معرض آخر

انه معرض آخر. لا نتأمل كثيراً ان يكون مختلفاً. لا نحلم بمعرض آخر، توالت السنون على المعرض. عاماً بعد عام، تطور ولا شك لكن ببطء وبأناة منذ ان كان في الحمرا إلى ان صار في بيال ظل المعرض حدثاً سنوياً، بل بقي الحدث الثقافي الأول، هذا قد يعني شيئاً وقد لا يعني أي شيء، قد يعني فقر حياتنا الثقافية وقلة أحداثها. قد يعني ثانوية الثقافة في حياتنا ولا جماهيريتها وقلة تأثيرها في الحياة العامة. المعرض هو حدث ثقافي، لكنه بالدرجة الأولى حدث جماهيري، وهو أيضاً أحد أعيادنا الثقافة القليلة. انه بالتأكيد مناسبة يجد فيها المبدعون والمنتجون الثقافيون ركنا يستظلون به بقدر ما هو أيضاً باحة للتلاميذ وملتقى لهواة القراءة أيا كانوا. لا ننسى ان ثمة كتاباً للمرء، أيا كان المرء فله كتابه، كتاب يرسم له عقيدته ويفسر له دنياه ويبين له طريقه في الحياة. إذا كان لكل كتابه فإن ما نشكو منه وما نعتبره معياراً للتخلف، قلة القراءة، مسألة ذات وجهين، نكاد نقول بهذا المعنى ان ليس هناك من شخص لا يقرأ، إلا ان يكون أميا، حتى في ذلك فإن الأمي يصغي إلى قراءات، ويعرف عن ظهر قلب نتفاً من قراءات، الكتاب حتى للأميين جزء من مقدسهم وجزء من عقيدتهم. لكل كتابه، هذا ما يجعل من الكتاب حاجة وحاجة يومية وما يجعل من الكتاب رديفاً للإنسان مهما بلغت ثقافته، وكان حظه من القراءة، ومهما كانت عقيدته فلا ننسى ان أهل الأديان يُدعوْن بأهل الكتاب. المعرض الذي ينظمه ويقوم به النادي الثقافي العربي هو أمانة هذا النادي منذ زمن يتعدى نصف القرن. يستحق النادي بدون شك تقديراً خاصاً على ذلك، فهو كان أول من التفت إلى المشروع، وأول من باشره في العالم العربي، وقد ثابر عليه طوال ما يزيد على نصف القرن عاماً بعام، وطور فيه فانتقل من سوق للكتب إلى منتدى ثقافي، كان المعرض هو الأول لكنه بالطبع ليس الأهم والأبرز. ليس هذا مجال المقارنة لكن معرض بيروت لا سبيل إلى مقابلته بمعرض القاهرة، إن من حيث المكان أو الدور أو البرنامج، وعلى كل حال لا يبدو المعرض مهتما بذلك ولا قبل له بهذه المباراة، فثمة فرق كبير في الإمكانيات والمساحة والزوار وكل ذلك بدون شك حاضر في البرنامج وفي التنظيم، بالرغم مما قد يؤخذ على معرض القاهرة فإنه عيد شعبي ومكان للنزهة والصحبة والمتعة وديناميكيته من بلده وحجم هذا البلد وقدراته. ينكفئ معرض بيروت ليكون على قدر لبنان فعلاً وإن كان قدر لبنان الثقافي يتعدى بكثير قدره السكاني والجغرافي، فهذا البلد الصغير عاصمة النشر في العالم العربي، وهذا البلد الصغير إحدى الحواضر الثقافية الأساسية، وهذا البلد الصغير وسيط ثقافي بين الشرق والغرب وله سهم راجح في التطور الثقافي والأدبي العربيين، أي ان هذا البلد لا يقاس على عدد سكانه وجغرافيته. فإذا كان توصل معهما إلى ان يكون عاصمة النشر ومركزاً رئيسياً من مراكز الإنتاج الأدبي والفكري، فإننا ننتظر ان يكون معرضه على قدر ذلك لا أقل منه. السؤال إذاً هو هذا، ان يكون معرض بيروت للكتاب في موازاة كونه عاصمة الكتاب العربي. ذلك يحتاج إلى قدرات مالية وغير مالية، ليست للنادي الثقافي العربي ولا لأي ناد آخر. وقد لا تكون للدولة اللبنانية نفسها. بيد اننا مع ذلك نصر عليها. من ذلك ان يستقبل العرب في كل عام من أعوامه بلداً (ليكن في البدء عربياً) بمثابة ضيف شرف للمعرض. ذلك يقتضي جهوداً متنوعة، فتقديم بلد لا يعني فحسب دعوة أبرز مثقفيه وكتابه بل يعني أيضاً عرض إسهاماته الأبرز في الثقافة والفن. يشمل ذلك نماذج من المسرح والسينما والفولكلور، ثم ان برمجة المعرض تتطلب في كل عام ملتقى حول موضوع أساس يشارك فيه متكلمون من لبنان وغير لبنان ويعمل على تناوله في شتى مجالاته وتقديمه في شتى تجلياته. ثم هناك تجربة المقهى الثقافي وهو يهتم بالدرجة الأولى بتقديم الكتب الجديدة والكتّاب الجدد. هذه اقتراحات ليست شاملة وأحسب انها مع ذلك تحتاج إلى مقومات وجهود ليست في عهدة النادي الثقافي العربي تماماً، ما يقتضي منه أن يستعين بغيره، بوزارة الثقافة أولاً من الناحية المالية، وبلجنة من الكتّاب والمثقفين للترجمة والسنوية، ويمكن ان يكون ذلك مداورة فيستعان كل عام بعدد من هؤلاء، ويفسح لهم ان يناقشوا ويقترحوا ويخططوا. ليبق النادي الثقافي العربي راعياً ومنظماً لكن مع لجنة تقوم سنوياً بمعاونته والعمل عن طريقه وبأدواته.

إضافة تعليق