مستقبل العلاقة بين المثقف والسلطة ..تأثيم متبادل يحكمه الاقصاء والاختلاف

اذا كانت وظيفة المثقف الداعية قد انتهت بعد تاريخ حافل، استطاع فيه المثقف العربي أن يكون أداة الدفاع عن شرعية السلطة، ومبرر وجودها، فإن ثمة سؤالاً مهما يطرح نفسه حول مستقبل هذه العلاقة على ضوء التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم، والتي دعت باحثاً معروفاً مثل عبد الإله بلقزيز أن يؤكد زوال هذه الوظيفة نظراً لانعدام مبرراتها، والأسباب التي كانت تستدعيها سابقاً على الرغم من أن المثقف ما زال يحاول أن يلعب هذا الدور في الحياة السياسية العربية.
من هنا فإن كتاب ((مستقبل العلاقة بين المثقف والسلطة)) يحاول أن يقدم أكثر من إجابة عن سؤال المستقبل من خلال رؤيتين مختلفتين يقدمهما الدكتور خليل أحمد خليل من لبنان، والدكتور محمد علي الكبسي من تونس، مما يكشف عن تعدد القراءات النابعة من تعدد الرؤية إلى الثقافة ودورها ووظيفتها في الوقت الراهن، الأمر الذي يجعل الحوار حول مستقبل هذه العلاقة أكثر غنى، وبالتالي أكثر مقاربة لأفقها الذي سترتسم عليه، وتحدد مجال عملها واشتغالها من خلاله.
في القسم الأول من الكتاب، يقدم الدكتور خليل أحمد خليل قراءته لمستقبل هذه العلاقة فيتحدث بداية عن الثقافة وسلطان الثقافة، ويبدأ حديثه بتعريف المثقف باعتباره المزدوج الثقافي، المثقف المنتج، والمثقف المستهلك أي الإبداعي والعادي فالمثقف عنده هو (الإنسان الحاضر كلياً في معمعة الذات المتماهية بكل الأساليب والكيفيات في ملحمة العولمة المعلوماتية التي باتت تأخذ من كل شيء كـ ((ثقافة)) ) ص 12.
وينتقل من تعريف المثقف إلى الحديث عن واقع الثقافة العربية الراهنة في شكليها السياسي والديني المهيمنين، بصورة تجعل الإنسان العربي محصوراً بينهما، في الوقت الذي يتمثل فيه الهدف الحقيقي لكل ثقافة بالحرية، والتحرير بالثقافة نفسها. ويرى الدكتور خليل أننا في هذه المرحلة نقف أمام ثقافة الأزمة وجهاً لوجه، ثم يتناول بالدراسة العلاقة بين الكتابة والثقافة، وسلطان الثقافة الحرة الذي يقتضي بداية الدفاع عن حرية الإنسان، وعن حق العقل في القول والفعل الإبداعيين.
إن مفهوم الثقافة الحرة كما يراه خليل لم يأت من الغرب، بل جاء من القرآن، ثم يربط بين نمو الثقافات والقلق الذي تقوم عليه، والذي يجعل كل ثقافة هي ثقافة القلق، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إمكانات الثقافة الحرة في عالمنا العربي المغلق من داخله على مكوناته الذاتية، والمفتوح من خارجه على استهلاكات ثقافية زائفة. وإذا كانت ثقافة العقل هي ثقافة القرآن، فإن الذي ساد في المراحل السابقة هو ثقافة الأمر غير الإلهي أي ثقافة الإمارة، ولذلك ينتقل للحديث عن الثقافة السلطان.
