معالم مدرسة التجديد الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر - مالك بن نبي نموذجاً- (الجزء الثاني)

ثالثاً-معالم مدرسة التجديد الحضاري:درج أغلب الباحثين على اعتبار مالك بن نبي بمثابة ابن خلدون العصر الحديث، وأبرز مفكر أولى عناية فائقة بالفكر الحضاري الإسلامي منذ ابن خلدون، فهو من أرسى قواعد مدرسة التجديد الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر حيث انفرد عن أقرانه من المصلحين بأنه درس مشكلات الأمة الإسلامية انطلاقا من رؤية حضارية شاملة ومتكاملة، فقد انصبت جهوده لبناء الفكر الإسلامي الحديث وفي دراسته المتميزة للمشكلات الحضارية عموما.يقول جودت سعيد:(وكان بذلك أول باحث حاول أن يحدد أبعاد المشكلة على أساس من علم النفس والاجتماع وسنة التاريخ)9.
تبدو ملامح هذه المدرسة التجديدية في الفكر الإسلامي المعاصر أكثر بروزا عند مالك بن نبي ،فيما يلي:
1- النزعة التقويمية للحضارة الغربية:
ليس من شك أن قصورا بارزا ظل يطبع آراء حركات الإصلاح الدينية المعاصرة في فهم الحضارة الغربية فهما عميقا حيث تمركزت نظرتهم حول النزعة العدائية التي راحت الحضارة الغربية تبثها ضد الشعوب والأجناس الأخرى،لذلك أولى المفكرون الإصلاحيون عناية فائقة بآراء المفكرين الغربيين الذين يتناولون بالنقد النظامين الرأسمالي والاشتراكي دون سواهما، أو يبرزون الوجه المظلم للحضارة الغربية مثل تفشي حالات الانتحار ،أو الإدمان على المخدرات أو الجرائم،أو تفشي حالات الأمراض النفسية والعصبية ناهيك عننزوع الغرب نحو التسلح بامتلاك القنابل الكيميائية والنووية وما يتهدد العالم من حرب مدمرة.
إن من أهم مصائبنا اليوم نابعة عن قصور في فهمنا لحقيقة هذه الحضارة وما تملكه وقد لاحظ مالك بن نبي هذا القصور في فهم الحضارة الغربية وحذر من عواقبه، فالغرب ليس مفهوما مطلقا بل هو مسألة نسبية،كما يقول مالك بن نبي فإذا أدرك الفكر الإسلامي المعاصر هذا فسيكون من السهل عليه أن يعرف أوجه النقص فيه،كما سيتعرف على عظمته الحقيقية وبهذا تصبح الصلات و المبادلات مع هذا العالم الغربي أعظم خصبا، بحيث تظفر الصفوة المسلمة إلى حد بعيد بمنوال تنسج عليه فكرها ونشاطها10.
ونجد صدى هذا الكلام يتردد عند الدكتور المسيري في قوله إنما إن اكتشفنا أن الغرب نسبي وليس مطلقا، فستكون علاقتنا به مستريحة؛ يمكن أن نأخذ منه ما نريد ونرفض ما نريد. وليست المسألة كما قال بعضهم أن نأخذه بحلوه ومره. لذلك كان لابد على الخطاب الإسلامي المعاصر أن يدرك أن الغرب ليس غربا مسيحيا، وإنما هو غرب وثني وعلماني وهذه مسألة أساسية، ولا يزال الخطاب الإسلامي يدور في إطار أن الغرب نصراني.
نعني بالنزعة التقويمية للحضارة الغربية ذلك الإدراك الواعي بحقيقة الحضارة الغربية من خلال إفرازاتها الحضارية المتعددة الأبعاد في العصر الحديث ومدى انعكاساتها على ذلك العصر.
إن معرفة على هذا المستوى تتطلب معايشة هذه الحضارة لفهم تركيبتها وأنماطها، وقد كان لبن نبي حظ وافر في معايشة هذه الحضارة،والفكر الإسلامي المعاصر في أمس الحاجة للاستفادة من هذه التجارب الحية بعيدة عن الأحكام المسبقة والمتشنجة.
أظهر تيار التجديد الحضاري مهارة فائقة في تشخيص النفسية الأوروبية وفهم أغوارها، يرى مالك بن نبي أن نزعة عدوانية تسري في عروق الحضارة الغربية تجاه الآخرين وهي نتاج ترسبات لأحداث تاريخية.
