقاً غربياً من كل الجوانب، اقتضى انقلابات حاسمة وعميقة في حياة العرب وأنماط عيشهم، ونظرتهم إلى العالم وإلى أنفسهم.

الحديث اليوم عن دور الغرب، يندرج في سياق الحديث عن هوية عربية مأزومة ومصدومة ونكوصية. تلوذ من غير طائل بثقافتها الموروثة، وتحاول أن تدرأ عن نفسها المخاطر الحقيقية والمتخيّلة التي أفرزتها عولمة، ذات مكونات تاريخية واجتماعية غريبة الوجه واليد واللسان، وان تدفع عن حياضها عاديات الزمن، بمزيد من التشبّث بأشكالها ومعاييرها الاجتماعية والسلطوية ورواسبها الذهنية.

وعملية الاختراق العميق هذه، ولنسمّها التثاقف، حسب المصطلح الأنتروبولوجي والسوسيولوجي، لا تجري بيسر ومن دون عوائق، أو من دون مواجهات حادة، بل شكّلت هذه العملية المستمرة في الوعي العربي الجماعي والفردي بؤرة صراع وتجاذب بين القبول والنبذ. بين مقاومة الضغوط، والانصياع لها.

 التغريب

 كانت ذريعة من وقف بوجه التغريب المُعبّر عنه، في أرقى مراحله، بمفهوم العولمة، انه وجه من وجوه الهيمنة الإيديولوجية التي تمثّل النسق القيمي للغرب، على حساب النسق القيمي للحضارات الأخرى. بل رأى فيه البعض أبعد من ذلك، فحسبه أنه صورة منقّحة ومتطورة عن المنحى التبشيري المسيحي.

ورغم كل ضروب التحوّط والتعوّذ، استطاع الفكر الغربي، في ظل استعمار الأرض، ثم في ظل ثورة المعلوماتية، وانتشار الشبكة العنكبوتية اليوم، أن يتغلغل في صلب النسيج الأدبي، وأن يُبدع أنماطاً كتابية وعقلية وجمالية، وأن يعدّل أو يحوّر الذائقة الأدبية عند القارئ والكاتب معاً. وأن يخلق حساسيات جديدة، ومقاربات نقدية، وأدوات للتفسير والتأويل تختلف عما لدى العرب في الماضي. بل أن يغيّر نمط العلاقة المثلثة بين المتلقي والمرسل والنص. لكن لم تُكتب لهذا المسار التحديثي الغلبة المطلقة، ولا يمكن أن تتحقق مثل هذه الغلبة في يوم من الأيام، لأن من طبائع الأمور، لا سيما في الحياة الفكرية والأدبية، أن تتعايش الأنواع الأدبية وأنماط الخطابات الفكرية جنباً إلى جنب. ولأن الإبداع مسار ذاتي يقوم على فروقات فردية، مثلما يعبّر عن تطلّعات جماعية، فمن الطبيعي ألاّ تكون استجابة المبدعين متماثلة. وإن كنا نلمس مع مرور الزمن، كيف أن التيار الحداثوي الغربي بدأ يزحزح سائر التيارات الأدبية التقليدية عن مكانتها، أو يُعدّل فيها، أو ينفذ إلى بعض مكوناتها. وقد أفضى تمثّل أدوات النقد الغربي بخلفياته النظرية، وتطبيقاته على المتن الأدبي العربي، كما في عمليات ترجمة الروائع القصصية والشعرية الغربية، إلى نشوء نصوص عربية تنضبط في ضوء المعايير النقدية الحديثة، وتحاكي النماذج الأدبية المقتبسة.

توسّع الفضاء المعرفي والأدبي العربي مع هذه الأدوات النقدية، ولم يعد هذا الأفق المعرفي مقتصراً على النطاق المحلي، بل انخرط في مشكلات العصر المعرفية الكبرى، وتمدد تأثيره باتجاه الفلسفة، والفن التشكيلي، والغناء، والمسرح، والرواية. وفتحت الأشكال الأدبية مسارات مولّدة للتطور والتجديد. فتجاوزت الرواية أشكال المسامرات والسير الشعبية والتهذيب والتسلية والبُعد الأخلاقي. وحطّمت مبدأ الإيهام بالواقعية. وأهم ما عبّرت عنه الرواية العربية الحديثة أنها تقاطعت مع أجناس أخرى لم تكن معروفة في القصّ العربي القديم. فأضحت بلا ضوابط أو هويّة أو جنس، كما هي الحال في كتابات إدوارد خرّاط والياس خوري وغيرهما. وكسرت حلقة السرد، وبعثرت الزمن، وعالقت الشعر بالسرد، وفكت عقدتها التقليدية. وبينما كانت المرأة في الرواية العربية الكلاسيكية (ألف ليلة وليلة) هي مصدر الإغواء وموضع الرغبة والشهوة، تمظّهرت في الرواية الحديثة في الدور المعبّر عن صعود الوعي النسائي بالحرية بموازاة تطورها التعليمي. وأضحت حاضرة في الرواية، وفي كتابتها. وكانت الرواية ثمرة التحديث المادي، وتحوّل المدينة العربية إلى فضاء من التنوع والمغايرة والاختلاف.

