معالم مدرسة التجديد الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر - مالك بن نبي نموذجاً- (الجزء الأول)

برز نخبة من العلماء والمفكرين المسلمين المعاصرين استشعروا ووعوا منذ البداية جدية التحديات الآتية من الغرب ونموذجه الحضاري وخطورتها، وانكبوا على معايشتها وإدراكها من أجل استيعابها لبلورة موقف واع وبناء، ويأتي في طليعة هؤلاء محمد إقبال ومالك بن نبي والفاروقي وشريعتي وجارودي وعبد الوهاب المسيري
أولا/ مفهوم التجديد في الفكر الإسلامي:
يمثل التجديد في الفكر الإسلامي سمة بارزة لرسالة الإسلام،من خصائص الإسلام الأساسية أنه خاتم الأديان السماوية، وحتى يتحقق له الخلود فمن الضروري أن يتجدد عطاؤه الحضاري في كل عصر، لأن التجديد في الإسلام وريث تتابع النبوات و الرسالات في الأمم السابقة.
عرف الفكر الإسلامي المعاصر مستويات متفاوتة في التجديد تحمل أنماطا وأنساقا متباينة في الخطاب، يمكن حصرها في الاتجاهات الآتية:
المجال الفكري الأصولي:
يعنى إعادة الأفكار إلى جذورها وذلك بإزالة الشوائب التي عكرت صفوها، وهذا ينطبق على أهم تيارات التجديد في الفكر الإسلامي حيث عبرت عن نهضة شاملة تقوم على تطهير الإسلام مما لحق به من شوائب، أصدق تعبير على هذا تعريف أبي الأعلى المودودي التجديد في الحقيقة عبارة عن تطهير الإسلام من أدناس الجاهلية، وجلاء ديباجته حتى يشرق كالشمس ليس دونها غمام2.
لاحت بوادر هذا الاتجاه مع بداية القرن التاسع عشر، الذي يعد عصر التقدم العلمي والتقني في الغرب، وعصر التخلف و الانحطاط و الفساد والاستعمار في الشرق.
أمام هذا الوضع المتأزم برز سؤال في غاية الأهمية:ما هو سر تقدم الغرب مع كفرهم وبالمقابل تأخر العرب و المسلمين؟وما هي الوسيلة المثلى و الناجعة،التي يمكن للمسلمين عن طريقها أن يصبحوا جزء من العالم المتحضر مع الحفاظ على تراثهم العقدي و التاريخي؟
انتهى رأي علماء هذا التيار إلى الاتفاق على أن تقهقر العرب والمسلمين وضعفهم، يعود إلى أنهم هجروا تعاليم الإسلام الصحيحة، وافتتنوا بالحضارة الغربية فارتموا في أحضانها.
يمثل هذا الاتجاه معظم الأدبيات الإسلامية التي قدمها المفكرون المسلمون المعاصرون، و التي تتبنى قضية العودة إلى الذات وتجعلها محورا أساسيا لمشروع النهضة الحضارية.
اتخذ هذا الاتجاه في عمومه منهجا متشددا في التعامل مع الآخر وخاصة في مواجهة الفكر الغربي ومناهجه حيث اتسم بموقف التصدي للتحدي الحضاري الغربي، خلف هذا التحدي نزوعا إلى الانتصار إلى الهوية الإسلامية بالعودة إلى أسباب العزة الكامنة و بعثها من جديد.
إن هذا الاتجاه اضطلع بدور عظيم في زمن الانبهار بالغرب و حضارته، ومحاولة هذا الأخير القضاء على أصالة الشعوب و حضارتها و الدعوة إلى الارتماء في أحضان الفكر الغربي باعتباره النموذج الوحيد والأمثل لأي نهضة وتقدم.
ولذلك أضحت غاية هذا الاتجاه إبراز الحقائق الإسلامية وبعثها من جديد و إحياء النفوس بها، و أن هذه الحقائق صالحة لكل زمان ومكان، و أنها الكفيلة بانتشال الأمة من حالة الانحطاط و التردي، وتدفع بها إلى النهوض والتقدم.
وهكذا أصبحت مشكلة العرب والمسلمين في القرن التاسع عشر والتي شكلت قضية التجديد الأساسية هي رد الاعتبار للدين والتراث، حتى تعود للمسلمين حريتهم، ويتم استرجاع مجدهم الضائع.
وبذلك اضطلع أصحاب هذا التيار بأدوار في غاية الأهمية تمثلت أساسا فيما يلي
- نجاحهم في دعوة المسلمين -حتى وإن اقتصر على التنظير- إلى الاتحاد ضمن إطار الجامعة الإسلامية التي يمكن أن تضم المسلمين من كل القوميات.ونبذ التعصب الديني والمذهبي مما خفت حدة التوتر بين المذاهب الإسلامية حول المسائل الفقهية والدينية.
