مدرسة المراقبة في رمضان

قال الله تعالى: ] وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [ [يونس/61]، ] إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [ [آل عمران/5].

وقال رسول الله e:" اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

كل العبادات، من صلاة وزكاة وحج، فيها عمل وتقديم شيء؛ إلا الصوم فإنه امتناع وإحجام عن شيء، وفي الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".

كل العبادات يمكن أن يفعلها الإنسان مرائياً بها الناس، مظهراً التقوى والصلاح، وقد يَخدع بذلك الناس، وقد يصدقه كثيرون لما يرون فيه من تعبد ظاهر؛ إلا الصوم فلا يستطيع أن يخدع به أحد، ولا يغش بسببه إنساناً.ذلك أن الصوم يعتمد على مراقبة الله عز وجل لا على مراقبة الناس.فقد يصلي الإنسان أمام الناس لأنهم يرونه ليحقق مصلحة معينة، وقد يتصدق ويزكي أمام الناس كي يقولوا عنه بأنه رجل صالح لا يقصر في دفع الزكاة، وقد يسافر إلى الحج أمام الناس ولكنه يعتبرها رحلة سياحية، وفي العودة يقول له الناس: أهلاً وسهلاً بالحاج، حجاً مبروراً.

إلا الصوم، فإنه يربي في الإنسان أعلى الأخلاق وأرقى الكمالات، ويوصله إلى أعلى الدرجات، "أن تعبد الله كأنك تراه"، بإمكان أي إنسان أن يدخل إلى داره ويفلق بابه ويفتح باب الثلاجة ليأكل ما لذ وطاب من دون أن يراه مخلوق.

إلا أن الصوم يعود الصائم أن يتصور مراقبة الله عز وجل له في كل حركة وسكنة، وإذا وصل إلى هذا المقام امتنع تلقائياً عن المعاصي والذنوب والآثام.

إنها مادة المراقبة ومقرر الاتصال بالله في مدرسة الصيام.ندرس اليوم في مدرسة المراقبة، وهذه المادة هي ثلث الدين فالدين إسلام

_ عبادة، وإيمان

_ عقيدة، ينتج عنهما ركن ثالث

 _ وهو الأخلاق التي تحمي وتحصن بالمراقبة لله عز وجل.

لقد انتصر المسلمون وعم الدين كل أرجاء الدنيا يوم كان المسلمون يراقبون الله ويعلمون أنه مطلع على سرائرهم وعلانيتهم.فما فعلوا فاحشة، وما أصروا على معصية، لعلمهم ويقينهم بإطلاع الله عليهم، وهذه ثمرة من ثمار الصوم.

ومما يذكر في هذا المجال أن عبد الله بنَ عمر رضي الله عنهما كان يسير وصاحباً له تحت أشعة الشمس المتوهجة عائدون إلى مكة المكرمة، وقد سكن الناس وآووا إلى منازلهم اتقاء حر ذلك اليوم.فأدركهما النصب والعجز عن متابعة المسير، وراحا يبحثان عن مكان مناسب يستريحا فيه، وقد بلغ منهما العطش مبلغاً بحيث يدفعون كل ما يملكون من أجل كوب من الماء.بينما هما يبحثان إذ لحظت العيون سواداً بعيداً، وسط الصحراء، فانتعشا، وما أن اقتربا أكثر حتى عرفا أن أملهما قد تحقق، إنهما أمام راعي غنم، اسمه "مجاهد"، سلما عليه رد عليهما التحية بأحسن منها وأجلسهما في مكانه وأدرك آثار العطش عليهما فأسرع يحلب لهما من غنمه حتى ملأ الوعاء.هاكما شربة من اللبن، عساها تخفف عنكما ما أنتما فيه، فشربا حتى ارتويا.ثم أعاد ابن عمر الإناء إلى الراعي وهو يقول: شكراً لك يا أخا العرب، لقد حلبت من غنمك هذا أضعاف ما يستطيع أن يشربه رجلين، فهلا شربت ما بقي في الإناء.

غير أن الرجل أخذ الوعاء، ووضعه جانباً.فأعاد عليه ابن عمر الكلام:

هلا شربت ما تبقى من الإناء، قبل أن تفسده شدة الحر؟

لا، لا أريد، لا أستطيع الشرب.

ولم يا أخي؟ إنك إذا تركتها فإن الفساد سيسارع إليها!.

فأجابه مضطراً

 _ كي لا يكثر عليه من الأسئلة ويلح عليه _ إنني صائم.

_ صائم؟

_ أجل إني صائم.وراح يفكر ابن عمر في سبب الصوم، فالوقت ليس رمضان، ولا من الأيام المسنون الصيام فيها.

فسأله: هل نذرت لله نذراً فأنت توفيه؟

 قال: لاهل أقسمت يميناً فأنت تبر بقسمك؟

قال: لاإذاً لماذا تصوم في مثل هذا اليوم الشديد الحر، دونما سبب موجب؟

فانتفض الراعي وقال: وأنى لرجل مسلم عاقل مثلك أن يقول هذا؟ أو لست تؤمن بالله واليوم الآخر؟

_ ولكن ما دخل الإيمان بصيام هذا اليوم؟

_ يا رجل " إنني أصوم في حر هذا اليوم اتقاء حر ذلك اليوم".

وشرد ابن عمر في تفكيره وراح يتخيل هول يوم القيامة، ثم ما لبث أن عاد يفكر بهذا الفتى "مجاهد"، الذي بلغ قمة من قمم التقوى.

