محاولة لفهم التراث وارساء الوعي التاريخي

مقدمة : لو أنعمنا النظر بما حولنا، بعقول مُشْرَعة، لوجدنا العالم، بل الكون، يتغير في كل لحظة. فوراء هذا السكون الظاهر والنظام الثابت، أكوان من نظام ثورات متفجرة، تتجلى في الصراعات المستمرة أو التفاعلات المتواصلة بين بلايين البلايين من القوى المتعارضة أو المتعاضدة

ففي جسم الإنسان، مثلا، كما في جسد كل كائن حي، صراع محتدم ومتواصل، بين قوى الفناء وقوى البقاء.  وفي الكون الشاسع بلايين النجوم المشتعلة المشعة وبلايين الكواكب التابعة، التي تظل في حركة دائمة وتغير مستمر. وكلها تتجاذب أو تتباعد عن بعضها  وعن مركز الكون بسرعات هائلة. حتى الحجر الأصم الذي يبدو لنا ساكنا، تحتدم في داخله ثورة عظيمة وتغير أخرس، بالنسبة للناظر العادي، وتغير صارخ بالنسبة للناظر المتمعن، سواء بسبب التفاعلات التي تجري بين الذرات المتحركة فيه، أو داخل كل ذرة منها، حيث يبرز في كل واحدة منها كون آخر ينطوي على جسيمات متعددة، تتوالى بينها تجاذبات وتفاعلات متواصلة.  وكل هذه الأحداث، الصغار الكبار، تفضي إلى تطور وتغير مستمر إلى حد يمكن القول فيه: إن اللحظة الراهنة تختلف عن اللحظة السابقة كما إنها تختلف عن الآتية، لأن كل ما في الوجود قد تغير وسيتغير. وما نقوله ليس فيه أي جديد، فقد أذاعه هيراقليطس قبل 2500 عام، في قولته الشهيرة:"لا أستطيع أن أنزل إلى النهر نفسه مرتين، ذاك أنني حين أستحم للمرة الثانية يكون النهر قد تغير، وأنا أيضا ".  ويقول "غوته"Goethe:" من لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف عام الماضية، يبقى في العتمة".
فإذا كان هذا شأن الحياة والمادة فما بالك بالمجتمع، الذي تتكون أجزاؤه من تجمع بعض البشر لتشكيل كيان متعاون لتحقيق البقاء؟ أليس حريا ّ به أن يتطور؟ كما أن التاريخ نفسه يشهد  على هذا التغير والتطور، بل يثبته في كل فترة زمنية؛ تـُرى هل الحياة الاجتماعية والفكرية والمادية اليوم تشبه الحياة  قبل ألف عام،  بل قبل خمسين عاما، مثلا؟ والأكثر من ذلك، لا شك أن الجميع يلاحظون كيف تغير العالم منذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001
!!       
وعندما  يتغير الناس، بمن فيهم نحن أنفسنا طبعا، وبالتالي المجتمع والمحيط الخاص والعام، تتغير نظرتنا إلى كل شيء، بما في ذلك نظرتنا إلى التاريخ نفسه، ومن هذه الحقيقة البسيطة جدا، والخطيرة إلى أقصى حد، يمكن أن تنطلق أهمية إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي بالإضافة إلى الأسباب الأخرى الواردة أدناه وفي الحلقة القادمة.   
          *              *             *
يحاول هذا البحث طرح مشروع شامل لإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، بشروط علمية ونقدية محددة. ونحو التمهيد لتحقيق بعض من هذا الهدف، الواسع والطويل الأمد، سنحاول تحديد المفاهيم والمصطلحات بشكل جد مبدئي، في الحلقة الأولى، ثم سنشرح  بعض الأسباب التي تدعو لتحقيق هذا المشروع، في الحلقة الثانية.
ونحن لن ندعي بأننا سنفي هذا الموضوع حقه، من خلال هذا البحث المقتضب. ولكننا نكتفي بطرحه على بساط البحث كاقتراح فجّ، بحاجة إلى تنضيج وتوسيع من خلال دراسة أوسع وأدق، من جانب الباحثين المتخصصين في مختلف الميادين ذات العلاقة.
وهكذا فإننا سنكتفي بتقديم لمحة سريعة، عن أهمية إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، وبالتالي إعادة النظر بالتراث نفسه، كمحاولة لخلق قدر من الوعي التاريخي الناضج، لدى معظم أفراد المجتمع، وفيهم متعلمون ومثقفون كثيرون.  
ومع ذلك نحن لا يسعنا أن نعد القراء بأن ما قلناه، وما سنقوله، هو عين الصواب، بل هو مجرد رأي متواضع، خاضع لنقد القراء، الذي يرحب به الكاتب بكل سرور وامتنان، لأنه قد يـُغني البحث أو يـُعـَدِّلـُه، ليكون أكثر فائدة وجدوى.            
        
