مستشرقون ومترجمون أجانب ونقاد يتناقشون حول عالمية الرواية العربية - الجزء2

جوناثان رايت (مستشرق ومترجم بريطاني):يجب التركيز على فن السرد،من الصعب التفرقة بين العناصر التي تصنع الكتاب والتي ترضي القراء خصوصاً في حالة الأدب العربي المترجم. فغالباً ما تؤدي الخلفية الثقافية دوراً بارزاً. لكن هذا ينطبق أيضاً على الأدب المترجم الآخر من الفرنسية أو الألمانية أو الإسبانية على سبيل المثال على الرغم من أن التباين الثقافي في مثل هذه الترجمات يكون أقل وضوحاً. في بعض الحالات قد يعد القارئ النص في وقت واحد نصاً درامياً ذات شخصيات مثيرة للاهتمام ومصدراً لإلقاء نظرة ثاقبة على مكان أو طريقة حياة مختلفة. على سبيل المثال عندما أقرأ أعمال أولغا توكارتشوك المترجمة من البولندية إلى الإنجليزية يسعدني أن أنتقل إلى غابات الريف البولندي وأن ألتقي بالأشخاص الذين يعيشون هناك. هذا عالم لم أختبره من قبل وهو غريب تماماً بالنسبة لي كشخص إنجليزي مديني يعيش في بلد لا غابات كبيرة فيه. لذلك لا أعتقد أن استقبال الأدب العربي باللغات الأوروبية يختلف عن استقبال الآداب الأخرى من حيث الجودة ولكن في درجات الاستقبال فحسب.
أما السؤال عن إمكان التحدث عن الأدب العربي في كونه "عالمياً" فلست متأكداً تماماً مما يعنيه ذلك. ألا يكفي أن تتم ترجمة بعض االكتب العربية إلى عشرات اللغات؟ ألا يجعل هذا الأمر الأدب العربي المترجم عالمياً في صورة تلقائية؟
النقطة الثانية أكثر دقة: "هل أثرت الروايات العربية في الروائيين الذين يكتبون بلغات أخرى؟" أي كاتب يقرأ أعمال كاتب آخر ويعجب بها لا بد أن يتأثر به لذا يجب أن تكون الإجابة نعم. لكن هل هذا التأثير قوي جداً؟ على الأغلب لا. لا تزال مبيعات الأدب العربي باللغة الإنجليزية واللغات الأوروبية الأخرى قليلة فقد تركز الاستقبال غالباً على ما تخبرنا به الروايات عن الحياة والمجتمع والسياسة والدين وما إلى ذلك في البلدان التي كتبت فيها. الاستثناء الكبير بالطبع هو كتاب "ألف ليلة وليلة" وهو أحد أشهر الأعمال الأدبية في العالم وقد أثر في أجيال كاملة من الكتاب في أنحاء العالم. لا عمل في الأدب العربي الحديث أو المعاصر يمكن مقارنته بهذا الكتاب.
ولكن لا يوجد سبب لليأس. لم يكن لأدب أميركا اللاتينية أي تأثير تقريباً في الأدب الأوروبي حتى ما يقرب من 60 عاماً لكنه اليوم مندمج تماماً في أوساط "الأدب العالمي" ويحتل فيها مكانة بارزة. أما رأيي الشخصي وأنا أدرك أنه قد يكون مثيراً للجدل فهو أن الروائيين الذين يكتبون باللغة العربية إذا أرادوا أن يتم الاعتراف بهم دولياً يحسنون صنعاً إذا هم ركزوا على مهاراتهم في السرد والتخييل والتقليل في التباهي بالبراعة الأدبية والبلاغة.
لا تزال هناك مسافة كبيرة بين الثقافة الأدبية العربية والثقافة الأدبية للغات الرئيسية الأخرى. هذا لا يزال عائقاً أمام التكامل الكامل بين الثقافتين. بالطبع الكتاب العرب يملكون الحرية في أن يقرروا الحفاظ على تقاليدهم الخاصة وعلى جذب الجمهور العربي فحسب. لكنني أظن أن القراء العرب سيرحبون بكتب جديدة ذات سرد قوي وشخصيات قوية. وهذه الكتب لا تحتاج إلى المساومة على المعايير الأدبية.