لقد انغلق فضاء السلطة على الثقافة ذاتها مع انغلاق فضاء الثقافة في المجتمع، لكن المثقف العربي ظل في المكان الإسلامي يحاول حرية، ويعيش قلقاً، فالسياسة أنتجت لنفسها ثقافة سلطة في عالمنا العربي والإسلامي، وعليه يحاول أن يربط بين وظيفة الثقافة سابقاً ولاحقاً، الأمر الذي يجعله يطالب بالفصل بين السلطات لكي لا يؤدي مجموعها إلى الاستبعاد والاستبداد، إلا أن المهم هو الموقع والدور الذي يمكن أن يلعبه عندما يخرج من الثقافة إلى السياسة أو اللاهوت، وهنا يعرض أوضاع المثقف الحاكم، والمثقف الثوري، والمثقف المحكوم، والمثقف الشهيد. إن المثقفين يشكون دائماً من مأزقهم المستمر بين السلطة والمجتمع، إذ يصعب انتصار البطل الثقافي الحر في مجتمع غير حر الثقافة فيه خارج المجتمع والسلطة هي معركة. الأمر الذي يجعل المثقف إما أن يقترب من السلطة ويدخل في نسيجها، وإما يبتعد عنها، فتسعى السلطة إلى قمعه وإسكاته، أو يقف على الحياد بين الجمهور والسلطة فيعيش في منفاه داخل بلده وذاته، أو في الخارج. ولذلك يرى أن من الخطورة أن تبقى المثقف مباحاً وموزعاً بين السيف والحاكم الحظوة، أو التعسف والتشريد. إن أسئلة الراهن على صعيد الهوية الثقافية تتحدد في ثلاثة أقانيم هي العولمة أم التعريب أم الأسلمة، وإذا كان الباحث يرى أن التعريب والأسلمة في مجتمعاتنا هما وجهان لرأس واحد، فإن كل واحد من مثقفي العروبة والإسلام يخوض معركته الواحدة في مواجهة الغزو الثقافي العالمي، الذي يجب أن نواجهه بثقافة الإنتاج والإبداع. وفي النهاية يتحدث عن موارد الثقافة العربية الجديدة، مشيراً إلى أن القيود والرقابات التي ترى فيها الأنظمة السياسية والمنظومات الدينية ضرورية لأمن المجتمع والدولة هي معيقة لحركة النقد والتطور وعليه لا بد من التأسيس لثقافة علمية عربية تسهم في تحرير يد الكاتب العربي وعقله، وتجعل الثقافة تتبوأ موقعها في المجتمع والدولة.
وتحت عنوان ((المثقف والسلطة في الألفية الثالثة))، يقدم الدكتور محمد علي الكبسي مساهمته التي يشير فيها منذ البداية إلى فوضى الحد والدلالة القائمة في العلاقة بين المثقف والسلطة إذ تقوم هذه العلاقة على التأثيم المتبادل الذي يجعل قيام منظومة شراكة بينهما موضع شك وريبة. لكن هذه العلاقة التي كان من الممكن أن تستمر في إشكالها السابقة دخلت مع الألفية الثالثة مرحلة جديدة فارقت فيها دلالتها السابقة، نظراً لكون هذه الألفية أضحت (تعيد بناء العالم على نسق سريع منذ العشرية الأخيرة للألفية في هذا السياق) (ص 85 - 86).
ويعرض الدكتور الكبسي آراء المهتمين بهذا الشأن، مؤكداً في النهاية على أن هذه الآراء لا تعرض المسألة من زاوية التأثير والتأثر، إلا أن الأهم أو مصادر الإشكال تتمثل في الجزم بوجود صفة مستمرة للمثقف وللسلطة في هذه المرحلة، أم إنهما أضحيا بلا صفة، ومن هنا ينطلق في بحثه محاولاً اكتشاف أن نموذجي المثقف والسلطة يستجيبان لمتطلبات المستقبل، أم لا؟
وفي إجابته ينطلق الكبسي من التاريخي إلى التوصيف، فأمام التحولات السياسية الاقتصادية التكنولوجية، والثقافية وأساليب الضبط السياسي وعلائق التنافس وحرية انتقال رؤوس الأموال، وسهولة انتشار المعلوماتية، وتسارع الاستهلاكية، يعاني المثقف حالة ضمور وانكماش بعد انزياح مراكز الفاعلية عنه.ويرى الباحث أن رصد التوجهات المستقبلية الكبرى واستيعابها، تمنح المثقف في هذه الألفية الثالثة قدرة على فك الحصار لكي يستطيع رسم التطابق بين ما يحياه، وما يفكر به، كما لا بد من كنس ما ترسب من مفاهيم ومقولات لأن الصورة التي تعلن عنها هذه الألفية لا تخص الغرب وحدهم، بل إن كل دول العالم ستنخرط في شبكتها، وبهذا يتحدد نطاق الاختلاف بين الخليل والكبسي انطلاقاً من طبيعة الرؤية والموقف وتحديد إطار العلاقة ومضمونها، وهذا ما يتوضح من خلال طروحات الكبسي الذي يطالب بضرورة فهم المسألة من زاوية الفلسفة السياسية المعاصرة، والعوامل المحركة للتاريخ، والتي أضحت تتمثل في السوق.
