معاً نحو قراءة فاعلة

القراءة الجادة والمستمرة في أي مجتمع هي عنوان التقدم، وطريق الرقي والنهضة والحضارة. ومن المفارقات الغريبة والعجيبــة أننا أمــة «اقرأ» ولا نقرأ. فقد جاء الأمر بالقراءة في أول آيـة نزلت من القرآن الكريم، في قولـه تعالى
: «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، فنحن الأمة التي احتفت بالقراءة واهتمت بها اهتماماً كبيراً، في وقت كانت الدنيا كلها لا تدرك سر القراءة وأهميتها ودورها في البناء الحضاري.
وقد نفذت الأمة العربية آنذاك هذا الأمر بحماس منقطع النظير، وبهمة فائقة، فأبدعت حضارة رائدة، تركت لنا تراثاً ضخماً، لا مثيل لـه على وجه الأرض، ثم تعرضت أمتنا الإسلامية لموجات كثيرة من الغزو الخارجي الذي أدرك سر القراءة ودورها في بناء الأمة وتجديد شبابها، .
فكان من أول أهدافه إبعادنا عن القراءة بصفة عامة، وعن قراءة تراثنا، والتفاعل معه بصفة خاصة، لأنه يدرك أن قراءة تراثنا والتفاعل معه يدخلنا في دائرة الإبداع مرة أخرى.
ونعود، فنقول إن عزوفنا عن القراءة أصبح واضحاً، وضعفنا القرائي صار فاضحاً، وأن أسباب هذا العزوف كثيرة متعددة، لعل أبرزها، ما يلي:
ــ انحسار دور الأسرة في التوجيه القرائي، وانشغالها بالوسائل الإعلامية ذات البريق الكاذب والثقافة الوهمية، ونخص بالذكر، فضائيات البث المباشر التي تعمد إلى تفريغ العقول وتسطيحها، واهتمامها بالغث دون السمين، وإصرارها على ذلك.
ــ تهميش وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لعملية القراءة، فهي لا تشجع عليها، بل تصرف الناس عنها بشتى الوسائل والبرامج التي لا خير فيها على الإطلاق، باستثناء بعض البرامج المرئية والمسموعة، التي تعلم الناس وتأخذ بيدهم إلى طريق الخير والمعرفة.
ــ قلة الاهتمام بالجانب القرائي في المدارس، فحتى الآن لا يوجد نظام تعليمي أعطى للمكتبة المدرسية أولوية في مناهجه
. نعم توجد مكتبة مدرسية في كل مدرسة، لكن من يذهب إليها؟ ليس هناك وقت لدى الطلبة. فالمناهج مضغوطة والمعلم مزدحم، والمكتبة خاوية الوفاض.
لاا نريد أن ندلل بالبحوث المتخصصة التي تشتكي مر الشكوى من هذا الأمر. نحن نأمل أن تكون القراءة مادة قائمة بذاتها في مدارسنا ونظمنا التعليمية، لأن الحاجة إليها ماسّة، وتهميشها -.
كما هو حاصل الآن- لا يخدم الطالب ولا يفيده. ولا يخفى على أحد المستوى المتدني للحاصلين على الشهادات الجامعية في كثير من البلاد العربية؛ فبعضهم لا يستطيع قراءة جملة عربية واحدة بصورة سليمة.
إننا بحاجة إلى استنفار جميع الفعاليات المجتمعية، من أجل بث الوعي بالقراءة الجادة، فهي الطريق الأمثل لبوابة المعلوماتية
. فقد أضحت المعرفة الآن -كما هي في كل وقت مضى- سلاحاً قوياً فاعلاً؛ فمن يفتقد سلاح المعرفة يفقد عنصراً مهماً من عناصر الوجود الحضاري، ولا يستطيع أن يصمد في وجه التيارات الجارفة التي تجتاحه.
لذا علينا أن نبتكر من الوسائل والأساليب ما يحفز شباب الأمة، ليس خلى القراءة فقط، وإنما خلى الاستمتاع بها، والمواظبة عليها
. ولا ننسى دور الإعلام بكل فئاته وما يقوم به، في الحث على القراءة والتشجيع عليها
. ونرجو من أثرياء الأمة الإسلامية أن يساهموا في نصيب وافر من التشجيع على التوجه القرائي، بطبع الكتب ونشرها بأسعار رمزية، وإقامة الجوائز للشباب والناشئة، في مجال القراءة وإعداد البحوث المناسبة لهم، وليكن شعارنا جميعاً «معاً نحو قراءة فاعلة».
جريدة البيان

إضافة تعليق