تحديد بعض المفاهيم
ملاحظة: نحدد بحثنا في" التاريخ البشري"، بوجه خاص، أي نستبعد بذلك مثلا التاريخ الطبيعي المتعلق بالحيوان والنبات، وتاريخ طبقات الأرض، وتاريخ الكون والكواكب، وغير ذلك من التواريخ.
تعريفات التاريخ البشري كثيرة ومتشعبة نستعرض بعضها باختصار شديد:
لغة: من فعل "أرَخ َ"،  الكتابَ حدد تاريخه ، وأرخ الحادث َ ونحوه: فصَّـل تاريخه وحدد وقته. وتأريخ الأمم  وغيرها ( وتسهـَّـل الهمزة)، ذكر نشأتها وتطورها وآثارها. ("الوسيط ، مادة أرخ) . وقد تكون الكلمة عربية جنوبية اعتمادا على رواية تقول أن أول من أرخ التاريخ هو" يعلي بن أمية"حين كان باليمن. فكتب إلى الخليفة عمر كتابا مؤرخا. فاستحسنه عمر وقال "هذا حسن فأرِّخو".  ويرى المستشرق جـِب(H.A.R. Gibb) أن لفظة تاريخ مشتقة من اللغة السامية القديمة التي تعني القمر أو الشهر، وقد وردت في اللغة العبرية بلفظة  "ي رخ".
اصطلاحا: يقول ابن خلدون إن التاريخ"  فنٌّ من الفنون التي تتداولُه الأمَم والأجيال، وتُشَدُّ إليه الركائبُ والرحال... إذْ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأُوَل...    ويؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، و اتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال،  وفي باطنه نظرٌ وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلمٌ بكيفيَّات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعدَّ في علومها وخليق." وهكذا افتتح ابنُ خلدون بوَّابة "علم التاريخ"، بالمعنى الحديث على مصراعيها، ولأوَّل مرَّة.
وتدل كلمة التاريخ عند سقراط على المعرفة، وعند أرسطو على جمع الوثائق. وعند بيكون هو "البحث في أحوال تاريخ البشر ووقائعهم  الماضية". وتطلق كلمة التاريخ في العصر الحديث على " العلم بما تـَعاقـَبَ على الشيء في الماضي من الأحوال المختلفة، سواء أكان ذلك الشيء ماديا أو معنويا: كتاريخ الشعب وتاريخ الأسرة وتاريخ القضاء وتاريخ العلم وتاريخ الفلسفة  إلخ . . ."
ويعرف قسطنطين زريق التاريخ بـأنه " السعي لإدراك الماضي البشري وإحيائه". ثم يُسهب ويُـجيد في تفسيره وتفصيله لهذا التعريف، بل يبرر، إلى حد بعيد، وبشكل عير مباشر، دعوتنا هذه لإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي.
ويعرفه ريمون أرون Raymond Aron، في كتابه " مدخل إلى فلسفة التاريخ" بمعناه الضيق، بأنه "علم الماضي البشري". وبمعناه الأوسع يقول إنه يعني "دراسة صيرورة le devenir الأرض والسماء والأجناس البشرية بالإضافة إلى الحضارة.(6)
ونقترح أن نميز بين مفهوم  لفظة "التاريخ" باعتباره يدل مرة على الماضي البشري ذاته،  وتارة على الجهد المبذول لمعرفة ذلك الماضي أو العلم المعني بهذا الموضوع. وقد حاول بعض الباحثين الفرنسيين التمييز بين المفهومين، بجعل لفظة Histoire  تكتب بـحرف الـ  H الكبير، لتدل على الماضي، بينما histoire  تدل على العلم المعني بالتاريخ.
                                 *              *              *
 