- بالرغم من أن الدعوة للاتحاد لم ترق إلى مستوى الممارسة التنظيمية الفعالة بسبب غياب مشروع استراتيجي يجسدها على أرض الواقع لكن دورها كان فعالا في شحذ الهمم وجمع الطاقات للتصدي للاستعمار.
يرى الأستاذ طارق البشري أن الدعوة الإسلامية ظهرت في أواخر العشرينات كدعوة لاسترداد الأرض المفقودة أو الأرض المغزوة بالمعنى العقائدي الحضاري السياسي ولذلك ظهرت كدعوة لمطلق الإسلام3،لقد اتسم الفكر الإسلامي المعاصر،بشكل عام، بسمة العداء الشديد للاستعمار والدعوة إلى محاربته بكل السبل المتاحة فالخطاب السياسي المعادي للاستعمار لـه حضور بارز ضمن نسيج هذا الفكر.
برز نخبة من العلماء والمفكرين المسلمين المعاصرين استشعروا ووعوا منذ البداية جدية التحديات الآتية من الغرب ونموذجه الحضاري وخطورتها، وانكبوا على معايشتها وإدراكها من أجل استيعابها لبلورة موقف واع وبناء، ويأتي في طليعة هؤلاء محمد إقبال ومالك بن نبي والفاروقي وشريعتي وجارودي وعبد الوهاب المسيري
ارتبط هذا الخطاب أصلا بواقع المسلمين الذين يعانون تخلفا وتشويها على المستوى الديني وتسلطا غربيا استعماري على المستوى السياسي فكان لهذا الخطاب مبرراته الزمانية والمكانية.
لنا أن نتساءل:لماذا بقي هذا الخطاب وموقفه المتشدد من الآخر مهيمنا على الأطروحات الإسلامية؟ وهل الآخر كله استعمار؟ وهل بإمكان الخطاب الإسلامي أن يتجاوز أدبياته المتشددة حول الآخر خاصة بعد خروج الاستعمار من البلاد الإسلامية؟
إن الانتصار لهذا الخطاب واستحضاره في واقعتا الحالي لا يمكن أن يتعدى مستوى التقييم والاستفادة من الأخطاء، وللإنصاف أن هذا الاتجاه استنفد جهوده لأنه ارتبط بضر وف زمانية خاصة ولم يستطع أن يواكب التحديات المتراكمة والمتغيرات المتسارعة، وتحول في أغلبه إلى نزعة خطابية مثالية، هدفها تمجيد الماضي وتجاهل الحاضر.
التيار الفكري الحداثي:
مثله المفتنون والمنبهرون بالفكر الغربي الجديد لما حققه من إنجازات بفضل المناهج الحديثة مقارنة بأوضاع التردي والتخلف التي تطبع الفكر التراثي المرتبط بالدين وقضاياه.
يسود هذا الاتجاه الدراسات الإستشراقية وما تمخض عنها من دراسات تعزى إلى تلامذة المستشرقين، خاصة أولئك الذين انبهروا بالفكر الغربي وما حققه من إنجازات، فقد هال رهطا من المسلمين حالة الانحطاط و الفوضى التي ألمت بالمسلمين، مقارنين بين حالة التقدم التي عليها أهل الغرب، فرأوا بأن نجاة الأمة وخلاصها ينحصر في ذلك المنهج الذي أخذ به الفكر الغربي وطبقه، فراحوا يستنسخون هذا المنهج ويقحمونه في الدراسات الإسلامية.
وكان من شأن هذا الانبهار أن برزت أزمة منهجية حادة في الدراسات الإسلامية يعتريها شعور دفين بالمغلوبية الحضارية إزاء الفكر الغربي،مما أعاق هذا الشعور العقول عن أن تعي بموضوعية مختلف المعطيات، سواء التي أنتجها الفكر الإسلامي الأصيل، أم الفكر الغربي الوافد، لتقارن بين الجانبين و تأخذ ما ينفعها وتدع ما يضرها.
التحدي الأكبر الذي واجهه الفكر الإسلامي المعاصر يتمثل في الإجابة عن التحديات الفكرية والحضارية الغربية في مختلف المجالات، وإذا كانت اتجاهات الفكر الإسلامي الأصولي قد هونت من شأن مواجهة هذه التحديات من خلال التصدي لها ومعاداتها واعتبار - كما ينقل الأستاذ محمد مبارك عنها-، كل ما أوتى من الغرب مرفوضا4،فإن هذا الاتجاهات لم تعد قادرة اليوم على اتخاذ الموقف نفسه ليس بسبب أن الغرب فرض نفسه كحضارة عالمية فحسب لا يمكن تجاوزها،ولكنه عكف على دراسة الحضارة الإسلامية بمناهجه المتحيزة كان لها أثرها الخطير على الفكر الإسلامي.
