مداخلة هاني رزق في أثناء البث المباشر لبرنامج «الشريعة والحياة»

تقوم الداروينية الأصل [كما وردت في كتاب «حول أصل الأنواع» الذي نشر عام 1859، وكتابات «داروين» Charles Darwin (1809-1882) الأخرى] على أربع ركائز (دعائم):
- تفصيل شرح اشتقاق الأنواع من بعضها البعض، والانتقاء الطبيعي.2
- التنافس من أجل البقاء، وبقاء الأصلح.
3- العشوائية الكلية لسيرورة التطور ونشوء الأنواع بوساطة الانتقاء الطبيعي (هذه الركيزة وما يتعلق بها لم ترد في المداخلة لضيق الوقت).
4- إرجاع أصل الإنسان إلى القردة.
أتى أنصار الداروينية الأصل في النصف الأول من القرن الماضي بنظرية «الداروينية الحديثة» neodarwinism، التي تفسر اشتقاق الأنواع، والحيوانية منها خاصة، من بعضها البعض نتيجة تراكم الطفرات الجينية في النوع السلف، حيث أن الجينات وطفراتها عُرفت فقط في الربع الأول من ذلك القرن (عام 1915 تقريباً).
كما أن الداروينين المحدثين أعادوا أصل الإنسان وأصل القردة إلى جذع تطوري مشترك.
- في مايتعلق بالركيزة الأولى (اشتقاق الأنواع من بعضها البعض، حقيقة راسخة لا لبس فيها، ويقوم عليها التطور)، فلقد وردت في كتابات كثيرين قبل «داروين»، نذكر منهم على سبيل القصر لا الحصر: كتابات «الجاحظ»، وبخاصة كتابه «علم الحيوان»، ورسائل «إخوان الصفا»، وكتابات «ابن خلدون».
- في ما يتعلق بالركيزة الثانية (التنافس من أجل البقاء والانتقاء الطبيعي)، فلقد ورد موضوع التنافس من أجل البقاء في كتابات عالم الاقتصاد الإنكليزي «توماس روبرت مالثوس» Thomas Robert Malthus (1766-1834)، الذي أوضح أن أعداد أفراد الأنواع الحيوانية تتزايد باستمرار في حين أن كمية الغذاء في الطبيعة ثابتة تقريباً، فالأنواع إذاً تتنافس في ما بينها على هذه الكمية شبه المحدودة، ويكون البقاء إذاً للنوع الأصلح؛ أي الأكثر تلاؤماً مع بيئته (الأكثر انتهازية والأقل مبدئية بالمفهوم الاجتماعي للإنسان
- استنتاج إضافي لـ «هاني رزق» لم يرد في المداخلة).
أمَّا في ما يتعلق بالانتقاء الطبيعي natural selection، فلقد ورد في كتابات عالم الطبيعة الإنكليزي أيضاً «آلفرد راسل والاس» Alfres Russel Wallace (1823-1913)، الذي اعتبر الانتقاء الطبيعي «عقيدة» في تطور الأنواع.
- في ما يتعلق بالركيزة الثالثة (العشوائية الكلية لسيرورة التطور ونشوء الأنواع بوساطة الانتقاء الطبيعي)، فلقد تم إيضاح هذه العشوائية بالتساؤل التالي: كيف يمكن لجزيء بروتيني ما (تشكل البروتينات خصائصنا كلها، من الشكل، إلى قامة الجسم، إلى الحركة، إلى الرؤية، إلى التفكير، وهلمَّ جرَّا.
يوجد في جسمنا ما يقرب من 200 ألف نوع من البروتين. يتألف كل جزيء بروتيني من تكوثر عدد محدد من الحموض الأمينية – عددها عشرون في الطبيعة – فالأنسولين البشري مثلاً يتألف من 51 حمضاً أمينياً يرتبط فيه الحمض بالآخر، وجزيء الأنسولين هو جزيء بروتيني صغير نسبياً. ويتألف بروتين بياض البيض من 670 حمضاً أمينياً). كيف يمكن إذاً لجزيء بروتيني ما أن يحقق بدءاً من مجموع أشكاله الخطية غير المنثنية المحتملة شكلاً فراغياً متفرداً يمثل بنيته الوظيفية ثلاثية الأبعاد الواطنة (الطبيعية)؟
إن العشوائية الاحتمالية تقتضي أن كل الأشكال الفراغية الممكنة قد تم تجريبها في الطبيعة حتى أمكن الوصول إلى البنية الفراغية الوظيفية الأكثر ملاءمة من حيث طاقة هذا الجزيء.
ولكن ما هي المدة التي انقضت حتى وجد هذا الجزيء شكله الفراغي ثلاثي الأبعاد الوظيفي الواطن (الطبيعي).