شيرين أبو النجا (باحثة مصرية في الأدب الإنجليزي): البحث عن المسكوت عنه
للأسف هو رأي صحيح فالرواية العربية- بغض النظر عن نسبة الترجمة التي تخضع لمتطلبات السوق- يتم التعامل معها في الغرب بوصفها نصاً إثنوغرافياً يشرح المجتمع وعاداته وتقاليده وعلاقاته الداخلية ووضع المرأة فيه. ينطبق الأمر على الموسيقى مثلاً فإذا عطس موزارت فهي موسيقى عالمية لكن غناء أم كلثوم وفيروز يدخل في الموسيقى الإثنية. ربما علينا أن نسترجع الأسئلة التي توجه للكتاب والكاتبات العرب الذين تتم استضافتهم في الغرب من أجل صدور الترجمة أو في سياق مهرجان أدبي أو ندوة فالجمهور لا يسأل عن الرواية بوصفها عملاً جمالياً بل يسأل الكاتب عن ديانته والعنف ضد النساء وغير ذلك من القضايا التي تقدم للغرب صورة فانتازية عن عوالم مختلفة وتمنحه شعوراً بالتفوق النفسي المبطن.
يمكن أن نتحدث عن أدباء أميركا اللاتينية مثلاً ونشير إلى تأثرهم بالأدب العربي لكن أميركا اللاتينية لا تعد جزءاً من المنظومة الغربية ولولا اللغة والبعد الجغرافي لاعتبرناها جزءاً من العالم العربي للتشابه الواضح في الظرف السياسي والاجتماعي. لا يعتبر الغرب أن الرواية العربية مصدر للإلهام أو التأثير بل هي للاطلاع على المجتمع من الداخل. كاميرا تسجل وتصور وتنسى أن هذا نص تخييلي فتتعامل معه كوثيقة أرشيفية للواقع وهو أمر متعلق باقتصاد إنتاج المعرفة. فقد دأب الشمال العالمي على التعامل مع الجنوب بوصفه مصدراً للمعلومات الخام التي تتم أدلجتها وتأطيرها في تصورات نظرية تعود للجنوب مرة أخرى فنتعامل نحن معها كحقيقة على الرغم من أننا لم نشارك في إنتاجها. تتشكل تصوراتنا عن أنفسنا من خلال صور تستقى من أعمالنا الفنية لتعود لنا كواقع. وهو ما يفسر رواج الروايات التي تكشف المسكوت عنه سواء كان متعلقاً بالجسد أو النساء أو العنف. حتى أن بعض الروايات يتم استخدامها في أقسام علم الاجتماع والأنثروبولوجيا كنصوص تعليمية. وتعتبر دراسات ما بعد الكولونيالية مسؤولة بدرجة كبيرة عن هذا الاقتصاد المعوج وهو ما يستلزم إعادة النظر في الحقل بأكمله الذي يشكل جزءاً رئيسياً في المنظومة البحثية لدينا.
فخري صالح (باحث ومترجم أردني): وصمة الأنثروبولجيا لا الإبداع
لم يكن نصيب الرواية العربية من الترجمة إلى عدد من لغات المركز الغربي وافراً بأية صورة من الصور حتى فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب عام 1988 فانتبه العالم إلى وجود كتابة روائية عربية تستحق الالتفات. ومع أن أعمال محفوظ كلها قد جرى نقلها إلى عشرات اللغات الغربية وغير الغربية إلا أن انتشار محفوظ عالمياً لا يقارن بانتشار روائي فاز بنوبل قبله (1982) هو غابرييل غارثيا ماركيز فقد جرى النظر إلى عمل محفوظ بوصفه آتياً من بلاد "ألف ليلة وليلة" أو بوصفه بلزاك العرب وبلزاك عاش في القرن التاسع عشر فيما جرى النظر إلى ماركيز بوصفه مجدداً من مجددي دم الرواية العالمية ومعلماً من معلمي تيار الواقعية السحرية اللاتينية التي أصابت بالعدوى أعداداً كبيرة من كتاب البشرية وغيرت من مفهوم النوع الروائي وطبعته بطابع غرائبي كان حاضراً بقوة في "ألف ليلة وليلة" التي أثرت عميقاً في نصوص الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس. لكن ذلك الحضور المستتر لـ"ألف ليلة وليلة" في الوعي الغربي وفي ميراثه الاستشراقي لم يخدم كثيراً حضور الرواية العربية في الترجمات ربما لأنه جرى القطع في الوعي الغربي بين عرب "ألف ليلة وليلة" والعرب المعاصرين.