كذلك نرى، خلافا للتعريف الوارد في "المعجم الوسيط " الذي لا يفرق بين "التاريخ" و"التأريخ"( بالهمز)، أنه يجب أن نفرق بين المصطلحين. فالأول "اسم" يطلق على مسمى يتعلق بماض أو أصل، فتقول تاريخ أوربا أو تاريخ الأمة  العربية، أي ما كانت عليه أوروبا أو الأمة العربية من أحوال في ماضيها، القريب أو البعيد، أو تحديد أصلها وفصلها. أما لفظة "تأريخ"(بالهمز) أوروبا أو تأريخ الأمة العربية، فهي "مصدر"، وتعني عملية صناعة "التاريخ" المتعلقة بهما، بكل ما فيها من بحث في الوثائق ودراسة الآثار وتحقيقها ونقدها. كما يعني أيضا تحديد وقت الحدث أو زمانه، فتقول مثلا تأريخ  الرسالة أو الكتاب أو تأريخ الوثيقة أو الأثر التاريخي ، أي عملية تحديد  زمن الأثر أو صدور الرسالة أو الكتاب.
وهكذا، نقترح أن نميز، ربما خلافا لكثير من المؤرخين المعروفين، حسب علمنا، بين أربعة معان للفظة التاريخ، بدل معنيـَيْـنِ فقط:
الأول، هو التاريخ المعروف، كخبر عن الماضي، بقدر كبير أو قليل من الدقة والتفصيل( الخبر المحكي نفسه، أو المكتوب، أو المفترض أو المستخلص من الآثار المكتشفة ).
الثاني، هو التاريخ ذاته، أي الوقائع والأحداث كما حدثت فعلا. وكل الدلائل تشير إلى تعذر معرفة أحوال الماضي، كلما بَعـُد. فمعظم أخبار الماضي ضائعة أو غير منقولة بتمامها أو بالدقة اللازمة، لأنها مستنتجة بقدر كبير من التخمين وقليل من الثقة. ونحن إذا أردنا الدقة، لا ندري فعلا ما حدث بالضبط أمس أو اليوم في عالمنا بل في مدينتنا، لاسيما إذا كانت مدينة كبيرة، على الرغم من تطور وسائط الاتصال، فما بالك بما حدث فعلا قبل آلاف الأعوام أو أكثر! ! ونحن لا نقصد بالطبع كل ما يحدث للأفراد من شؤون يومية عادية مألوفة، بل الأحداث الهامة التي تتضمن دلالات مجتمعية معينة، أو يمكن أن تؤدي إلى نتائج لها أهميتها. ومع ذلك يمكن أن تشكل هذه الأحداث اليومية العادية المألوفة مادة خصبة للدراسات التاريخية والسوسيولوجية، خصوصا بعد مرور فترة معينة من الزمن. فنحن مثلا، نهتم جدا اليوم بالعثور، على "رقيم" طيني، يقدر عمره بـ3000 عام، يوثــِّق صفقة عادية لبيع الناتج من القمح في حقل "ألف" من الناس، إلى "باء"من الناس، في موقع مدينة "أور"، في جنوب العراق. ذلك لأننا نستخلص من  دراسة هذه الوثائق، التي كانت تعتبر عادية في وقتها، نتائج تلقي ضوءاً على العلاقات التجارية والاجتماعية، وطريقة حياة الناس وتعاملاتهم، في ذلك الزمن. خصوصا وإن المؤرخين القدماء،  لم يعتادوا التحدث عن  أساليب حياة الناس العاديين، بينما درجت المناهج التاريخية الحديثة على دراسة أحوال المجتمعات، من خلال تعقب أخبار أفرادها وعلاقاتهم المتفاعلة.          
 
والثالث، هو التأريخ (بالهمز )، وهو "عملية" دراسة التاريخ، كما ذكرناها أعلاه. فنقول مثلا نحن نسعى لإعادة كتابة "التاريخ العربي الإسلامي"، عن طريق "التأريخ" له. أي من خلال ما نقوم بـه من "عمليات وإجراءات" متعددة لاستخلاص الحقائق التاريخية، بما في ذلك البحث في المصادر المعتمدة والتنقيب في الآثار الشاخصة والمطمورة إلخ . . .   . لذلك يصح أن نقول، مثلا ،" نحن نقوم بـ "تأريخ التاريخ"،(الأول بالهمز والثاني بدونه) أي نؤرخ للتاريخ نفسه، فندرس كيف ومتى بدأت الدراسات التاريخية وجرت عمليات تدوين التاريخ أو تمحيص وقائعه، وكيف تطورت تلك الدراسات، فضلا عن دراسة وسائل البحث التاريخي التي أفضت إلى اكتشاف تاريخ هذا المجتمع أو ذاك.
والرابع، هو التسمية التي تطلق على الأعمال المكتوبة المتعلقة بتدوين التاريخ، فنقول مثلا:  تاريخ الطبري، ونقصد به كتاب "تاريخ الأمم والملوك"، الذي وضعه محمد بن جرير الطبري. كما نقول تاريخ المسعودي، لنعني كتاب" مروج الذهب ومعادن الجوهر"، لأبي الحسين علي المسعودي، أو تاريخ  الجبرتي، لنعني "تاريخ  عجائب  الآثار في التراجم والأخبار" لمؤلفه عبد الرحمن الجبرتي،   وهكذا.                                          
 