إن هذه التحولات تجعل من العبث البحث عن علاقة المثقف بالسلطة في إطارها المعهود لأن الأمر لم يعد (يتعلق بقدرته، أو عدم قدرته على أن يكون في خدمة هذا الحاكم، أو ذاك الحزب، وإنما يتعلق تحديداً بالاستعاضة عنه بالوسائط التكنولوجية) ص 95. وهذا يجعلنا لا نقول بأزمة مثقف، أو أزمة سلطة، فالبحث عن الفاصل النوعي عندها أصبح يعادل الانفكاك عن المعاصرة التي أدت إلى ضمور الهويات المحلية، مما يستدعي منه أن يلامس كل القضايا العالمية بعمق مغاير لعمق محليته، وتكون المعاصرة بالنسبة إليه هي التنوع، الذي يجب أن يكون الحديث عنه حذراً بالنسبة للمثقف العربي والمسلم نظراً لالتباس الدلالة المرتبطة به، فالوقوف عند الثقافة العربية الإسلامية مدخل ضروري، إلا أنه لا بد أن يتغذى المثقف من مكتسبات الثقافة العربية الإسلامية والعالمية من أجل الدخول معهما في حوار، فيتحول من ناقل أفكار إلى (مؤسس لمبادئ جديدة تسائل الثقافة العربية الإسلامية) ص123. في القسم الثاني من الكتاب يقدن كل من الدكتور خليل والدكتور الكبسي رده على طروحات كل منهما، فيرى الخليل أن الكبسي يضع المساءلة في فضاء العولمة والألفية الثالثة، ويطالب بضرورة التخلي العربي والإسلامي عن مواربات القرنين السابقين. كما يرفض أن نضع وهمنا مقابل وهمهم، لأنه لا بد من نقضه عملياً، والثقافة العربية ليست في خطر بسبب محليتها، فهي تمارس تحضرها على طريق العالمية من خلال تطورها الذاتي.
وعلى الرغم من توافقه معه على الاعتراف بالتنوع كمدخل سليم إلى الاعتراف بالمحلية وعلى أن يكون إبداع المحلي في آفاق مفتوحة، إلا أنه يرفض العولمة الأميركية التي تقوم على غياب الحرية العالمية، والعدالة الجماعية، والسلام الكوني. أما تعقيب الدكتور الكبسي على ورقة الدكتور خليل فيتحدد في بقاء المسألة على شكلها القديم ذات الإطار التراثي والمضمون الديني، وفي الأسلوب الإنشائي - الخطابي الذي لا يعدو أن يكون سوى مقولات عامة، لأن فكرة بسيطة مميزة هي أفضل من هذا التوافق اللغوي.
وإذا كان دكتور خليل في رأيه لا يحدد مفهوم المثقف إلا بصورة باهتة، فإنه بالطريقة نفسها يبحث عن نمذجة ثقافية لا يعرفها، ويلجأ إلى هذه النمذجة، اعتقاداً منه أنها السبيل الوحيد لفهم تصوره لثقافة الإبداع، ثم يتحدث عن غائية هذه التوجهات، ويطرح عدداً من الأسئلة حول المفهومات التي يقدمها، ويجيب عنها.
وفي الختام، يناقش طروحاته حول المحلي والعالمي وما بينهما ويرى أننا أصبحنا مطالبين بتحديد الرهانات المستجدة أمام المثقف والسلطة، وبيان كيفية الإفادة من العولمة. إذ لا بد من فتح جسور الحوار بين الثقافات وداخل ثقافتنا المحلية بدلاً لما يراه د. خليل وهو المواجهة بين محليتنا والعالمية، لأن الوقوف عند المنظومة الكلاسيكية يؤدي إلى التباس الرؤية، ويجعل صاحبها غير مؤسس لمبادئ وأفكار تسائل المحلية والعالمية في وقت واحد.
ويؤكد الدكتور الكبسي أخيراً أن التنوع، يعيد الإبداع إلى موقعه الأصلي، فالإبداع يجب أن يقوم على تمثل المشاعر المشتركة باعتبارنا أسرة واحدة. لكن إذا كان الدكتور خليل يتعامل مع الثقافة العربية الإسلامية برؤية مثالية، فإن الدكتور الكبسي رغم نقده لذلك، يتعامل مع العولمة والعالمية. برؤية مثالية مشابهة تجعلنا نرى فيها خلاص الإنسانية، وحوار الثقافات المحلية والعالمية في الوقت الذي نجد فيه زعيمة هذا النظام العالمي تمارس القوة الغاشمة والتهديد على العالم، محاولة التفرد بقيادته، وفرض قيمها ومفاهيمها ومصالحها عليه، إضافة إلى أن جعل العالم سوقاً واحداً لمزيد من الاستهلاك، ينشر معه ثقافة الاستهلاك بنمطها وتوجهاتها وأهدافها، وهو ما يفرض نمط الثقافة الواحدة على العالم أجمع.

إضافة تعليق