لكن لا شك في أن عدد الروايات العربية المترجمة بدءاً من أحداث 11 سبتمبر 2001 إلى اللغات الأوروبية قد زاد بتأثير الرغبة في التعرف على المنطقة وكيفية تفكير أهلها ونظرتهم إلى العالم وخصوصاً الصقع الغربي منه. لكن هذه الزيادة لا تقارن بعدد الروايات الأميركية اللاتينية وكذلك اليابانية التي تترجم إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية. صحيحٌ أن هناك عدداً من الروائيين العرب الذين ترجمت أعمالهم إلى تلك اللغات قد رشحوا للحصول على جوائز كبيرة مثل أحمد سعداوي الذي وصلت روايته "فرانكشتاين في بغداد" إلى القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر العالمية وجوخة الحارثي التي فازت بهذه الجائزة عن روايتها "سيدات القمر" (2019) إلا أن حضور الرواية العربية في تلك اللغات ما زال محدوداً. والأهم من ذلك أن هذه الروايات المترجمة لم تصبح جزءاً من كلاسيكيات الرواية في تلك اللغات وهي لا تصير جزءاً من الـ Canon الذي يتشكل سنة بعد سنة فلا يجري تدريسها سوى في أقسام اللغة العربية في الجامعات الغربية وغير الغربية. أي أن الرواية العربية تظل ملتصقة بأصلها اللغوي والثقافي ولا تصبح جزءاً مما يطلق عليه "الأدب العالمي". يصدق ذلك على كتاب مثل إلياس خوري وعلاء الأسواني وصنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني (وهم كتاب نالوا حظاً جيداً من الترجمة إلى لغات عديدة) كما يصدق على عميد الرواية العربية الراحل نجيب محفوظ. إننا ما زلنا نسكن حقل الأنثروبولوجيا ولم نغادره إلى الحقل الذي يطلق عليه اسم "الأدب العالمي".
فاروق مردم بك (باحث ومسؤول في دار "إكت سود" الفرنسية): الجاذب السياسي والاجتماعي
نشطت منذ تسعينيات القرن الماضي بعد نيل نجيب محفوظ جائزة نوبل حركة لترجمة الروايات العربية إلى اللغات الأوروبية الأوسع انتشاراً. وعلى الرغم من أن ما ترجم قليلٌ جداً بالنظر إلى غزارة الإنتاج الروائي العربي وخصوصاً في السنوات العشر الأخيرة وعلى الرغم أيضاً من أن بعض الأعمال الأهم في تاريخنا الأدبي الحديث لم تترجم إلا أن بإمكان القارئ الأوروبي الاطلاع على نماذج وافية من هذا الإنتاج تمثل اتجاهاته الرئيسة في مختلف مراحله وفي أغلب البلدان العربية. وقد يقبل هذا القارئ عليها حيناً ويتحفظ إزاءها حيناً بحسب الظروف العامة المتغيرة في العالم العربي وفي بلاده وقلما يكون السبب قيمتها الأدبية.
