معارض الكتب الآن: ضرورة أم ترف؟

قرأت تعليقات كثيرة عن قرارات كثير من الدول إلغاء معارض الكتب فيها هذا العام، مواكبة للاحترازات العديدة التي تتبع الآن للحد من انتشار وباء كوفيد-19 الذي ما زال يعربد بضراوة، ويجدد طاقته للفتك، من دون أي نية في التوقف كما يبدو. ويعتبر ذلك غريبا فعلا، لأن الفيروسات في الغالب تهمد لفترة قد تطول وقد تقصر، كما يحدث في فيروسات الانفلونزا الموسمية، وكما حدث لفيروس إيبولا الذي ظل خامدا قرابة الأربعين عاما قبل أن ينشط من جديد.

كثير من الكتاب غير راضين عن إغلاق معارض الكتب، ومعروف أن تلك المعارض الموسمية، في كل البلاد، تشكل أدوات جذب كبيرة للكتاب والكتابة، هي مواقع للقاء المبدعين ببعضهم، وبقرائهم وبالناشرين الذين يأتون من كل مكان لتسويق بضائعهم المعرفية، وأيضا مواسم لإطلاق الإصدارات الجديدة، والاحتفال بها بما يليق. وممكن جدا أن تكون ذات جذب سياحي، خاصة في تلك البلاد التي تهتم بمظهر المعرض، ومرافقه، ويمكن للزائر أن يعثر فيها بجانب الكتب على وسائل ترفيه أخرى، ومطاعم وكافتيريات، وقاعات للمحاضرات، تقدم المعرفة في كل شيء.

وأظن أن معارض الكتب بمواصفاتها تلك أصبحت، في السنوات الأخيرة، جزءا من العام، أي باتت نشاطا قائما في زمن مقتتطع في العام، يعرف الناس موعده منذ وقت طويل، ويجند له المتطوعون لإنجاحه، وأيضا ترصد له ميزانيات كبرى، حتى ينجز على أكمل وجه.

وأظن أن معرض الدوحة للكتاب في دورته الأخيرة، كانون الثاني/يناير الماضي، كان من الفخامة والجدية والذوق في معاملة الكتاب وزوار الكتاب، نموذجا متفردا. كما أنني زرت معرض القاهرة منذ عامين في مقره الجديد، وكان سوقا سياحيا مهما، ارتقى أيضا بمظهر معارض الكتب، وكان فيه جمهور كبير جدا، ربما أكبر من الجمهور الذي نراه في مدن الملاهي والمتنزهات العائلية.

لن أقول إن تلك الجماهير جاءت لتتسوق من الكتب، ومعروف أن الأوضاع الاقتصادية في بلداننا لا تسمح بتسوق الكتب إلا بمقدار، ولكن على الأقل أعطى ذلك معرض الكتاب زخما كبيرا، وارتقى به إلى مرتبة الجماهيرية، ومؤكد حتى غير القراء ستلفت أنظارهم عناوين ما، وربما يقتنونها.

أيضا كنت العام الماضي في معرض الكويت، ووقفت في ركن دار ذات السلاسل الكويتية الكبيرة، المزدحم بالكتب في أناقة، وقفت للتوقيع على كتاب لي صدر هناك، وانتبهت إلى أن كثيرا من المبدعين يقفون في أركان متناثرة في المعرض، وأمام كل مبدع قراء ينتظرون دورهم في التوقيع. هناك ابتسامات كثيرة، ومشاعر متبادلة بين الكاتب وكتابه، والكاتب وجمهوره، والجمهور والكتاب الذي يوقعه الكاتب.

معروف أيضا أن معارض مثل الرياض والشارقة وأبو ظبي والجزائر ومسقط، لها كاريزما خاصة، ويسافر إليها المبدعون حتى لو لم يكونوا مشاركين في نشاط هناك أو وصلوا إلى قوائم جوائز ستعلن نتائجها في تلك المعارض، إضافة إلى حرص الناشرين على حضورها. وعموما في رأيي، فإن معارض الكتب بغض النظر عن سلبيات ربما توجد فيها، فهي أهم من المكتبات في تلقي الكتاب وإيصاله للجمور الذي ينتظره والذي قد لا يكون ينتظره لكن يعثر عليه بسهولة.

في المكتبات تركد الكتب، وتتغبر، وتجد دائما قسم القرطاسية والكومبيوتر والهاتف الجوال وملحقاته في مكتبة مثل جرير وفيرجن، رائجا جدا. الكل يجرب ويسأل، ويقتنع ويخرج محملا بما اشتراه، بينما في قسم الكتب، الذي يمتلئ أيضا بكل أنواع المعارف، لن تعثر سوى على  شخصين على الأكثر، يتسكعان بين الرفوف، ويقلبان الروايات والمجموعات الشعرية، ويلقيان بنظرات غير مهمة على لافتة “صدر حديثا” ثم يتركان المكان في النهاية، وربما ينضمان للزحام، في الأقسام الأخرى.

في معارض الكتب لا غبار سيتراكم، ولا نظرات محدودة سترمق بها الكتب، إنه زخم واع، مستمر لعشرة أيام أو أكثر قليلا، ويحصل فيه الكتاب على هيبته ومكانته.

لنتساءل إذن ونعرف أن معرض الشارقة لم يلغ، وفتح أبوابه للناشرين والجمهور، باحترازات كثيرة كما أعلن، والملفت للنظر أن الناشرين أو المبدعين كأنهم لم يصدقوا أن هناك معرضا مفتوحا، فكثرت الإعلانات التي تروج للكتب وأجنحة دور النشر هناك. ففي كل وسائل التواصل الاجتماعي المعروفة ستعثر على إعلانات مثل: جناحنا في معرض الشارقة رقم كذا، كتابي متوفر في معرض الشارقة، سأوقع كتابي يوم كذا في معرض الشارقة.

إنه الحنين إلى الزخم الموسمي كما ذكرت، الحنين إلى الصحبة الطيبة، والسوق السريعة، واللقاء والوداع للسلعة التي يحبها بعضنا حبا عظيما. وشخصيا من المخلصين لهذه السلعة لدرجة أنني أنسى أحيانا أن لدي كتابا ما، فأعاود شراءه من جديد. وعثرت مؤخرا أثناء تنظيمي لمكتبتي على نسخ مكررة لبعض الكتب، مثل رواية “الحب في زمن الكوليرا” لماركيز، التي يبدو أنني أدمنت شراءها من شدة عشقي لها.

نتساءل: هل فعلا معارض الكتب ضرورة؟

نعم، معارض الكتب ضرورة، وبقليل من الشفافية يجب أن تعامل مثل المولات التجارية، ومحلات السوبر ماركت الكبيرة. ولأنها موسمية، والمعرض فيها لا يدوم إلا أياما قليلة، فيجب أن تستمر جهود دعمها، وتفعل لها أدوات الاحتراز من كورونا كلها، ولو دخلنا أي مول تجاري، في أي بلد، سنعثر على الناس يتسوقون في تباعد، لابسين الكمامات الواقية، والواحد تقاس حرارته قبل الدخول إلى السوق التجارية.

سيرى البعض أن التباعد غير منطقي في أجنحة الكتب الضيقة في العادة، لكن لنقل إن مساحات أوسع ستمنح، وعددا قليلا سيكون موجودا في أي دار نشر، وأعتقد أن من يأتي للمعرض بكل هذه الاحترازات سيأتي مشتريا للسلعة، وباحثا عن الجديد فيها، لا متنزها فقط.

إضافة تعليق

4 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.