محمد الماغوط: الشعر كيان يأبى التدجين

تذكرنا حكاية الماغوط (1934 – 2006) مع الشعر بحكاية مشهورة عن أحد الشخوص (مسيو جوردان) في مسرحية «البورجوازي النبيل» لموليير (1669)، تقول تلك الحكاية النادرة: إن مسيو جوردان أراد أن يكتب رسالة غرامية لحبيبته، ولأنه لا يجيد الكتابة طلب من صديقه أن يكتب الرسالة بالنيابة عنه، وأن يتأنق في ما يكتب. فسأله صديقه هذا أتريدها شعرا أم نثرا؟ فتعجب جوردان، وقال: أنا لا أعرف الفرق بين الشعر والنثر. فقال له صديقه: الشعر كلام موزون وله قواف، أما النثر فهو كلام عادي كالذي تقوله أنت. فدهش الرجل، وأخذ يردد ضاحكا إذن أنا أتكلم النثر طيلة عمري ولا أعرف، يا لي إذن من أحمق، أقول نثرا ولا أعرف.
وفي سجن المزة في دمشق اتفق لمحمد الماغوط أن سجن في زنزانة مجاورة لزنزانة علي أحمد سعيد أسبر (أدونيس) في تلك الأثناء كتب الماغوط شيئا على ورق التبغ بعنوان (القتل) ثم هربها إلى أدونيس الذي قال عندما قرأها هذا شعرٌ. وفي حواره مع خليل صويلح الذي جرت استعادته بعد وفاته بسنوات، وقام المحاور بتبويبه ونشره في كتاب بعنوان محمد الماغوط – حوارات (دار خطوط وظلال ـ عمان 2021) يقول عن هذه القصيدة: لم أكن أعلم أنها شعر، كنت أكتب معاناتي في السجن فحسب، كتبتها على ورق التبغ في السجن، وهربتها إلى الخارج، وحين وقعت بين يدي أدونيس قال هذا شعر. قلت له هل أنت متأكد مما تقول؟ أجاب: نعم.
هكذا اكتشف الماغوط منذ ذلك الحين أنه شاعر دون أن يدري، وكانت تلك هي البداية أو الشرارة التي أضرمت النار في بيدر الهشيم الجاف. في مجلس ضمه مع عدد من الشعراء أمثال: يوسف الخال، وأنسي الحاج، وأحد الأخوين رحباني، وفيروز، قرأ أدونيس القصيدة إياها دون أن يسمي الشاعر تاركا المستمعين يخمنون: فهل هذه القصيدة لبودلير؟ أم إنها لرامبو؟ لكن أدونيس ما لبث حتى أشار بيده للماغوط قائلا: هذا هو الشاعر.
ولد الماغوط – الذي ذاعت شهرته، وانتشر ذكره في العالم العربي، على الرغم من أنه لم يكن طالب شهرة، ولا سعى لها كسعي الآخرين – في بلدة سلمية في 12 ديسمبر/كانون الأول عام 1934 التي يصفها بالقرية حينئذ. وأسرته كانت تعاني أقصى درجات الفقر. وفي سن الرابعة عشرة غادرها إلى دمشق حاملا على منكبيه- مثلما يقول- أعباء ثقالا، هي مزيج من الجوع والفقر والحزن والرفض. وقد عرفته في تلك الأثناء غرف صغيرة بسقوف واطئة، وأبواب قميئة، وفضاءات محدودة الاتساع، في كل من باب توما، وأبو رمانة، وعين الكرش. مثلما عرفته في تلك الأثناء مقهى الشام، ومقهى أبو شفيق في الربوة. اعتقل أول مرة عام 1955 على خلفية علاقته بالحزب السوري القومي، واغتيال المالكي، ثم اعتقل ثانية عام 1956 واستضافه المعتقل في المزة مرة ثالثة عام 1961 وفي هذه المرة أمضى ثلاثة أشهر.
القصيدة الأولى
بعد ذلك لُفقت له – مثلما يشير في الحوار – إضبارة أمنية، وغدا محسوبا على المعارضة في جل العهود السياسية التي مرت بدمشق، في زمن الوحدة مع مصر، وفي زمن الانفصال، وفي زمن البعث. أما عن حكايته مع النشر، وأول قصيدة نشرها، فتذكرنا بالكثير من نوادر الأدباء، وقصصهم المثيرة مع أول عمل نشروه. سمعت من المرحوم إحسان عباس (1920- 2003) أنه عندما تواصل لأول مرة مع «الرسالة» وهي مجلة مصرية يشرف عليها الأديب اللامع في حينه أحمد حسن الزيات (1885- 1968) أرسل إليهم مقالا عن ديوان أحد شعراء الأندلس، فتلقى بعد أسابيع رسالة من رئيس التحرير يثني فيها على المقال، ويعده بنشره طالبا بعض التصويبات. قال: وكانت صيغة الخطاب في رسالة الزيات توحي بأن رئيس التحرير يظن الكاتب فتاة، أو سيدة، ولا شك في أنه كان يظنها بارعة الحسن، نادرة الجمال، فرد على الخطاب منبها رئيس التحرير إلى ما توهمه من أن إحسان كاتبة لا كاتب. قال المرحوم إحسان عباس: ولهذا لم ينشر المقال.