- معايشة الحضارة الغربية:
ينطلق مالك بن نبي في تحليله للحضارة الغربية من معايشته لها،وإن كتابه شاهد القرن لهو في حقيقته شاهد على هذه الحضارة بكل سلبياتها وإيجابياتها صاغ من خلاله الأستاذ تجربته بأسلوب شيق أخاذ بطريق تنم عن دراية شاملة وعميقة لهذه الحضارة .
بدأت رحلة مالك بن نبي مع الحضارة الغربية منذ نعومة أظفاره، التحق بالمدرسة الفرنسية الابتدائية وتأثر بأستاذه مارتان martin الذي نقش في نفسه الذوق الرفيع وفن الكتابة فانكب على دراسة الباحثين الغربيين أمثال بيار لوتياا pierre lotiوكلود فاريا claude fareولا سيما بيار بورجي pierre borjier الذي كان له عظيم الأثر في أن يصقل مواهبه وهو فتى يافعا ليتخلى عن بعض أوهامه وسذاجته.
ولقد كان لهذا الاتجاه أن يأخذ به حسب رأيه إلى أبعد الحدود لولا دروس الشيخ مولود بن موهوب في التوحيد والسيرة وتلك التي للشيخ بن العابد في الفقه والتي كانت تصحح له من حين إلى آخر بعض المفاهيم والتصورات فضلا عن الدروس الشيخ عبد المجيد الذي كان يحلل فيها بعض وجهات نظره في انحراف المجتمع وتجاوزات الإدارة الفرنسية، وقد عزز ذلك كما يقول في نفوسنا تأييدا وحماسة.
كما أن من الكتب الهامة التي اطلع عليها في هذه الفترة واعتبرها من الينابيع البعيدة المؤثرة والمحددة لاتجاهه الفكري كتاب الإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق أحمد رضا ورسالة التوحيد محمد عبده فقد أمده بغنى الفكر الإسلامي عبر العصور .
لقد أسهم هذان الكتابان في تصحيح بعض التصورات التي كانت لديه سواء فيما يتعلق بالمجتمع الإسلامي أو المجتمع الغربي، وحالا دون انسياقه في الرومانطيقية التي كانت شائعة آنذاك في صفوف ذلك الجيل من المثقفين الجزائريين11.
سافر بن نبي إلى باريس في شهر سبتمبر من العام 1930 وبعد وصوله حاول قام مباشرة بتسجيل اسمه في القائمة الطلبة المعنيين بالمشاركة في امتحانات القبول بمعهد الدراسات الشرقية ولضر وف سياسية يمنع من الالتحاق بالمعهد. وفي هذه المدينة الفرنسية بدأ يتعرف شيئا فشيئا هذه المرة وبصورة عملية عن جوانب من حياة الأوروبيين وخاصة المجتمع الفرنسي فهو يقول _(لقد صفا الجو لاهتماماتي الاستطلاعية وتجولاتي الاكتشافية التي ساقتني ذات يوم إلى متحف الفنون والصناعات بقرب باب سان دونيس حيث وقفت تلك العشية أفكر لأول مرة في الجوانب التكنولوجية للحضارة وأنا أشاهد بين روائع المتحف القاطرة الأولى التي تحركت بالطاقة البخارية والطائرة التي عبر عليها بلير و بحر المانش.12)
ولم يكن الأستاذ منطويا على نفسه بل عمد إلى التواصل مع بعض الأسر الفرنسية البورجوازية فيقول أنها كانت تكشف لي عن الحياة الأوروبية من الداخل في نطاق عائلي بينما لم أكن في الجزائر أعرفها إلا من الخارج.
وفي باريس تعرف صدفة على الوحدة المسيحية للشبان الباريسيين التي تدار وتنظم شؤونها طبقا لضرورات شباب يدرس أو يعمل بعيدا عن مكان إقامة الأهل.وهكذا أصبح بن نبي عضوا مسلما يدعو إلى دينه بكل وضوح في هذه المنظمة وقد ساهم ذلك في نظره كثيرا في تبادل الآراء وإثرائها وذلك انطلاقا من قناعات و مواقف فكرية مختلفة.
