( مزاج الطين) فرار أبدي من الهامش الى البؤرة

تجاوزت حدود الصدمة اللغوية من خلال تعاملي مع الكتاب السابق للكاتب عبدالحميد الطائي، وهو (لاتح) ومن ثم تعاملت مع كتابه الثاني (مزاج الطين) بمزاج متأهب سلفا للخوض مع نحت جديد للمفردات والحروف العربية.
وربما تأثر الكاتب بآراء النقاد في الكتاب الاول فخفف قليلا من وعورة النحت اللغوي هذه المرة في (مزاج الطين( فجاء التكثيف اقل والغموض في التجربة الفنية اخف في محاولة للاقتراب من المتلقي اكثر مما قبل، والمؤلف نظم مقاطع كتابه الثاني نظما يتسق مع ترتيب حروف الهجائية العربية في اصلها الاول وفي تراتيبة هي ايسر ما يمكن ادراكه من مدلول الاستعمال اللغوي في الكتاب. لكن الكاتب كما في (لاتح) اصر مرة اخرى على ان ينتقي متلقي نتاجه التأليفي من صفوة العالمين بخصوصيات اللغة العربية، وفي هذا ضيق على نفسه (أي الكاتب) من مساحة المتلقين الذين كانوا يطمحون الى فهم مراميه واغراضه وضروب هذا الفن القولي الفريد من نوعه.
انه قدر الكاتب الذي ينشد التغيير في اسلوب السرد اللغوي المحمل بأفكار ألفها المتلقي في قوالب اخرى، الا انه (أي المتلقي) في كتابات عبدالحميد الطائي بحاجة للتسلح بادوات ذات شحذ خاص ليستطيع المتلقي متابعة الدلالات، ولا نقول (الألغاز) اللغوية، فالنسيج الجديد في (مزاج الطين) تتبع الأحرف الهجائية وما اصبح على المتلقي الا استخدام خبرته بترصيص الحروف وما ينتجه هذا الترصيص المخصوص من معان يريد الكاتب ان يفهمها المتلقي دونما حاجة الى التصريح المطلق بالمطلوب نصا، او دون دفع الكاتب الى الخطابية التي يفر منها الكاتب غضبا ونفورا من المألوف في التعبير وادواته الدارجة.
كل مقطع من مقاطع الكتاب يحكي قصة او موقفا يتحتم ان يكون لدى المتلقي فكرة مسبقة عنه كي يفهم بالكامل الغرض من النصوص الواردة بين دفتي الكتاب وهو متخم بالتراص التركيبي للمفاهيم المكتنزة فيه.
ان الكاتب يستحضر النقيض من ادوات الابداع المعاصر باللغة العربية حتى يتأبى النص على التصنيف في كل مرة يسعى الناقد فيها لتصنيفه او كلما سعى ناقد لجعل هذا الكتاب يتوافق مع ضرب من ضروب الادب العربي او صنف من صنوفه ما بين شعر او قص او مسرحية او حتى مزج بين صنف وآخر.
وهذا التأبي يتوافق مع اصرار الكاتب على الا يكون سرده سهل المنال على المتلقي في فضائه الأوسع. فهناك اطراد في المعاني، ولا بد لكي يكون مطردا في سلاسته لتوصيل المعنى ان يكون المتلقي واسع الثقافة بمحيطه الانساني، وايضا ان يكون لغويا قحا وليس (بعض لغوي).
وكأني بالمؤلف اراد ان ييسر عسرة المتلقي في الفهم فأوجز عبارات هي آخر حروف الكتاب التي هربت من المتن الى آخر حاشية في دفته الاخيرة حيث عبارات تقول:
محدث الضوضاء يتحين تعميمها جهرا، لتشرع الفوضى عليك، ثم يختتم الكاتب جهده في عبارة على ظاهر الكتاب ومنتهاه تقول:
حواس التشريع (وصايا) خالدة استبدلت بمزاج بشري يسمى (الوصاية).
وما بين (الوصية) و(الوصاية) اراد الكاتب بهذا الجهد المبذول ان يجعل من (وصيته) تميمة لا تدرك بسهولة لمن استمرأ والتناول اليسير لمفردات النص اللغوي او الوصول بنظرة عابرة عليها الى المعنى المطلوب.