وتعقيبا على المعنى الأول والثاني، نرى أن الحدث لا يصبح حدثا تاريخيا إلا إذا عُرف، ولا يُعرف إلا إذا شُهد، ثم نقل شفويا أو تحريريا، وهكذا يتحول إلى حدث تاريخيٍّ. ولكن مع ذلك، هناك وراء كل حدث ينقل شفويا ًأو تحريريا، مئات بل ربما آلاف الأحداث الكبيرة أو الصغيرة التي لم تنقل. وهذه الأحداث المطمورة تتزايد كلما ابتعدنا عن الزمن الحاضر. وذلك لا بسبب عدم أهميتها أو خطورتها كما أسلفنا، بل لأنها لم تـُشهد أصلا أو شُهدت ولم تدون، أو شُهدت ودُوِنت، ولكن وثيقتها ضاعت. وهكذا فالتاريخ الذي نقرأه يمثل، على الأرجح، جزءا يسيرا من الحقيقة التاريخية التي حصلت بالفعل، أو جزءا من حقيقة مشوهة أو معدلة. وفي هذا السياق يقول عبد الله العروي :" كل حدث يصبح حدثا عندما يوصف، حتى بالنسبة للمعاصر، المشاهد له. ولا يتصور وصف يطابق الواقع كامل المطابقة".
 
من جهة أخرى- ونحن ما زلنا في إطار تحليل أو تفكيك التعريفين الأول والثاني- فان الخبر التاريخي يرتبط بالمؤرخ أو ناقل الخبر، أو الصحافي. وكل منهم  بشر يتأثر به وبظروفه كحدث،  وبظروفه الشخصية الخاصة، بدرجات وكيفيات مختلفة. كما يمكن أن ينقله بأشكال مختلفة تؤثر في فحواه أو مغزاه. لذلك تقع على المؤرخ المعاصر عامة والعربي خاصة، مسؤولية كبرى في تحقيق مختلف النصوص وتمحيصها ومقارنتها ونقدها، بل استقصاء نـيَّـة  المؤرخ، الظاهرة أو الخفية، أو مصدره في نقل الخبر، فضلا عن اتجاهاته وميوله ومعتقداته، لاكتشاف مدى موضوعيته وحيدته، وبالتالي،  اكتشاف ما يمكن يمكن أن يكون قد أهمله بوعي أو بغير وعي
وكمثال على ذلك، نشير إلى نقطة معينة في كتاب التاريخ المعروف بـ"فتوح البلدان" للبلاذري. ذلك أن صلات هذا المؤرخ الوثيقة بالخلفاء العباسيين ووزرائهم، أثرت في كتابته للتاريخ المعروف في تلك الحقبة.  فقد مدح المأمون وأصبح من ندماء المتوكل المقربين وتقرب من المستعين والمعتز، الذي عهد إليه بتثقيف ولده، كما يشير ياقوت الحموي في "معجم البلدان". وهكذا، مع أنه عاصر الثورة "البابكية"،بمبادئها التقدمية(إلغاء ملكية الأرض وتوزيعها على الفلاحين وتحرير المرأة  إلخ)، وهي مبادئ تتعارض تماما ومصالح الطبقة الحاكمة في الخلافة العباسية، فحاربتها مدة 22عاما؛ أقول مع أن البلاذري عاش تلك الثورة منذ  شبابه، إلا أنه أهملها في تاريخه  تقريبا، ولم يشر إليها إلا إشارة قصيرة عابرة، وأطلق على زعيمها "الكافر الخرمي"، وذلك تقربا  للعباسيين.
ولزيادة التدليل على أهمية وخطورة تدخل ناقل الخبر(باعتبار أن الخبر هو المادة الأولية الخام التي تشكل معلومة المؤرخ) في حقيقة الحدث ذاته، يمكن أن نأتي بأمثلة عديدة تتعلق بطريقة نقل الأخبار في العصر الحديث، الذي من المفترض أن يكون أكثر العصور صراحة ومصداقية ودقة وموضوعية، انطلاقا من توفر الإمكانات المادية والتقنية، واختصار المسافات، وتقارب أصقاع المعمورة، التي أصبحت توصف بالقرية الصغيرة.  لكننا  نكتفي بإيراد مثال واحد، نـُذكـِّر فيه بالفروق، الصغيرة أو الكبيرة أحيانا، بين طريقة نقل الخبر من جانب فضائية "الجزيرة"، في قطر، ونقله من جانب محطة الـ"سي  أين أين"  CNN أو محطة "فوكس" Fox N، الأمريكيتين، لاسيما إذا تعلق الخبر بقضية الصراع العربي الإسرائيلي والمنطقة العربية عامة. وهنا تتدخل الخلافات السياسية والأيديولوجية والمصلحية، بين الطرفين اللذين ينقلان الخبر. وهذا ما يحدث في الغالب.   
وفي نفس السياق أيضا، يذهب الشاعر والمؤرخ العراقي معروف الرصافي، إلى الحد الأقصى، فيقول إنه بعد أن "كان يكتب للتاريخ ويحسب له حسابا ويجعل له منزلة.  . . " يستحقها، أنضجته الأيام بحوادثها فأحالته من حال إلى حال. ويضيف:"وكذلك فعلت بي الأيام حتى أصبحت لا أقيم  للتاريخ وزنا ً ولا أحسب له حسابا ً لأني رأيته بيت الكذب ومناخ الضَلال ومتشجم أهواء الناس، إذا نظرت فيه كنت كأني منه في كثبان من رمال الأباطيل قد تغلغلت فيه(الأصح أن يقول الكاتب:"فيها"، لا"فيه") ذرات ضئيلة من شذور الحقيقة فيتعذر أو يتعسر على المرء أن يستخلص من طيس أباطيله ذرات شذور الحقيقة". وقد عـبَّر عن ذلك في  قصيدة طويلة بعنوان "ضَلال التاريخ"( بالفتح)  قال فيها:
وما كـُـتـُب التاريخ في كل مـــا روت           لقرائها   إلا     حديث ٌ   مُـلـَـفـَقُ           
نظرنا  لأمــر  الحـــاضرين   فرابنا           فكيف  بأمــــر الغابرين  نـُصدِّقُ
وما  صدَّقـتنا  فــــي الحقائق   أعينٌ            فكيف  إذن فيهن  يصدق مُهْرَقُ ؟
وهل قد خَصَصْنا دون مَن ماتَ قبلنا           بخبث السجايا؟  شـَدَّ  ما نـَتـَحَمَقُ
(
المهرق، بصيغة المفعول، الصحيفة، أي النص التاريخي
 