أخفق بن نبي في الالتحاق بمعهد الدراسات الشرقية لأن الدخول إلى هذا المعهد كان يخضع في نظره خاصة بالنسبة لمسلم جزائري مثله إلى مقياس غير علمي يذكر ذلك بقوله :لم تبد لي أية صعوبة في الاختبارات ولكن كانت خيبة أمل :لم أنجح ولبس هذا كل ما في الأمر بل لقد طلبني مدير المعهد، وفي هدوء مكتبه الوقور شرع يشعرني بعدم الجدوى من الإصرار على الدخول إلى معهده فكان الموقف يجلى لنظري بكل وضوح هذه الحقيقة : إن الدخول لمعهد الدراسات الشرقية لا يخضع بالنسبة إلى مسلم جزائري لمقياس علمي وإنما إلى مقياس سياسي.
التحق بعد ذلك بمدرسة اللاسلكي لدراسة هندسة الكهرباء وهناك أدرك بأنه قد دخل هذه المرة إلى الحضارة الغربية من باب آخر بعد أن دخلها من باب وحدة الشبان المسيحيين الباريسيين فالساعات التي كان يقضيها في الورشة لم تكن كما يقول: مجرد لعب بل كانت ممتلئة بشعور الوارد على دين جديد تجاوزا يقوم بطقوسه في معبد هذه الحضارة الآلية التقنية ولم تكن أيضا تخلو من ملاحظات وبواكير لتفكير اجتماعي بدأت تخامر عقلي فبينما تلك الأدوار البسيطة في يدي أشعر بأنها ليست لمجرد اللعب، بل هي دلائل على مقدار تطور المجتمع لأن المجتمع البدائي آلته اليد والإصبع.
لقد أثار ذلك فيه شغف البحث أكثر عن سبل تطوير مجتمعه والتحاقه بالركب الحضاري، وأثناء الفترة الدراسية انكب على تبادل الرأي مع زملائه الطلبة في الحي اللاتيني حول آراء عدد من المفكرين العالميين أمثال نيتشه وسبينوزا تخرج سنة1935 مهندسا كهربائيا.
كما عكف على مطالعة كتب بلزاك التي أمدته بمعلومات نفيسة عن حياة المجتمع الفرنسي عندما بدأت بعد العهد النابليوني انطلاقاته في العهد الصناعي لقد كانت هذه المطالعات وهذه الملاحظات وهذه الموازنات كلها كما يقول حقلا خصبا لأفكاري الاجتماعية الناشئة.
إلى جانب دعوة مالك بن نبي إلى الاستفادة بالتقنية الغربية كذلك يهيب بالأمة أن تأخذ بالجانب الجمالي الذي يميز هذه الحضارة، فهو لا يجد حرجا في الاعتراف بفضل زوجته الفرنسية التي أيقظت في نفسه الحس الجمالي و الذوق الرفيع . إن العالم الإسلامي لا يمكنه أن يعيش في عزلة وانطواء،فليس الهدف أن يقطع علاقته بحضارة تمثل وتشكل إحدى التجارب الإنسانية الكبرى،بل المهم أن ينظم هذه العلاقات معها .
تزوج في عام (1350هـ/1931م) من امرأة فرنسية أسلمت على يديه، وساهمت زوجته في تنمية ذوقه وحسه الجمالي، واستطاع أن يوسع شبكة علاقاته الفكرية والثقافية في باريس، فالتقى هناك بشكيب أرسلان وغاندي.
لبث ابن نبي في أوروبا أكثر من ثلاثين سنة أعانته في إظهار ذاتيته وإيقاظ الشعور في نفسه وفكره وتحرره من قبضة الثقافة الغربية13.
يتضح مما سبق ذكره أن معايشة بن نبي للحضارة الغربية كانت عميقة ومتجذرة، لم تتجاوز المعرفة السطحية والشكلية للغرب فحسب ولكنها تجاوزت حدود الافتتان والانبهار.
تميزت هذه المعايشة للحضارة الغربية من خلال ما يلي:
- الدراسة العلمية و الأكاديمية في المدارس والجامعات الغربية بلغاتها،
- الانفتاح والتواصل مع الآخر سواء كان من عامة الناس أو الخاصة من علماء وحكام.
خلفت هذه المعايشة عن قرب للحضارة الغربية موقفا معرفيا واضحا حول الحضارة الغربية بتحليل القيم الأوروبية فهي ليست شيئا واحدا, بحيث نجد سهولة كبيرة في فهم حركات الإصلاح الديني للحضارة الغربية على أنها روح عدوانية وماله علاقة مباشرة بالاستعمار.لذلك ما لبث أصحاب الاتجاه الحضاري نقد هذا القصور في إدراك حقيقة الحضارة الغربية.