بل أراد الكاتب التكثيف الشديد وإعادة الشيء لاصله كما اعاد الانسان باشكاله المعروفة كجان او مجني عليه الى شكله الاول وتعامل معه على هذا الاساس (الطين) اصل الانسان..الانسان الذي فرض (الوصاية) على اخيه الانسان، والانسان الذي ابتعدت به حاجات الحياة اليومية عن التوقف واستجماع الشجاعة العقلية لديه ليفهم معنى (الوصية) التي اراد (الموصي) توصيلها عبر هذه التراكيب اللغوية بعناصرها الايقاعية غير المألوفة، وكأنها لا تريد منح نفسها الا لمن يستحق، أي لمن يتوقف عن المسير المرتجل بين السطور ويمعن النظر فيما حوله ويستعيد خبراته اللغوية وايضا يستعيد شعوره المفقود بالقيمة والقدرة على التخريج حتى يكون مستحقا لبلوغ مآربه والذي هو (وصية) مزاج الطين.
النزوع الواضح لدى المؤلف لان ينتقي متلقيه بعناية جعله حريصا للمرة الثانية في (مزاج الطين) بعد المرة الاولى في (لاتح) وكلا الكتابين صادران عن دار الفكر بدمشق، حتى يكون كل من الكاتب والمتلقي جديرين بالنجاة سويا من الالتصاق بصمغ الاستكانة للمألوف.
لقد استمزج المؤلف ما بين مفردات التاريخ ممثلة في (حمورابي) ومفردات الدين ممثلة في مصطلحات تستدعي في الذهن دلالات (قرآنية) كريمة كلها رآها الكاتب قد نحيت جانبا امام نزوات الأطماع التي استبدت بانسان لكي ينأى بنفسه عن السنن الاولى للخلق في عدالته الفطرية.
(مشلول الحواس يهمش المعاني..ص97) وعلى من يخوض تجربه قراءة هذا النص اللغوي شديد الخصوصية ان يكون حريصا على التحرر من شلل الحواس حتى لا تتهمش المعاني التي اراد لها مؤلف النص المؤدى اليها ان تكتسب أبدية قاطعة في بؤرة الشعور الانساني على طوله وعرضه وامتداده الزماني والمكاني.
واني لألمس العذر للكاتب واستشعر معاناته التي يكابد، في صياغة تجربته الأدبية التي تزداد بدورها عنادا وتصلبا وسباحة عكس تيار السائد والترتيب والمستكان له لدى (أجزاء الطين) التي تؤثر البقاء تحت عوامل التعرية البشرية والطبيعية حتى تصل حد التهرية، اما الكاتب فيحفزه ولعه بالتغيير الى حد إلقاء نفسه الطينية في موقد الصهر عالي الحرارة لعلمه انه حين تنصهر مادة الطين تحت الحرارة العالية انما هو بذلك يكون قد نجا من التهرؤ الذي طال الطين الآخر غير المنصهر، وتكون نتيجة هذا الاحترار ثم الانصهار ان يكتسب المنصهر صلابة في حال التجمد الشديد الذي يبقى متأبيا أبديا على التهرؤ او الاندثار، وكل ما تم اكتشافه من الآثار البشرية في العصور الغابرة والسحيقة كان يشتمل على صفة واحدة حفظته من الاندثار هي (الصلابة) التي قاومت التحلل.
الكاتب يوظف تجربته الشعورية لخدمة الرسالة الانسانية النزاعة على الدوام الى بلوغ مقام القيم السامية وهو يكثف هذه التجربة وتلك الرسالة في تجربة امته العربية المفعمة بالثراء واحيانا المرارة التي يريد لها الكاتب ألا تنزوي بين ما انزوى في طبقات الأرض المتحللة والمتحولة، وانما تبقى أبدية الصلابة لينتصح بها من أراد، حيث يكون في ذلك عزاء للكاتب يخفف لوعة الأسى على حال الأمة التي انصهرت ايضا في وجدان الكاتب وخرجت في كتاب صعب المراس حاد المزاج صهرته العلاقة التفاعلية بين الطين كوعاء فسيح لكل البشر على اختلافهم حين امتزجوا فيه عند الخلق الاول، ونار التجربة الذاتية التي اختص بها الكاتب نفسه.
محمد عبدالخالق*
" الوطن" العمانية
10/3/2009

إضافة تعليق