والماغوط عندما حاول نشر أولى قصائده توجه إلى «الآداب» التي كانت في ذلك الحين من أكثر المجلات انتشارا، ومن أعلاها منزلة بين المجلات، وكان كتّاب المجلة أكثرهم من حملة الدكتوراه، فما كان من الماغوط إلا أن قدم لاسمه بكلمة دكتور. ونشرت القصيدة منسوبة للدكتور محمد الماغوط. مع أنه لم يظفر طوال حياته بما هو أعلى من شهادة الابتدائية. حين نشرت القصيدة وقع بصر مأمور البلدية عليها، وكان شاعرا يراسل المجلة من زمن طويل، دون أن تنشر له مما يبعث به بيتا واحدا. تعجَّب المأمور: ومن هو الدكتور محمد الماغوط ؟ فرد عليه أحد وجهاء البلدة: لا هو دكتور ولا ما يحزنون. مجرد فلاح تشققت قدماه من العمل في الأرض.
إحدى المراحل المهمة، والمحطات الرئيسة في حياة الماغوط، وتجاربه الأدبية إن كان الأمر على مستوى المسرح أو الرواية أو المقالات، تلك التي تبدأ بمغادرته إلى بيروت. ففيها تعرف إلى عدد من الشعراء من بينهم بدر شاكر السياب (1926- 1964) فقد جمع بينهما الحزن والأسى وتعاسة الحظ والفقر. وأنسي الحاج، وفؤاد رفقة، وآخرين. تضاف إلى ذلك اللقاءات المنتظمة في منزل يوسف الخال (1916- 1987) في رأس بيروت مع جماعة مجلة «شعر» وهي ندوة تسهم فيها أسماء لامعة في حينه، وتقرأ فيها القصائد، وتناقش، وتدار الأحاديث على ذكر إزرا باوند، وت. س. إليوت، وسوزان برنار، وغيرهم من كبار شعراء العصر وأدبائه. وفي سؤال عما إذا كان الماغوط قد تعمد الاقتراب من مجلة «شعر» يردّ قائلا: أنا لم أذهب إلى المجلة، هي التي جاءت إليّ، لا لأسباب ثقافية أو مذهبية، وإنما لسبب بسيط جدا، وهو أنني لم أكن أمتلك أجرة التاكسي لأذهب من مكان سكني إلى رأس بيروت. ونظرا للفارق بين مستوى الماغوط الاقتصادي ومستوى الآخرين ممن يلتقون في منزل الخال، سرعان ما دبّ الخلاف، وتعمق الشقاق، ما دفع به دفعا للانصراف عن هذه الجماعة، والوقوف على نقيض منها. فالجماعة كانوا يكتبون في المطلق، وأنا حاولت أن أجرهم من شعورهم إلى الأرض بكل ما فيها من أرصفةٍ، وحطام وتشريد. بقيت مع ذلك طارئا كالضيف على الطرف القصي من المائدة. وافترقنا لأنني شاعر أزقة لا شاعر قصور. قبل ذلك علمتهم التسكع على الأرصفة، وفي الطرقات تحت المطر. أنا فتحت ثغرة في الجدار الأصم.
لا وقت لديّ للبحث عن القوافي
وعن التجربة الشعرية يقول الماغوط: الشعر في رأيي كائن حرٌّ، ومتوحشٌ، يتأبى على التدجين، مثلما يتأبى على السجون. لا يمكن أن نعتقل القصيدة في الوزن، والقافية، والروي. هذه قيود، والشاعر الموهوب لا وقت لديه كي يبحث عن قافية أو رويّ. وبما أنني لا أجيد التنظير كأدونيس، الذي يتمتع بخبرة مهندس زراعي يتقن تنسيق الحدائق، ولديه دراية بفنون البسْتنة، فإنني لا أجنح للتنظير. ولا أكترث في ما إذا كانت قصيدة النثر هي خياري الوحيد أم لان أو إنني رائد هذا الصنف من الشعر دون غيري . فجميع ما كتبت من «حزن في ضوء القمر» مرورا بـ»غرفة بملايين الجدران» و»الفرح ليس مهنتي» إلى آخر هذا العطاء، كلُّهُ تجربة واحدة تنبثق من معاناتي، وليس من التنظير الذي لا أجيده.
الماغوط من الذاكرة
في هذا الكتاب الذي روى لنا في مقدمته خليل صويلح كيف أجرى مع الماغوط في منزله أوائل تسعينيات القرن الماضي، وكان قد اعتاد رفض الحوار، فما كان من المحاور إلا أن غافل الشاعر ووضع جهازا صغيرا للتسجيل واراهُ تحت المائدة، التي اصطفت فوقها الكؤوس، ومنافض السجائر، وبعض الصحف والجرائد المقروءة. ودار الحوار والماغوط لا يعلم بجهاز التسجيل الخفي. لكن الماغوط، في نهاية المطاف، اكتشف اللعبة، وصادر الشريط، وأفسده بحيث لا يمكن استخدامه. ومضت سنوات، وبعيد أن توفي الماغوط في 2006 حاول مقدم الكتاب استعادة الحوار، وعندما لم يجد سبيلا لذلك عمد إلى الذاكرة، فاستعاده شيئا فشيئا مع الحرص على مطابقته لذلك الذي تم تسجيله، ولو أن هذا غير يسير بالطبع. ويذكر أن للماغوط عدا دواوينه المذكورة ست مسرحيات، أولاها «ضيعة تشرين» والأخيرة بعنوان «المهرج». وألف سيناريو لفيلمين هما «الحدود» و»التقرير». وكتب رواية بعنوان «الأرجوحة». وله مصنفات أخرى منها «سأخون وطني» وهو مقالات، و»سياف الزهور» و»البدوي الأحمر» وغيرها الكثير. وكان قد تزوج من الشاعرة سنية صالح، التي تأثر كثيرا لوفاتها في عام 1985 . ويذكر أن الماغوط فاز بجائزة سلطان العويس عن الشعر 2005.

إضافة تعليق