أمام هذا الوضع غير الناضج في التعامل مع الآخر الذي يكرس قصورا منهجيا، أصبحت مشكلات المجتمع الإسلامي بحاجة إلى مفكرين مسلمين من طينة الفلاسفة وهؤلاء بإمكانهم أن ينفذوا بنظرتهم العميقة والشاملة إلى جوهر المشكلة وأن يتتبعوا بوعي نفاط نشأتها وخطوط تطورها.
مفهوم الحضارة وثيق الصلة بحركة المجتمع وفاعلية أفراده،سواء في إقلاعه في أجواء الرقي والازدهار، أو في هبوطه وتراجعه,ومن أجل ذلك ينبغي أن يتوفر فهم واع وفقه حضاري لكل من يتطلع إلى إعادة الأمة لمجدها الحضاري، ويحقق لها ازدهارها المنشود.
إن المشكلة الحضارية برزت في السؤال الذي طرحه زعماء الإصلاح و شعورهم بمدى تخلفهم خلال قرون متعددة وهم في سبات عميق دون أن يأخذوا فيها بوسائل التقدم المادي ولا حتى بأسباب التطور الفكري والثقافي.
برز نخبة من العلماء والمفكرين المسلمين المعاصرين استشعروا ووعوا منذ البداية جدية التحديات الآتية من الغرب ونموذجه الحضاري وخطورتها، وانكبوا على معايشتها وإدراكها من أجل استيعابها لبلورة موقف واع وبناء، ويأتي في طليعة هؤلاء محمد إقبال ومالك بن نبي والفاروقي وشريعتي وجارودي وعبد الوهاب المسيري وهكذا بدأ يتشكل تيار جديد في الفكر الإسلامي المعاصر راح يستشف جوهر الأزمة وليس أعراضها.
ثانيا / مدرسة التجديد الحضاري :
بدا في الفكر الإسلامي المعاصر خطاب جديد يتجاوز غربة الزمان التي طبعت أدبيات الفكر الأصولي الذي لم يفلح في تجاوزها حين استحضر آليات اجتهاد القرون السالفة ومناهج تفكيرها وتفسيرها، ويتجاوز غربة المكان التي ميزت الفكر الحداثي حين استحضر آليات الحداثة الغربية مع خصوصيتها ومحاولة إقحامها في بيئة مغايرة.
تيار شامل له حضوره المميز في الفكر الإسلامي المعاصر، لا يقتصر على خطاب اجتهادي يخص قضية فقهية مع أهميتها، أو دعوة سياسية لمقاومة الاستعمار والتبعية للغرب مع ضرورتها.إنه خطاب تجديد غير مجزأ ينطلق من اعتبار الإسلام مشروعا حضاريا متكاملا لا يخص بيئة مكانية ولا ظرفا زمانيا ولا جنسا بعينه.
تميز هذا الخطاب في تبنيه أدبيات الدين الأساسية إلى جانب عدم تجاوز المعارف الإنسانية القيمية هذا ما نصطلح على تسميته تيار التجديد الحضاري.
يمكن تأريخ بداية بروز هذا اللون من التجديد إبان تردي الحضارة الإسلامية والتي تعاصر ظهور ابن خلدون فألهم ذلك ابن خلدون إلى أن يضع أول نظرية في فلسفة الحضارة.إن انهيار حضارة أمة تعد كارثة شاملة لكل المجالات لا تختص بجانب واحد لأنها تتبعها كوارث على كل المستويات لذلك مع انهيار الحضارة الإسلامية حتى صحبتها بدع في الدين وجمود في الفقه وشلل عقلي وتمزق سياسي مهد للاستعمار. لذلك فإن دعوة ابن خلدون التجديدية تتحدث بلغة جديدة تغوص في فهم الظاهرة لتقدم علاجا مناسبا، ومع عصر ابن خلدون بدأ العد التنازلي في تدهور الحضارة الإسلامية على المستوى السياسي بتمزق الدولة و الاستبداد بالحكم والتخلف الاقتصادي بسبب الفساد و الترف و تراجع الإنتاج العلمي ، وأصيب العقل بالعقم عن النقد و الإبداع، سواء في الفلسفة أو الفكر أو الأدب، أما الفقه فقد جمد الاجتهاد فيه بحجة الانتصار إلى أثار السلف،وعجز علم الكلام عن تشخيص مشكلة المجتمع الإسلامي في العصر الحديث ومعالجتها.