ما أروع هذا الراعي المسلم الذي تفاعل مع دينه، وأصبح يرقب يوم المعاد إلى الله، يراقب الله في أموره كلها وانسحب الراعي ليرعى شؤون غنمه.

فقال ابن عمر لصاحبه عبد الرحمن: إنها والله ثمرة من ثمار الإيمان،  لقد وصل إيمان هذا الراعي إلى مرتبة الإحسان " أن تعبد الله كأنك تراه "، ثم تابع يقول: أريد أن أعرف صدق هذا الراعي وحقيقة إيمانه.وأن لا يكشف حقيقة التقوى والإيمان كثرة صلاة أو صوم، بل الذي يكشف حقيقة الإنسان المعاملة بالأموال.

وبعد قليل عاد الراعي إليهما بعد أن تفقد غنمه، فقدم لهما ثوباً ليستريحا عليه.

فقال ابن عمر: جزاك الله عنا خيراً يا أخا العرب، ولكنا بمسيس الحاجة إلى الطعام.وتحير الراعي وكأن لسان حاله يقول: لا يوجد لدي ما أقدمه لكما.قال ابن عمر: اذبح لنا شاة وهيء لنا منها طعاماً.فارتبك الراعي لا يرضى أن يرحل ضيفه جائعاً، ولا يريد أن يذبح شاة لأنه لا يملك الحق في ذلك.

كرر ابن عمر القول: شاة يا أخا العرب، نأكل منها، وتأكل أنت أيضاً.فأفصح الراعي عن عذره قائلاً: إن الشياه ليست لي، فأنا عبد مملوك، والغنم ملك لسيدي، وقد أذن لي أن اسقي عابر السبيل من لبنها غير أنه لم يأذن لي بذبح شيء منها.

_ أين أنت من سيدك الآن، إنه لا يراك، فاذبح لنا شاة وأنا أعطيك ثمنها.

_ وإذا لم يرضى سيدي بذلك.

_ وهل من الضروري أن تخبره.

_ وماذا أفعل بثمنها.

_ تأخذ لك.

_ وسيدي والغنمة؟

_ تقول له (أكلها الذئب).

وحملق الراعي في وجه محدثه، وغلت الدماء في عروقه، وكأنما هناك جريمة نكراء، وصرخ في وجه ضيفه: ماذا تقول يا رجل، أذبح الغنمة وآخذ ثمنها وأقول أكلها الذئب.

_ أجل ولن أخبر سيدك بشيء.

_ وهل تستطيع أن تستر الأمر عن العليم الخبير الذي يسمع النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء.

_ وهل تستطيع أن تمنع الخبر عن ] الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ[ [الشعراء/218-219].

_ وهل تستطيع أن تخفي الأمر عمن ] يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [ [غافر/19].

بما أن ابن عمر يريد أن يختبر صدق هذا الراعي وإخلاصه في عبادته وحقيقة صومه وتقواه فقد حاوره بأسلوب هادئ.

_ إنك إنسان فقير لا تملك من الدنيا شيئاً، وصاحبك غني متخم لا يُضيره الغنمة والغنمتان، وهو يستغل جهدك وعرقك أبشع استغلال.

وتابع يقول: هب (افترض) أن الذئب عدا على واحدة من الغنم، أفلا يضيع ثمنها؟

إذن لماذا لا تذبح لي الغنمة فآكل منها وتأخذ أنت الثمن فتستفيد منه، ونكتم الأمر بينا فلا يعلم سيدك بشيء أبداً.

وبدأت آثار الحدة تظهر على حديث الراعي:كيف تريدني أن أتجرأ على معصية الله؟ والله لكأني بك شيطان في ثوب إنسان.

لئن تجرأت على معصية الله وأنا أعرف أنه يراني فلقد اجترأت على أمر عظيم جداً؟

لئن تجرأت على معصية الله وأنا أظن أنه لا يراني فلقد كفرت من حيث لا أدري.

وتابع ابن عمر مغالطته الصورية:

لقد قلت لك: إنك إنسان فقير، كما أنني وعدتك ألا أخبر سيدك بشيء عن الغنمة وثمنها!.

فانفجر الراعي، كالبركان الثائر يصيح بأعلى صوته قائلاً: إذن فأين الله وأثر صدق هذا الراعي بابن عمر وصاحبه فتابعا معه يقولان: فأين الله، فأين الله.

لقد شعر الثلاثة بساعة من القرب الإلهي وكأنهم مع الله.

هذه هي ثمرات الصوم= مراقبة الله عز وجل.

يصوم في حر الدنيا ليتقي حر الآخرة.يصوم صيام المراقبين لله.يصوم صيام الذين يعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

فليس الصيام امتناع عن الأكل والشرب، وإمساك عن المفطرات، وإنما هو تعويد على الصلة بالله واليقين بأن الله مطلع عليها، حتى يصل المؤمن إلى مرتبة ( أن تعبد الله كأنك تراه).

اللهم خلقنا بأخلاق الإسلام، وأهدنا إلى صالح الأعمال وارقنا في مراتب الكمال، ونور قلوبنا، واستعمل في الطاعة أبداننا يا رب العالمين.

وأيسر ما في الذكر ذكر لساني

ذكرتك لا أنسي نسيتك لمحة

 

 

خلوت، ولكن قل عليّ رقيب

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل

 

ولا أن ما تخفيه عنه يغيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة

 

وأن غداً للناظرين قريب

ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب

 

 

الدكتور: علاء الدين محمود زعتري

إضافة تعليق

3 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.