وهذه النقطة الأخيرة بالذات، حتى إذا بالغ في وصفها الرصافي، تشكل أحد الأسباب المهمة التي تبرر الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، كما تنقلنا إلى التساؤل التالي:                  
ماذا نعني بإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي؟

نقصد بإعادة كتابة ذلك التاريخ، في بحثنا هذا، السعي لإعادة النظر في ماضي المجتمع العربي الإسلامي وسبره، في مختلف مظاهره وتطوراته وملابساته، وعلاقات تلك المظاهر بعضها ببعض، بغية إدراك ذلك الماضي وتفهمه، لا كما نتوهم أنه كان أو كما يجب أن يكون، أو كما نأمل أن يكون، أو كما نقله المؤرخون العرب أو الأجانب؛ بل بغية السعي لتفهمه، أو التقرب منه، كما كان فعلا، قدر الإمكان. أو بالأحرى، نقصد بذلك النظر إلى ماضينا بعيوننا نحن الأحياء، لا بعيون الأموات، الذين قضوا قبل مئات الأعوام أو أكثر . على أن نحاول ذلك باستخدام أفضل المناهج البحثية والنقدية الحديثة ، للتعمق في اكتناه أقصى أبعاد الماضي  وجميعها، قدر الإمكان، بغية الوصول إلى أرجح الحقائق المتعلقة بالأحداث والأشياء والأشخاص، البارزين و العاديين أو المهمَّـشين، وظروفهم المعيشية والبيئية، الطبيعية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وعلاقاتهم بين بعضهم والبعض الآخر، أو علاقاتهم بحكامهم ورؤسائهم،   إلخ . . .، وذلك عن طريق استئناف النظر والتحقيق والتدقيق، في أكبر عدد ممكن من الوثائق والمحفوظات والآثار المتاحة.
 
ونؤكد هنا على أهمية دراسة الفترات المهمَّـشة، أو المهملة، من التاريخ العربي الإسلامي.
 