أسهم هذا الوضع المتأزم للمجتمع الإسلامي في أن فتح الباب على مصراعيه لدخول الاستعمار الذي أحدث شرخا عميقا وخطرا شاملا.ومع أن الخطاب الإسلامي شكل رصيدا هاما في مقاومة الاستعمار فانبثقت ثورات التحرير من أحشائه إلا أن ما يؤاخذ على هذا الخطاب بشكل عام أنه بدا متعدد الجوانب مشتت الجهود، حتى اقتصر فريق على جانب معين الدور كله في التجديد وأهمل الجوانب الأخرى، كمن جعل التجديد في الفقه أو في علم الكلام أو في السياسة ونحوها، وفات هؤلاء أن المشكلة عامة مست كل شيء.
لذلك انفرد التجديد الحضاري في أفكاره النهضوية جذريا عن باقي المصلحين الكبار، سواء على مستوى منهج التحليل أو على مستوى المعالجة و تقديم البدائل وذلك من خلال:
- الانتماء إلى المدارس الإصلاحية السابقة مع تقييمها للاستفادة من عثراتها و في المقابل الإطلاع على الفكر الغربي العلمي منه.
-أهمية المشكلات التي يتصدى لحلها وسعة الآفاق لجمع شتاتها حتى تبدو نمطا مركبا،هذا ما عبر عنه الأستاذ مالك بن نبي في قوله إن روح عصر ما بعد الموحدين،المصابة بالذريةAtomisme لا تسلك سبيل التكامل بانتهاج التركيب المتآلفsynthese 5.
وبهذا يستطيع المفكر أن يسهم في تنوير مجتمعه حول أهم القضايا التي تشغله، وتحديد الأهداف الكبرى التي يسعى إلى بلوغها .فالدين عند إقبال ليس أمرا جزئيا :ليس فكرا مجردا فحسب، ولا شعورا مجردا، ولا عملا مجردا،بل هو تعبير عن الإنسان كله6. يبرز هذا المعنى أكثر وضوحا عند الأستاذ مالك بن نبي في اعتقاده الراسخ على أن (مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبنى الحضارات أو نهدمها) 7 ، من هذا المنطلق الواعي بحقيقة الأزمة وأنها حضارية يدعو مالك بن نبي إلى ضرورة فقه الحضارة الإسلامية منذ بزوغها إلى أفولها .ومن هنا يمكن تعريف الحضارة( بأنها مجموعة العوامل المعنوية والمادية التي تسمح لمجتمع ما أن يوفر لكل فرد فيه جملة الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره، فالفرد يحقق ذاته بفضل إرادة وقدرة ليستا نابعتين منه، بل ولا تستطيعان ذلك، وإنما تنبعان من المجتمع الذي هو جزء منه) 8.
ينطلق مالك بن نبي في تحليله للحضارة الغربية من معايشته لها،وإن كتابه شاهد القرن لهو في حقيقته شاهد على هذه الحضارة بكل سلبياتها وإيجابياتها صاغ من خلاله الأستاذ تجربته بأسلوب شيق أخاذ بطريق تنم عن دراية شاملة وعميقة لهذه الحضارة .
يتضح مما سبق أن مفهوم الحضارة وثيق الصلة بحركة المجتمع وفاعلية أفراده،سواء في إقلاعه في أجواء الرقي والازدهار، أو في هبوطه وتراجعه,ومن أجل ذلك ينبغي أن يتوفر فهم واع وفقه حضاري لكل من يتطلع إلى إعادة الأمة لمجدها الحضاري، ويحقق لها ازدهارها المنشود.
الهوامش
1 ـ البريد الإلكتروني: [email protected]
2 ـ أبو الأعلى المودودي، موجز تاريخ تحرير الدين و إحيائه وواقع المسلمين و سبيل النهوض بهم،(الجزائر:باتنة،دار الشهاب) ، ص16
3 ـ منير شفيق، الفكر الإسلامي المعاصر والتحديات، (دار القلم، الكويت، ط2، 1993)ص35، 36
4 ـ محمد المبارك، المجتمع الإسلامي المعاصر، (دار الفكر بيروت، لبنان) ص106
5 ـ مالك بن نبي،، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ( ترجمة عمر كامل مسقاوي، دمشق: دار الفكر للطباعة، ط1، 1988) ص128.
6 ـ محمد إقبال، تجديد التفكير الديني في الإسلام، تعريب عباس محمود، (ط1985، آسيا بيروت)، ص7
7 ـ مالك بن نبي، شروط النهضة،ترجمة عبد الصبور شاهين دمشق:دار الفكر 1985 ص19-20
8 ـ مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ص128.

إضافة تعليق