ومالك ينتقد الإصلاحيين الدينيين في عدم قدرتهم في فهم الظاهرة الغربية لأنه كان يحمل تصورا واحدا فالكفر ملة واحدة (هذه فترة من تاريخ أوروبا وقد أصابها الانفصال في أوضاعها الأخلاقية والسياسية والاجتماعية،وهي الفترة المعاصرة لجبروت العصر الاستعماري،ولبوادر النهضة الإسلامية الأولى، وبهذه الدفعة المادية المزدوجة،دفعة البرجوازية،ودفعة البروليتاريا، تجلت أوروبا للعالم الإسلامي فأدرك نفوذها في تطوره الفكري والسياسي فهو لم يكتشف في أوروبا حضارة بل اكتشف فوضى كانت تتعاظم داخلها الانفصاليات طبقا لعاملين كان لهما في هذا الشأن وزن كبير هما :سرعة النمو العلمي و التوسع الاستعماري)14.
إن النظام الذي خلق الفوضى كما يذكر بن نبي في أوروبا ذو صبغتين فهو علمي واستعماري في آن، فإذا ما كان في أوروبا فكر بمنطق العلم، أما إذا انساخ في العالم فانه يفكر بعقلية الاستعمار.
وبهذا تنكشف الملامح الحقيقية للحضارة الغربية عند مالك بن نبي في مايلي:
-النزعة العدوانية:
أظهر تيار التجديد الحضاري مهارة فائقة في تشخيص النفسية الأوروبية وفهم أغوارها، يرى مالك بن نبي أن نزعة عدوانية تسري في عروق الحضارة الغربية تجاه الآخرين وهي نتاج ترسبات لأحداث تاريخية. يشير إلى هذا المعنى الأستاذ مالك بن نبي في قوله أما فيما يتصل بأوروبا فان ما ألصقته القرون بعاداتها وصبغت به حياتها يشق على الاتجاه الجديد أن يعدل حرفه، ويرجع مالك ذلك إلى نفسية المركبة للأوروبي من التراكمات التاريخية لعلاقة الأمم وهنا فهو يرسي دعائم علم جديد في فلسفة التاريخ علم نفس المجتمعات.يتحدث فيه عن ظاهرة تخلف الضمير وعدم مواكبته لتقدم العلم. تخلف الضمير في نموه عن العلم وعن حركة الفكر. فما الضمير إلا تلخيص نفسي للتاريخ، وخلاصة لأحداث الماضي منعكسة على ذات الإنسان،فهو بلورة للعادات والاستعدادات والأذواق .
وهنا يتحدث مالك عن الغرب الاستعماري وأن العدوان والعنصرية متأصلة فيه ومن ناحية أخرى، لا بد أن نبين للناس - أيضا- أن المنظومة الحداثية مرتبطة بالاستهلاكية والتوجه نحو اللذة. وقد تمكن الإنسان الغربي أن يحقق معدلات عالية من الاستهلاك واللذة، ومرة أخرى عن طريق النهب الاستعماري
تلكم مأساة الحضارة الحديثة في عمقها كما يذكر بن نبي فان الضمير الحديث لم يتمثل بعد أغلب ما حققه العلم من مخترعات كما أكد مالك بن نبي أن خطر هذه النزعة يلحق أضرارا بالغة للحضارة .
إن هذا الاتجاه لا يحصر خطر هذه النزعة على الإنسان المسلم فحسب وإنما خطرها يمس الإنسان من حيث هو إنسان حتى الإنسان الغربي يلاحقه خطرها هذا ما أقره الأستاذ بن نبي فالاستعمار إذا كان قد ألحق ضررا بليغا بالبلدان المستعمرة فانه قد أضر كذلك بالحياة الأوروبية ذاتها، لأن الاستعمار الذي يهلك المستعمرين ماديا، يهلك أصحابه أخلاقيا.
وهنا يدق مالك بن نبي ناقوس خطر الحضارة الغربية على العالم إذا استفزت أفكارها وأساطيرها لأن أثره عالمي كما يؤكد مالك أن التهور الأوروبي تهور ذو دوي وضجيج،بل أن الأساطير الأوروبية نتائجها وخيمة ومهلكة،لأن المادة في قبضتها تتصرف فيها كما تشاء، ومادام الأمر كذلك فيوشك أن تهدم كل شيء بطريقة علمية،فتنسف بقنابلها الذرية البلاد والعباد15، وخير دليل على هذا الكلام العربدة الأمريكية على العراق وما خلفته من دمار شامل،لذلك فنزوة عاطفية مهما علت ليس بإمكانها مواجهة حضارة بهذا الزخم العلمي والترسانة العسكرية الهائلة.