ومن الفترات المهمة الجديرة بالعناية والتحليل، نذكر الفترة التي سبقت ظهور الإسلام، التي لم تـُعْـنَ بها  الدراسات التاريخية الإسلامية القديمة على نحو كاف، ولم تنظر إليها  بنظرة موضوعية. وقد أشير إلى هذه الفترة في القرآن الكريم، حيث أطلق عليها مصطلح "الجاهلية"("أفحكم الجاهلية يبغون" المائدة 50). وذلك لأن ظهور الإسلام يعتبر ثورة على مفاهيم وقيم ومعايير ذلك العصر "الجاهلي". ويقصد بهذه الصفة بالإضافة إلى الجهل، الفوضى  سياسيا،  واجتماعيا، لعدم وجود سلطة مركزية.
ولكن ذلك لا يمنع من دراسة تلك الفترة، بل يؤكد الحاجة إلى الإمعان في دراستها، لأننا نرى أن بعض جذور"العقل المجتمعي العربي المعاصر" كامنة فيها، إلى حد بعيد. بل نحن عرضنا رأيا مفاده أن العرب ما برحوا متمسكين بالعديد من القيم الجاهلية، وخصوصا العشائرية(البدوية)، التي حاربها الإسلام. ومن جملة المظاهر التي تؤيد هذا الرأي، التركيبة الاجتماعية السائدة في معظم البلدان العربية، وخصوصا  في بلدان الخليج، فضلا عن الصراع القائم في العراق اليوم بين السنة والشيعة، الذي تعود جذوره البعيدة والعميقة، برأينا، إلى صراع قـَبَليٍّ، بين الهاشميين والأمويين، كان قائما قبل الإسلام، تجلى بعد وفاة الرسول في الصراع على الخلافة، لاسيما بعد مقتل الخليفة عثمان. وقد أطلق د.طه حسين على هذا الصراع بحق" الفتنة الكبرى".
هذا الصراع  القبلي الذي تعود أصوله إلى ما يزيد على  أربعة عشر قرنا، والذي أسفر عن الحرب الأهلية التي اشتعلت في العراق ، يهدد باندلاع  صراعات أخرى وربما حروب أهلية(لبنان)، يمكن أن تؤدي إلى تدخل دول الجوار، الأمر الذي قد يسفر عن إشعال المنطقة، القلقة أصلا، بكاملها.
وفي هذا السياق، طرحنا، في كتابنا" أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي"،فرضية مفادها أن العرب لم يمروا بمرحلة الزراعة على نحو يكفي لمحو القيم البدوية، التي كانت سائدة، إلى حد بعيد، في العصر الجاهلي. وقد شرحنا أهمية المرور بهذه المرحلة، ولماذا تخلف العرب بوجه عام عن المرور بها، في عدد من البحوث التكميلية .        
وفي إطار المقصود بإعادة بحث التاريخ العربي الإسلامي أيضا، نرى أهمية دراسة الفترة المظلمة الأخيرة التي استمرت  قرابة ستة قرون. ومع توفر بعض الدراسات المهمة في تاريخ العرب قبل الإسلام،(مثل كتاب د. جواد علي، الموسوعي)، ولكن الدراسات المتعلقة بفترة الانحطاط  تكاد تكون نادرة، على حد علمي. بينما نحن نعتبر هذه الفترة ذات تأثير كبير في تكوين "العقل المجتمعي العربي" المعاصر. ذلك لأننا نرى أن العرب المعاصرين ليسوا ورثة الحضارة العربية الإسلامية، بقدر ما هم  ورثة عصر الانحطاط الأخير هذا، لأنهم يتصلون به بشكل مباشر، بما أنه الأقرب إليهم والأفعل في عقولهم وكيانهم. وهكذا فإن "العقل المجتمعي" العربي المسيطر حاليا هو المتأثر في المقام الأول بعصر الانحطاط. هذا العقل المجتمعي الذي فرض على الفرد العادي ما أسميناه "العقل المنفعل" به ، أي المنفعل بالعقل المجتمعي. وهكذا أصبحنا مقلدين لا مبدعين إما للسلف، أو "لـلآخر".  الأمر الذي أدى إلى إخفاقنا في الوصول إلى تفعيل " العقل الفاعل" المبدِع والمبتكِر، بغية الإسهام في إنتاج الحضارة، وليس مجرد استهلاك منتجاتها الجاهزة.   
ونستدرك فنقول إن بعض النقاط التي وردت أعلاه تتداخل مع الأسباب التي تدعو لإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، التي سنبحثه بالتفصيل في الحلقة القادمة
واعترافا بالفضل، لابد أن نشير أخيرا إلى بعض المحاولات التي أسهمت جزئيا  في إعادة النظر في التاريخ العربي الإسلامي، بوجه عام. ونذكر منها، على سبيل المثال، العمل الفردي المتميز الذي قام به الأستاذ أحمد أمين في موسوعته التاريخية: "فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام". كذلك ننوه بالجهد القيم الذي قام به المفكر محمد عابد الجابري، في سلسلة أعماله المتعلقة بالتراث والحداثة، ورباعيته في "نقد العقل العربي"(تكوين العقل العربي، بنية العقل العربي، العقل السياسي العربي، العقل الأخلاقي العربي). كما  لن نغفل سلسلة كتب حسن حنفي(من العقيدة إلى الثورة مثلا)، وسلسلة أعمال محمد أركون، في دراسة التاريخ العربي الإسلامي وتحليله ، ومجموعة "مفاهيم" عبد الله العروي، وبرهان الدين دلو، في كتابه"مساهمة في إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي"، وغيرهم. كما يقدم لنا طه حسين مثالا جديرا بالاعتبار، فيما يتعلق بالنقد التاريخي، في كتابه"في الشعر الجاهلي". كذلك تقتضي الأمانة العلمية  التنويه ببعض من دراسات المؤرخين الأجانب المنصفين،المحققين، والموضوعيين، في  محاولاتهم في كتابة التاريخ العربي الإسلامي، مما قد يشكل تحديا لكتابنا ومؤرخينا لإعادة كتابة تاريخنا بشكل أفضل.   
كذلك ننوه بشكل خاص بالعمل العظيم الذي أنجزه المؤرخ العراقي جواد علي، في مؤلفه المتميز " المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، في عشرة  مجلدات ضخمة
ومع تقديرنا لمختلف هذه المحاولات التي تتعرض للتاريخ العربي الإسلامي بكفاءة عالية أحيانا، فإن جميع هذه الدراسات الفردية القيمة لا ترقى إلى ما ندعو إليه. خصوصا وأن هذه الدراسات تتناول جوانب معينة فقط من التاريخ العربي الإسلامي. كما أنها تنطلق ابتداء، في الغالب، من الأعمال التاريخية التي وضعها المؤرخون المسلمون في عصر التدوين، الذي بدأ منذ  منتصف القرن الهجري الثاني ، وهي أعمال يجب أن تخضع، هي نفسها، للنقد والتمحيص، لأنها كتبت بعقلية ذلك الزمن وخضعت لظروفه السياسية وموجباته الاجتماعية . ومن جهة أخرى، فإن معظم هذه الدراسات الحديثة، يتحاشى الدخول في مناقشة القضايا الحساسة المتعلقة بتاريخ الإسلام العقائدي. لأسباب معروفة. كما يتطرق القليل من الباحثين إلى مسألة نقد النصوص والوثائق بما فيها الآثار والرُقم المكتشفة، أو التي ما تزال بحاجة إلى بحث واستكشاف، خصوصا في مناطق كثيرة من شبه الجزيرة العربية، التي ما زالت بـِكرا لم تمس تقريبا.         
وهكذا فإن هدفنا من هذا البحث، هو الدعوة لتأسيس عمل جماعي منظم،  يقوم به فريق من المثقفين والمتخصصين العرب داخل الوطن العربي و/ أو خارجه. مع تحفظنا بشأن صعوبة  تطبيق ذلك في مجتمع حافل بالقيود الرسمية والأدبية والأخلاقية، أي موجبات "العقل المجتمعي" ومسلماته العقائدية الثابتة، التي تعيق تطلعات المؤرخ الحر لاكتشاف الحقائق، مهما كانت قاسية، وتمنع استخدام"العقل الفاعل"، بدل الخضوع لـ "العقل المنفعل". وإذا أمكن التغلب على هذه العقبات، يمكن أن يقوم هذا الفريق بتحقيق ما يلي  :
أولا، الاتفاق على  وضع قواعد مناهج البحث، الأكثر اتباعا أو اعتبارا، لتحديد إجراءات البحث والتنقيب ونقد النصوص التاريخية  والآثار المتوفرة وتفسيرها.
ثانيا، وفي إطار نقد النصوص التاريخية وتفسيرها، يضطلع الفريق باستنطاق النصوص المتاحة لاستكشاف ما وراء المعنى الظاهر للنص أو المعنى المسكوت عنه، الذي ينبئ بدوره عن مغزى أعمق وأبعد وربما "حقائق" أنضج. ومن المؤكد أن تظل هذه "الحقائق" موضعا للنقاش واختلاف الآراء، ومع ذلك فإن إتاحتها للقارئ والباحث تشكل ثروة فكرية كبيرة.     
  
