مستقبل الحوار الإسلامي ـ المسيحي‏ «حوارات لقرن جديد»

تعتبر الإشكاليات العقائدية والسياسية التي واجهت الحوار الإسلامي والمسيحي ناتجة عن الأحكام المسبقة عن الدينين والاتهامات المتبادلة بين الطرفين، والتي مصدرها الاعتقادات الخاطئة التي سادت العالمين الإسلامي والمسيحي، وهي بالتأكيد، ليست بعيدة عن التغيرات السياسية الدولية، وما صدر عنها من اتفاقيات ومعاهدات أصبحت هي الأساس في تحديد العلاقات والمواقف لكلا الاتجاهين. ‏

وانطلاقاً من أهمية الحوار الإسلامي ـ المسيحي، دأبت دار الفكر على البحث في أهمية هذا الحوار وضرورته، محاولة استشراف مستقبل العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في العالم، ضمن سلسلة حوارات لقرن جديد، فقد صدر مؤخراً كتاب «مستقبل الحوار الإسلامي ـ المسيحي» تحدث فيه عن الجانب الإسلامي الدكتور احميدة النيفر، وعن الجانب المسيحي الأب المستعرب موريس بورمانس.بدأ الدكتور النيفر حواريته من خلال ملاحظته لحالة الصدام بين العقل والإيمان، وبين الفكر المادي، وبين بُنى وتصورات كان الفكر الديني يسعى إلى التشبث بها. ‏

فكانت حصيلة القرن الماضي تجاوز طروحات الفكر الديني المتهافتة، بينما وجد أن القرن الحالي يفرض مواصلة توطيد القراءة تجديداً للهوية الدينية من جهة، وضرورة مواجهة التحديات التي يفرضها التقدم العلمي من جهة أخرى.

واستعرض الدكتور النيفر تاريخ هذا الحوار مبيناً أن الحضور الإسلامي فيه، لم يكن إلا استجابة لدعوة كاثوليكية تدعوه للانفتاح على الديانات غير المسيحية، فالطرف المسلم لم يكن ساعياً إلى الحوار، لذلك جاء خطابه دفاعياً اختلفت درجة عاطفته المنافحة عن الإسلام من باحث إلى آخر. ويرى النيفر أن معضلة هذا القصور في الخطاب الديني لدى مسلمي اليوم في أنه لا ينكشف، كما لا يمكن أن ينحسر إلا في سياق علائقي، حيث يجد المسلم نفسه في مواجهة نقدية كالتي يوفرها الحوار مع المسيحيين. ‏

أما في حالة الانكفاء على الذات فإنه يتم إنتاج الخطاب نفسه بصورة متواصلة تزداد حدتها طرداً مع ازدياد الضغوط والعثرات، ومن ثم فإن أهمية الحوار بين المسلمين والمسيحيين تتمثل في جانبين أوليين؛ يتصل أولهما بحتمية توازن خطاب ديني لأتباع أكبر دينين في العالم، وضرورة مراجعة بنيتهم الفكرية. أما الجانب الثاني فيتصل بالوجهة الحضارية العامة، ومدى الحضور العربي الإسلامي فيها إلى الجانب الأوروبي. ‏

ورأى النيفر أن أخطر ما يعطل فعل المسلمين اليوم هو التبسيط في النظر إلى مستويات التشابك والاختلاف واللقاء في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، وهذا التبسيط لا يساعد على فهم نزاعات الأمس وحروبه من جهة، فضلاً عن أنه لا يعين على إنشاء شروط موضوعية لحراك ديني قادر على حسم معضلة احتكار الحقيقة الدينية، وما يرتبط بها من التمييز بين الشعوب والأمم. ‏

ثم عرض النيفر نماذج من الاستجابات لدعوة الحوار الفاتيكانية في السبعينيات، حيث كانت استجابة النخب المغربية أكثر، لإدراكها المبكر لأهمية الحوار وهي الأكثر اتصالاً بحركة الفكر في الغرب، والتي تولي في الوقت نفسه قيمة حضارية إلى جانب الذات الفردية للإنسان، إلى ما يمكن تسميته بالذوات الدينية، وقد كشفت هذه الدراسات عن اضطراب مفهوم الحوار الذي تردد بين مجرد إبداء الرأي أو الجدل العقدي، أو تقريب وجهات النظر.. وقليل من اعتمد العلاقة التكاملية بين الفكر والواقع عند دراسة المسألة المطروحة. من هنا رأى النيفر ضرورة الحوار بين المسلمين والمسيحيين لتجاوز الأزمة الدينية في العالم العربي والإسلامي، واكتشاف الخصوصية الإيمانية بالإنصات المتبادل بين أطراف يجمع بينها الاختلاف والتكافؤ في التجربة الإنسانية، والقدرة على تقديم بدائل، وذلك بالانتقال من طور الحديث عن الآخر إلى الحديث مع الآخر، ولا بد لذلك من معالجة فكرية جديدة يمكن تسميتها بعلم الكلام وتستند إلى محاور ثلاثة: نصي وعقدي وروحي، وحاول النيفر تطبيق ذلك من خلال دراسته لشخصية عيسى عليه السلام في الخطاب القرآني في مقاربة حوارية ينظر إليها من زاوية الوحدة الثقافية بين الديانتين إذ وجود الاختلافات ينبغي ألا يلغي روابط بالغة الأهمية ويلتزم في مقاربته مراعاة المنطق الداخلي للبنية القرآنية، ويبتعد عن روح السجال لينتهي إلى أن المسيحية هي أقرب ديانة إلى الإسلام. ‏