ويتبين من الدراسات القليلة التي صدرت حتى الآن في فرنسا عن حركة الترجمة عن العربية (وكانت فرنسا رائدة في هذا الميدان) أن الرواية العربية المترجمة تقرأ أولاً قراءة سياسية - اجتماعية ولا ينظر فيها إلا نادراً حتى في الصحافة الأدبية الأسبوعية من الزاوية الفنية المحض. وقد نكون نحن الناشرين "الملتزمين" مسؤولون عن ذلك إلى حد ما (إلى حد ما فحسب!)، لاعتقادنا بأن الرواية أقدر من البحث الاجتماعي ومن المقالة السياسية على مجابهة الصورة النمطية السائدة عن العرب فترانا نصر إعلامياً بالدرجة الأولى على البعد السياسي - الاجتماعي لأي عمل روائي. ولكن بمَ يختلف عامة القراء عن الناشرين؟ لماذا يقتنون منشوراتهم؟ نظلمهم إذا ظننا كما يزعم بعض النقاد أن السبب هو الرغبة "الإكزوتيكية" في اكتشاف عالم غرائبي غير عالمهم على غرار قراء ترجمات "الف ليلة وليلة" القدماء. ونظلم أنفسنا كما نظلمهم إذا احتقرنا فضولهم إلى معرفة حقيقة الحياة العربية المعاصرة من خلال الأدب، أو إذا اعتبرنا أن المعيار الوحيد للعالمية هو قدرة كتابنا على ابتداع تقنيات سردية تبهر قراء بروست وجيمس جويس أو غارثيا ماركيز وموراكامي!
ومن الملاحظ في صدد العالمية أننا نقارن بصورة عفوية بين روايتنا العربية ورواية أميركا اللاتينية أو الرواية اليابانية فلا نجدها تحتل موقعاً مشابهاً لموقعهما في المشهد الثقافي الأوروبي الذي يعنينا لأسباب عديدة أكثر من غيره. لنقارنها من حيث الإقبال على ترجمتها وتلقيها النقدي وعدد مبيعاتها وحضورها الثقافي وتأثيرها بالرواية الصينية أو الهندية (المترجمة عن إحدى لغات الهند وليس عن الإنجليزية). سنستنتج عندئذ أنها تضاهيهما في كل شيء على ما للصين والهند من مكانة (وحصانة!) وعلى التدهور المستمر لصورة العرب في العالم بأسره والحذر من كل ما يمت بصلة إلى الإسلام.
مهما يكن الأمر أعتقد أن الترجمة في حد ذاتها لا تؤهل أدباً ما إلى العالمية ما لم تتوفر له مؤهلاتها في لغته الأصلية، وهي لا تنحصر في موهبة الكتاب ومهارتهم بل تتعداها إلى كفاءة المعنيين بإعداد أعمالهم للنشر وتسويقها وإلى جدية النقد واتساع دائرة القراءة.
لوك باربولسكو (متشرق ومترجم فرنسي): فرصة العودة إلى الغرب
من المؤكد أن الاهتمام الذي يظهره القراء الغربيون تجاه الأدب السردي العربي الحديث يعود إلى الفضول لديهم في التعرف على عالم كان لا يزال مثيراً (إكزوتيكياً) ومدهشاَ جداً. والمعروف أن العالم الروائي هو أفضل وجهة للاطلاع على الحقيقة الإنسانية لمجتمع معين.
وفي طريقة معينة يبقى الأدب هو المكان الرمزي والمتخيل الذي لا تزال تظهر فيه الاختلافات والخصائص الثقافية
أما المفارقة فتكمن في أن الإقبال الكبير على الترجمة إلى اللغات الأوروبية الذي بدأ قبل أربعين سنة يساهم بقوة في هذا الابتذال: الشخصيات الروائية التي تضمها الروايات العربية تتبدى ما إن تتلبس التعبير الفرنسي أو الإنجليزي أو الألماني وكأنها شخصيات من العالم غير مختلفة بتاتاً عن الشخصيات الأخرى وتحركها الأفكار والأهواء نفسها.
هل بات للعرب اليوم الفرصة أخيراً بفضل حركة الترجمة هذه كي يعودوا إلى هذا العالم الغربي، الذي كانوا ينتمون إليه سابقاً خصوصاً منذ القرن التاسع عشر؟ انطلاقاً من هذه الفرضية يبدو أن الاستشراق ما كان له إلا أن يكون كلمة بين قوسين بديعة جمالياً ولكن قائمة على سوء فهم.

إضافة تعليق