ثالثا، وضع ِ تاريخ موثــَّق، أساسي شامل ومتكامل، لأربع فترات رئيسية: فترة ما قبل الإسلام، وفترة انبثاق الإسلام والحضارة العربية الإسلامية، والفترة المظلمة، وفترة النهضة العربية خلال القرنين الأخيرين. وسيشكل هذه التاريخ مرجعا جامعا ثرَّا للدارسين: الأساتذة والمفكرين والطلاب والباحثين.
وسيحتاج هذا الفريق، على ما أظن ، إلى جرد جميع، أو معظم، النصوص التاريخية المنشورة والمتعلقة بالتاريخ العربي الإسلامي، بمختلف اللغات. وربما سيحتاج أيضا إلى استكمالها بالمخطوطات العربية الكثيرة، غير المطبوعة، المنتشرة في مختلف أرجاء العالم . والتي ما زالت تنتظر الخروج إلى النور. ونؤكد بوجه خاص على تلك التي صورها ووثقها" معهد المخطوطات العربية"التابع لـ"المنظمة العربية للتربية الثقافة والعلوم"،  فضلا عن المخطوطات الأخرى التي يقدرها الدكتور خالد عزب بثلاثة ملايين مخطوطة، منتشرة في  العديد من المكتبات العامة والخاصة والمساجد والمؤسسات الثقافية. كما نشير بكل أسف إلى المحفوظات والمخطوطات الثمينة التي كانت موجودة  في "دور الوثائق  العراقية" ومنها مكتبة المتحف العراقي والمكتبة الوطنية ومكتبة المجمع العلمي العراقي، والتي تعرضت للنهب والحرق بعد احتلال بغداد في عام 2003.وأخيرا، وليس آخرا ، نشير إلى المجموعة التاريخية الكبيرة التي وفرتها موسوعة المعرفةwww.marefa.org  لقرائها والتي تقدر بقرابة مليونين ونصف صفحة من الكتب القديمة المخطوطة والمطبوعة.   
 
