معرض تونس الدولي للكتاب في دورته 31... عندما تتنافس الثقافة والتجارة: الغلبة لإرادة المستهلك

"قفا نقرأ"، هذا هو شعار معرض الكتاب لهذه السنة، غير أنّ الواقف في معرض الكتاب، يردّد أحيانا، "قفا نشتري"، أو"قفا نبيع ونبرح"، أو "قفا نتأمّل"، أو "قفا نحاور ونناقش"، أو "قفا نواكب الندوات والملتقيات"..
الوقفات طويلة، والمعرض، ساحة منافسة بين التجارة والثقافة، فهل سيكونان خطين متوازيين لا يلتقيان؟ أمّ أنّ الوفاق بينهما مهمة تراهن على إنجاحها وزارة الثقافة؟ لا إجابة شافية قبل انتهاء المعرض، ولكنّ المؤشرات بدأت بالبروز..
يصعب أن نقيّم المعرض من خلال يومه الأوّل والثاني، لكنّ العديد من العارضين يأملون بيع بضاعتهم، والكتاب هنا بضاعة، والحريف يأمل أن يجد بضاعته المنشودة وبسعر مناسب، كما يأمل المنظمون أن يسير كل شيء على ما يرام، وأن تمتلئ قاعات الندوات والمحاضرات بمريدي الكتاب والثقافة..
في اليوم الأوّل لاحظنا أنّ نصاب بعض الأروقة الخاصة بالعارضين لم يكتمل، أمّا لتأخّر وصولهم، أو وصول بضاعتهم، أو أنهم ألغوا حجوزاتهم في آخر لحظة، غير أنّ المتأمّل في المعرض يلاحظ أنّ مختلف العارضين سواء من تونس أو من الخارج ملؤوا المعرض ببضاعتهم وانطلقوا في رحلة البيع والعرض.. رحلة ربيعية عملت على استرجاع المعرض لزمانيته الربيعية التي عرف بها.
المتأمّل في برنامج المعرض سيلاحظ أنّ البرنامج الثقافي المعدّ لهذه الدورة، جدّ مكتظ فلا يمكنك أن تواكب ندوة ثقافية إلا وتفوّت ندوة أخرى، لذلك عليك أن تختار بين الندوات، إذا قررت مواكبتها، وإذا قررت شراء الكتب والبحث عن الكتب التي تريد فستفوّت عليك أغلب الندوات والأمسيات والمحاضرات..
حتى أنّ بعض اللقاءات الثقافية في اليوم الأوّل التأمت بحضور أربعة أو خمسة أفراد، ما دفع بالدكتور حمادي صمود إلى أن ينسحب من لقائه الثقافي الذي كان مبرمجا في اليوم الأوّل، في حين نجد لقاء آخر كان الحضور فيه محترما نوعا ما.. وهذا ما فسّره الدكتور الهادي التيمومي لـ"المغرب" قائلا: "أعتقد أنّ برمجة اللقاءات الثقافية في اليوم الأوّل لا تعطي أكلها، وأنصح أنّ هذا النوع من اللقاءات لا ينظم في اليوم الأوّل حتى نترك المعرض يستقر، ولا في اليوم الأخير لأنّ الناس تسارع بالشراء"..
تريد وزارة الثقافة أنّ تكسب المعرض صبغة ثقافية وفكرية، وهذا ما يفسّر البرمجة الكثيفة والمتنوّعة للقاءات الثقافية والفكرية، وهذا لا يفسد للود قضية، إذ أنّ جمهور المعرض متنوّع، وكل يبحث عن ضالة منشودة معينة.. لكن هذه الصبغة الفكرية الثقافية يمكن أن تتداخل مع الصبغة التجارية للمعرض وتهيمن عليه؟ لا يمكن أن نجزم مادام هناك بيع ومزيد من البيع لأنّ المعرض أساسا مناسبة للعرض والطلب..
عن هذه الجدلية يرى الدكتور محمد محجوب رئيس معرض الكتاب، "أنّ المعرض فرصة للوعي بعلاقتنا بالكتاب، وليس مجرد فرصة استهلاكية للكتاب: وهذا معنى ما أقررناه من تحقيق دراسة علمية أوكلناها إلى مؤسسة «سيغما» المعروفة لتصور لنا أمام أعيننا، لتعكس لنا بكل صدق وبكل موضوعية، وبعيدا عن كل انطباعية سهلة، ما هي ميولات، ما هي مواقف، وما هي اتجاهات القراءة في سياق معرض الكتاب؟ آن لنا أن نكف عن الانطباع، ولكن آن لنا كذلك أن نكف عن السياسة العمياء أو العشواء في مجال الكتاب : هذه الدراسة هي إذن دراسة واعية بمقصودها : إنها خطوة أولى نحو إقامة سياسة للكتاب في تونس تقوم على معرفة حقيقية وموضوعية ومدققة بانتظارات المجتمع وحاجاته وآماله ومعوقاته، والبرنامج الثقافي الذي فيه مئات المتدخلين ومئات
المشاركات وعشرات الحلقات من برامج تم تصورها وفق مفاهيم مبتكرة ووجوه ثقافية تجمع بين النماذج العليا الملهمة وبين النماذج الوسطى الناقلة للقيم والوجوه الصاعدة المتشربة لتلك القيم الثقافية والإبداعية ومراوحة بين الإبداعات التونسية والمغاربية والعربية والأوروبية بل وحتى الآسيوية والأمريكية : هذا البرنامج الثقافي يحمل أثر القارات جميعا وهو لذلك إشارة إلى ما ينبغي مستقبلا».
المعرض يريده منظموه إذن أن يكون موسم «طقوس ثقافية» مرتبطة بعلاقة أخرى بالكتاب وهي علاقة القراءة التي تفيض عنها كل تعابير الكتابة والتأليف والمناقشة والجدل والإنشاد والتساؤل... وهذا هو رهان هذه الدورة كما ردّد مديرها «لقد انطلقتُ من هذه الثنائية التي ليست دائما ثنائية متجانسة ومؤتلفة : كيف يمكن أن يكون معرض الكتاب بحق موسم دفع للقراءة لا بمجرد الشراء ولكن بإطلاق الهاجس القرائي والإبداعي تواعدا يولّد تواعدا، عيدا يستعيد ويستقدم عيدا وهو ما نعنيه بالموسم».

إضافة تعليق