لتبسيط الأمر، نعتبر أنه يوجد لدينا جزيء بروتيني يتألف من مئة حمض أميني فقط. فإذا كان لكل حمض من هذه الحموض المئة ثلاثة أشكال فراغية محتملة فقط، فإن المجموع الكلي للبِنى البروتينية الممكنة لهذا الجزيء هو رقم 3 (من ثلاثة أشكال فراغية محتملة) مرفوع إلى الأس (القوة) مئة (مئة حمض أميني)؛ أي 1003، ويعادل هذا الرقم 5×4710. فإذا احتاج الانتقال من شكل من الأشكال الفراغية الثلاثة لكل حمض إلى الشكل الآخر مدة 1×10-13 ثانية (أي جزء من عشرة آلاف مليار جزء من الثانية)، فإن المدة التي يجب أن تنقضي حتى يجد هذا الجزيء شكله الفراغي الوظيفي هي إذاً: 5×4710× 1×10-13= 5×10 34 ثانية، أو 1.6× 2710 عاماً؛ أي 1.6 مليار مليار مليار عام. (إن هذه المدة هي لبروتين صغير نسبياً، فما بالك ببروتين جزيئه متوسط الضخامة كبروتين بياض البيض وبنشوء الحياة نفسها؟).
إن عمر الكون منذ حدوث الانفجار الأعظم حتى الآن هو 13.7×910 عاماً؛ أي 13.7 مليار عام فقط!ولإيجاد سبيل «منطقي» للخروج من هذا المأذق، أتى Richard Dawkins مُنَظّر التطور الذائع الصيت المعاصر في كتابه «صانع الساعات الأعمى» «Blind Watchmaker» بالحل التالي، الذي بدأه بالتساؤل: ما هي المدة التي يحتاجها النسناس monkey (قرد صغير الحجم) وهو يضرب (ينقر) بأصابعه عشوائياً مفاتيح الآلة الكاتبة ليصل إلى الملاحظة التي وجهها hamletإلى Polonius: Methinks is it like a weasel;
أي "يبدو لي أنه يشبه ابن عرس " سيتطلب الأمر رقماً فلكياُ من الضربات . لكن Dawkins سرعان ما يضيف : لنفترض أننا احتفظنا في كل مرة بالحرف الصحيح من الجملة وسمحنا للنسناس أن يعيد طباعة الأحرف الخطأ فقط، فإنه (أي النسناس) سيحتاج فقط إلى آلاف قليلة من الضربات. - إن هذا يعني أن النسناس، باحتفاظه بالأحرف الصحيحة، «يدرك» أن هدفه كتابة جملة «شكسبير». فهنالك توجه واضح نحو الوصول إلى هذا الهدف. إن هذا بحد ذاته ينفي كلياً العشوائية. وبطبيعة الحال، فإن انثناء الجزيء البروتيني ليحقق شكله الفراغي ثلاثي الأبعاد الوظيفي (الواطن) أعقد بكثير من مثال القرد الذي يحاول أن يكتب جملة «شكسبير». إنه يتعلق أيضاً بترموديناميك الجملة (الجزيء)؟ إن ملاحظة Dawkins تنتهي إلى الاعتراف ضمنياً أن سيرورات التطور (نشوء الأنواع وارتقائها) كانت موجهة نحو هدف محدد. - في ما يتعلق بالركيزة الرابعة (الإنسان والقردة فرعان تطوريان انبثقا من جذع مشترك واحد، كما يرى الداروينيون المحدثون)، فإن الدراسة المقارنة للجينوم البشري وجينوم الشمبانزي (أكثر الكائنات الحية قرباً تطورياً إلى الإنسان)، لم تؤيد هذا النمط من الاستنتاج. وعلى العكس تماماً، فإن البيولوجيين الجزيئيين فوجئوا بأن الجينومين أكثر تباعداً بكثير مما كانوا يتوقعون [انظر: «رزق هاني»، «الجينوم البشري وأخلاقياته»، دار الفكر، دمشق (2007)، الصفحات 447-442، المرجع 1]. كما هو معروف، فإن الإنسان (خليفة الله في الأرض) يتصف بأربع خصائص تشريحية – فيزيولوجية؛ لا توجد في أي كائن آخر، وهي: 1- انتصاب القامة وتحرر الطرفين العلويين. 2- تقابل إبهام اليد مع الأصابع الأخرى، الأمر الذي مكَّن الإنسان من إنجاز حركات غاية في الدقة (الكتابة والرسم والعزف، وهَلمَّ جرَّا). - الشكل الهندسي الفراغي ثلاثي الأبعاد للحنجرة البشرية ولحبالها الصوتية، مما جعل باستطاعة الإنسان أن يتلفظ وينطق بالأحرف والكلمات، ويستنبط اللغة، وعاء العقل والتفكير، وأساس التطور الدماغي والاجتماعي للإنسان. 