وعودة إلى مسألة إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، نشير باهتمام إلى أن المفكر محمد عابد الجابري قد قام منذ فترة طويلة، ومن خلال مؤلفاته المتعددة في التراث والحداثة ونقد العقل العربي، وغيرها، بالدعوة إلى تدشين عصر تدوين جديد، أسوة بعصر التدوين العربي الإسلامي الذي بدأ في منتصف القرن الهجري الثاني، والذي أسس دعائم وقوائم العقل العربي حتى العصر الحديث. كما دعا إلى إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي، في نفس الإطار.وسنتحدث باختصار عن رأيه في هذه النقطة في الحلقة الثانية.                    
خلاصة
تعرضنا في مقدمة هذه الحلقة إلى أهمية الوعي بالتغيير والتطور، وذلك انطلاقا مما نلاحظه  ونلمسه من تغيرات سريعة تجري في العالم، لاسيما على صعيد التقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي، وما يتبع كل ذلك من تغيرات على الصعيد الاجتماعي والفكري. وإذ تتوالى هذه التغيرات وتتزايد سرعة ووتيرة، نجد أنفسنا  نحن العرب في حالة ركود أو جمود، أو بالأحرى في حالة نكوص إلى الماضي، نتوكأ عليه، لتبرير عجزنا عن مواكبة  المسيرة الحضارية  الصاعدةلذلك  لم تتغير نظرتنا إلى التاريخ، بسبب هذا الجمود.  وهكذا نجد أنفسنا  في وسط حلقة مفرغة. فالجمود يؤدي إلى نظرة جامدة في كل شيء، بما في ذلك  تاريخنا. وهذه النظرة الجامدة تؤدي إلى زيادة جمودنا، وبالتالي تخلفنا.     
وكمحاولة متواضعة لحلحلة هذه الحلقة(الدور) أو كسرها،  رأينا أن يبدأ المثقفون العرب، بين أمور أخرى، بإعادة النظر في مفهومنا للتاريخ بوجه عام، من خلال إعادة النظر بتاريخنا، بعيوننا نحن الأحياء وليس بعيون الأموات. وذلك تمهيدا لخلق وعي تاريخي لدى عامة الناس، وبالتالي تغيير نظرتهم الجامدة للتاريخ، بغية تحريك هذه المياه الساكنة بل الآسنة، وتحويلها إلى مجار سائرة وشلالات هادرة.
وهكذا شرعنا في بحثنا هذا بتحديد مفهوم التاريخ وتعريفاته المتعددة ومفاهيمه الأربعة، ثم عرجنا على شرح ما نقصده بإعادة كتابة التاريخ  العربي الإسلامي. وسنفصل في الحلقة القادمة أهم  الأسباب التي تدعونا لإعادة النظر  بهذا التاريخ.
      

 

إضافة تعليق

2 + 15 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.