أما الأب موريس بورمانس فيبدأ حواريته بقول للبابا «يوحنا بولس الثاني» يؤكد فيها أن الفهم المتبادل بين الديانتين سوف يظهر أنهما ليستا بمتعارضتين وأنهما متفقتان من أجل خير الإنسانية، ويؤكد بورمانس على نهاية عهد المجادلات والنزاعات التي لم تأتِ أبداً بأي حل للمشكلات أو إقناع للضمائر.. والكتب والموسوعات كثيرة في إثبات هذه الحقائق، ورأى أنه علينا الاعتراف ـ بتواضع ـ بأخطاء أسلافنا، وأنه من الواجب علينا إيجاد سبل أكثر جرأة للمستقبل، ومن المستحسن أن يبادر الجميع إلى التعاون في قراءة الماضي المشترك قراءة موضوعية، وتصفية ما جاء فيه من نقصان تجاه القيم الروحية للديانتين الموروثتين، ألا وهي قيم السلم والسلام والعدالة والغفران!!.. ‏

وعرض وجهة نظره من خلال مجموعة من المحاور. بداية لخص ملاحظات عامة في حوار الأديان لـ «جان كلود باسي» ثم استعرض المؤسسات المسيحية والإسلامية الناشطة في الحوار، وما صدر عنها من وثائق وأعمال تكشف عن رسمية وسطحية، والجهل المتبادل بين الطرفين وعرض لاقتراحاته حول جعل هذه اللقاءات على نوعين: الأول: مؤتمرات شعبية لجماهير المؤمنين للتعاون بينهم في مجال القيم المشتركة. والثاني: ندوات اختصاصية نخبوية تركز على توضيح مواطن التقارب والاختلاف بين المعتقدات والمشاعر الدينية، مستعرضاً النصوص الدينية الرسمية للكنيسة الكاثوليكية حول الحوار، والرسالة العامة للبابا يوحنا بولس الثاني، ومواقف المسيحي الملتزم في الحوار مع المسلمين، والتي يلخصها بقبول الآخر، والتفاهم في سبيل الاعتراف المتبادل، والتعايش السلمي في سبيل التعاون البناء، ثم يلخص القيم الدينية التي تستدعي احترام المسيحي في التعايش الروحي بين الطرفين، ويدعو المسيحيين والمسلمين إلى تحرير القيم الدينية من المظالم التاريخية التي ارتكبها المؤمنون باسمها، كما يدعو المسيحي إلى التحرر من بعض الأحكام المسبقة الخاطئة الأكثر انتشاراً حول الإسلام فلا يحق لأحد أن يحصر جوهر الإسلام في بعض ما تحقق في التاريخ. كما يدعو المسلم للتحرر من الأحكام الخاطئة المسبقة التي تشوه حقيقة الدين المسيحي ويبين وجوه التعاون الإنساني الضروري لتقدم المجتمع البشري. ويختم بورمانس بحثه بالحديث عن أهم المشكلات التي تواجه المتحاورين، وأيضاً المعوقات التي تقف في وجه الحوار الحضاري. ويدعوهم في حوارهم إلى التصدي على نحو جدي لمواطن التقارب الممكن في القيم الروحية، لأنه قد يكون من دواعي الأسف أن يقتصر اللقاء والمشاركة بين المؤمنين على القيم الدنيوية وحدها. فهناك قيم أسمى ترتبط بها مسيرة المؤمنين الروحية، وفيها يكتشف المسيحيون والمسلمون أن بينهم أموراً كثيرة يتقاسمونها على صعيد اختبارهم الديني. فإذا بلغ إيمان كل واحد إلى هذا الحد، استطاع أن يتطهر بقوة، ويتعمق بصدق، بمقدار ما يلاقي إيمان الآخر في الحقيقة، وعندها يرتفع المسيحيون والمسلمون إلى صعيد التنافس الروحي الأسمى، الذي لا يسعه إلا أن يزيد في تقاربهم، وليس من المحظور عليهم، في أمانة كل منهم للتراث الديني الحي الذي يغذيه، أن يبلغ إلى رجاء مشترك، ألا وهو أن يروا الله يبين لهم أخيراً مواطن التقارب الروحي التي تنتظرهم. ‏

ويعقب الدكتور النيفر على مقاربة موريس بورمانس، ابتعاده عن مناقشة إشكاليتين أساسيتين في الموضوع، وهي العلاقة بين التبشير والحوار، والعوامل الكبرى في تحول الفكر الديني الكاثوليكي، ولاسيما في الوقت الحاضر، وكذلك المواقف الكنسية السياسية تجاه مختلف القضايا الفكرية والدينية المطروحة. ‏

أما الأب بورمانس فيشارك الدكتور النيفر في تفاؤله وإلحاحه على أهمية الحوار وضرورته، وكذلك نراه يؤيده في تحليلاته النقدية للحوار، لكنه سجل صعوبة في فهم مقاربة النيفر لشخصية المسيح في القرآن داعياً، إياه إلى إكمالها من خلال السنة النبوية والأناجيل المتعددة. ‏

 

الكتاب: مستقبل الحوار الإسلامي ـ المسيحي ‏

المؤلف: احميدة النيفر ـ موريس بورمانس ‏

الناشر: دار الفكر ـ دمشق

 

إضافة تعليق

3 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.