وأفضى نشوء المدينة العربية الحديثة، وما واكبها من تغييرات في التركيب السكاني والتشكيل المعماري وازدياد الوعي المديني، واختراق البنى العائلية والاجتماعية التقليدية، إلى ازدهار فن الرواية الذي لا يفارق، حسب جابر عصفور (الرواية والاستنارة) السياق التوليدي لتأصيل الوعي المديني المحدث. وهذه العلاقة الجدلية بين الرواية والمدينة، هي التي تتوّج الرواية فناً خاصاً بالمدينة، منصبّاً على تحولات المكان، وعلى صوت الفرد الباحث عن المعنى في تغيّر علاقات المجتمع المدني، ووضع كل القضايا وضع المساءلة، ووصل المحلي بالقومي والإنساني. الرواية العربية الحديثة زامنت الفتح العقلي العالمي والتطور الاجتماعي، وتفاعلت مع شروط المجتمعات المحلية، بقدر ما تفاعلت مع مرجعيات نقدية خارج الحدود، مثل: بارت وتودروف وجنيت وإيكو وغريماس وباختين. وما احتكت به من قراءات لبلزاك وكامي وكافكا وفوكنر وغوغول وجيمس جويس وماركيز وسواهم. أما قراءة الموروث العربي لا سيما «ألف ليلة وليلة» فهو عنصر ضروري في بناء الرواية العربية، لكنه ليس كافياً في بلورة سردية عربية تقوم على تصور جديد للعالم والمحيط الإنساني، وتعبّر عن نهوض طبقات جديدة، وتطورات اجتماعية مطّردة.

 الحداثة

 وأظهرت الحداثة الشعرية العربية مدى عمق التفاعل بين الثقافة الموروثة والثقافة العالمية، فبان ذلك في المزج بين البحور المختلفة (تجربة شعراء أبوللو) والتحرّر من القافية الموحّدة، ونشوء قصيدة النثر، وخلق حساسية شعرية جديدة أبعدت عن الصدارة الشعر الحماسي والشعر الحكمي والشعر الاحتفالي، لصالح رؤية وجودية فلسفية وحدسية عميقة. بيد أن النقّاد العرب الذين تحكّمت في عقولهم النزعة القومية والطبقية، قدّموا العامل السياسي الإيديولوجي على ما عداه في تقويم الأثر الإبداعي، ولم يُقرّوا بأي مؤثرات غربية، وإنما عزوا التبدّل الذي طرأ على الشكل او المضمون، إلى الشروط الطبقية او الوطنية أو القومية. ولم يروا في الرومانسية العربية، كمثال، إلا ثمرة سخط وقلق وإحساس بالإحباط. ولم تتلوّن القصائد بأصباغها وصورها الحزينة في رأيهم، نتيجة شغف ذلك الجيل من الشعراء العرب بالرومانسية الأوروبية. إنما ارتسمت بوصفها «رومانسية المآسي الاجتماعية والنضال القومي العاثر»! وفق عبارة باحث سوري هو د. فؤاد المرعي. ولا أدري لماذا سمّى هذا النمط من الكتابة رومانسية؟ ومن أين أتى بهذا المصطلح، لو لم يكن معروفاً ومتداولاً في الكتابات النقدية الغربية؟ علاوة على انه أسقط من ذهنه عوامل التلقيح في ولادة القصيدة العربية الحديثة، رغم إقرار العديد من الشعراء بأنهم وقعوا تحت تأثير أقرانهم الغربيين، كإليوت وعزرا باوند وسان جون بيرس وشار وغيرهم، وانهم احتذوا أساليبهم، واقتفوا خطواتهم. بل إننا لنجد قامة فكرية، مثل محمود أمين العالم ينتقد استخدام النقاد العرب أدوات التحليل الأوروبي الحديث، لأنه يحسب أن المنهجية الغربية بأجهزتها المفاهيمية والتحليلية والتفسيرية ناجمة عن تعاليم وتصورات للعمل الأدبي، هي أصداء لما وراء هذه التيارات من مفاهيم ابستمولوجية وإيديولوجية. كما أن عبد الله ابراهيم في «الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة» ينحو إلى قول مشابه، حين يصف الثقافة العربية المعاصرة بأنها ليست سوى صورة مستعارة من غيرها. وانها حصيلة عملية انتقاء واستخلاص وإقصاء وتبنٍ ورفض، ورغبة في الوصول إلى نموذج قابل للتعميم، هو في أفضل الأحوال، من ابداع منظومة حضارية مختلفة في ظروفها، وشروطها الخاصة.

كل هذا التعارضات في الرؤى والخلفيات النظرية المتعاكسة التي استعرضنا بعض جوانبها، إن دلّت على شيء، فإنما تدلّ على عدم القدرة على ضبط المسار التجديدي الذي بات يزعزع المسلّمات الأدبية والفكرية التي قرّت في الأذهان والعقول العربية منذ زمن طويل.

إضافة تعليق

1 + 11 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.