- النزعة العلمية:
إن النزعة العدوانية التي طبعت الحضارة الغربية في تعاملها مع المجتمع الإسلامي لا يمكن لهذا المجتمع أن يغض الطرف عن ما تميزت به هذه الحضارة من نزعة علمية ،يقول مالك بن نبي فإذا ما أدرك العالم الإسلامي أن صدق الظواهر الأوربية مسألة نسبية،فسيكون من السهل عليه أن يعرف أوجه النقص فيها،كما سيتعرف على عظمتها الحقيقية وبهذا تصبح الصلات و المبادلات مع هذا العالم الغربي أعظم خصبا، بحيث تظفر الصفوة المسلمة إلى حد بعيد بنموذج تنسج عليه فكرها ونشاطها.
ومالك بن نبي يدعو إلى تفكيك أنساق هذه الحضارة ليتيح لنا أن نقف أمام نظام أروبا كإنسان لا كمستعمر وبذلك تنشأ حالة من التقدير المتبادل، والتعاون المثمر، بدلا من تلك العلاقة المادية الجافة التي تنبعث من علاقة أوروبا المستعمرة بالعالم الإسلامي القابل للاستعمار16.
يخلص مالك بن نبي إلى نتيجة حتمية أن الحديث عن إنسانية أوروبا لا يمثل إلا حديثا عن نزعة إنسانية صورية دون مضمون ،إنسانية أوروبية في الداخل وإنسانية استعمارية في الخارج وهذه الأخيرة قائمة على أقبح المعادلات السياسية وأشنعها فالإنسان في عرفها مضروبا في المعامل الاستعماري يساوي مستعمرا.
هكذا ظل يدعو إلى ضرورة الاطلاع على الفكر الغربي العقلاني منه وذلك بعد فرز النظام الذي خلق الفوضى في أوروبا حيث عزاه إلى صبغتين علمي واستعماري في آن، فإذا ما كان في أوروبا فكر بمنطق العلم، أما إذا استشرى في العالم فانه يفكر بعقلية الاستعمار.17
يكمن الرصيد الحضاري للغرب وتفوقه في ثلاث كلمات : العلم والتقدم والحضارة خطت منها أفكارا مقدسة سمحت لها أن ترسي داخل حدودها قواعد حضارة القرن العشرين وأن تبسط خارج حدودها سلطتها على العالم،زودتها بالفعالية18. بالإجمال فإن أوروبا ركبت في مضمون ثقافتها مزيجا من الأشياء والأشكال من التقنية والجمالية19.
إلى جانب دعوة مالك بن نبي إلى الاستفادة بالتقنية الغربية كذلك يهيب بالأمة أن تأخذ بالجانب الجمالي الذي يميز هذه الحضارة، فهو لا يجد حرجا في الاعتراف بفضل زوجته الفرنسية التي أيقظت في نفسه الحس الجمالي و الذوق الرفيع . إن العالم الإسلامي لا يمكنه أن يعيش في عزلة وانطواء،فليس الهدف أن يقطع علاقته بحضارة تمثل وتشكل إحدى التجارب الإنسانية الكبرى،بل المهم أن ينظم هذه العلاقات معها .

الهوامش

9 ـ جودت سعيد، مذهب ابن آدم الأول، ص14،15
10ـ مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص138.
11 ـ موس لحرش،مالك بن نبي :حياته ونتاجه الفكري.(مجلة مالك بن نبي،جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة الجزائر،جويلية،2006)ص16-40.
12 ـ مالك بن نبي، مذكرات شاهد القرن بيروت :ط1،1970 ص 12.
13 ـ المرجع نفسه ص12-109
14 ـ مالك بن نبي ، وجهة العالم الإسلامي، ص141..
15 ـ مالك بن نبي ، وجهة العالم الإسلامي، ص141.
16 ـ مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، 137
17 ـ لمرجع نفسه، ص147
18 ـ مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ص102
19 ـ المرجع نفسه، ص18

 

رابط المقالة

 

إضافة تعليق

9 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.