4- النمو الإستثناني (غير العادي) للقشرة الدماغية المستحدثة neocortex في الإنسان التي تتحكم في سلوكنا البشري. مما لا لُبسَ فيه أن «داروين» عَالِمٌ فذٌ. إن أعظم عمل علمي وفكري قام به - في رأينا- هو رحلته إلى أرخبيل جزر ««Gal?pagos في المحيط الهادئ، على متن سفينة فإن اتباع الداروينية الحديثة حولوا أفكار «داروين» إلى عقيدة بحتة، تُخضع لها الملاحظات والمشاهدات. أضف إلى ذلك أن هنالك عدداً كبيراً من الحقائق لا تتساوق (تنسجم) مع الداروينية الحديثة، نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي (إنَّ الفقرة التالية لم ترد في المداخلة لضيق الوقت): - إذا كان البقاء للأصلح، فلماذا يكون مرضى فقر الدم المنجلي (البُرَدَاء)، ومرضى داء هَنتنِغتُن Huntington متخالفي الزيجوت Zygote (أي أن أحد الأبوين فقط يحمل الجين المعيب) اللا إعراضيين أكثر خصوبة من متوسط الأفراد الأصحاء. كان على الانتقاء الطبيعي، والضغط التطوري، ووفقاً لمنطوق البقاء للأصلح، أن يتسببا في اندثار هؤلاء المرضى لأنهم ليسوا الأصلح (انظر المرجع 1، الصفحات 107-117، و 118-114، و 456-461 و 463-472). 2- إن «الداروينية الحديثة» تعجز عن إيجاد تفسير صحيح لظاهرة نشوء نوعين مختلفين يتقاسمان موطناً أبوياً واحداً sympatry بدءاً من نوع سلفي واحد، هذا على الرغم من عدم وجود انعزال جغرافي. كما أن «الداروينية الحديثة» لا تقدم تفسيراً علمياً راسخاً لظاهرة نشوء نوع واحد في موطنين أبويين متخالفين allopatry بدءاً من نوعين سلفيين متباينين (انظر المرجع 1، ص443). 3- إن الداروينية الحديثة لا تأخذ بالاعتبار دور التنوع المتخصص والواسع للمستقبلات ولربيطاتها للوصول إلى ثابتة ترابط (Ka)association constant فضلى، قادت التطور كنتاج لفعل القوى الطبيعية الأربع (الثقالة أو التثاقل والنوويتان القوية والضعيفة والكهرطيسية، وما نتج عن هذه القوى الأربع من قوى تكافؤية ولا تكافؤية، كلها خالدة في متصلة المكان - الزمان). إن هذا التنوع المتخصص والواسع يكون في مرتبته الأسمى، وفي مستواه الأمثل في الإنسان الذي خُلق خَلقاً مباشراً كخليفة في الأرض لخالقه (انظر المرجع 2، الصفحات 51-65). 4- لقد طمست الداروينية الحديثة وراثة الصفات المكتسبة، التي تم البرهان مؤخراً على توارثها في كل من نبات العربية وذبابة الفاكهة والفأر (أثر نمط الغذاء في ألوان فراء الفأر الأمريكي «آغوتي» Agouti) وفي الإنسان (انظر المرجع 1، الصفحات 215-216، و 436-442). 5-لم تفسح الداروينية الحديثة مكاناً للدور الذي تؤديه الواسمات مابعد الجينات epigentic marks في التفاوت بين أفراد النوع الواحد (انظر المرجع1، الصفحات 167-214). قناة «الجزيرة» الرئيسة، الاثنين في 23. 2. 2009 الساعة 21.30.
«HMS Beagle» عام 1831، حيث أمضى على هذه الجزر مدة خمسة أسابيع، درس في خلالها المجموعات الحيوانية، وبخاصة أشكال مناقير الطيور (ماعُرف في ما بعد باسم «حساسين داروين»)، واكتشف أن أشكال هذه المناقير قد تكيفت مع مكان وجود غذائها. ولكن مما يؤسف له، وبغياب نظرية أخرى منافسة [حيث تمت، وعلى غير وجه حق، محاربة نظرية «لامارك» Jean-Bapabtiste de Monet Lamark (1744-1829)، الخاصة بتوارث الصفات المكتسبة محاربة «غير موضوعية»] [انظر «رزق، هاني»، «موجز تاريخ الكون، من الانفجار الأعظم إلى الاستنساخ البشري»، دار الفكر، دمشق (الصفحات 426-432)، المرجع 2]،
موضوع الحلقة: الخلق والتطور

تعليقات
وفقكم الله
إضافة تعليق