معرض في صدري

المعرض الذي يُقام هذا العام في البيال، وعشرات المعارض المقامة سواه، يُضاف إليها المكتبات والأرصفة، تشكّل معرضاً دائماً في صدري. وإنني أتخيَّل نفسي أحياناً، من شدة ازدحام الكتب وتراصفها عليّ، أنني أشبّه ما يكون بذلك الرجل الذي رسمه الرسام السريالي سلفادور دالي، في إحدى لوحاته، حيث يظهر صدر هذا الرجل، تحت رأسه في الصورة، على هيئة جوارير يعلو بعضها البعض الآخر. سميتُ الصورة «الرجل ذو الجوارير»، وملأتها بالكتب، لتناسب مزاجي. فمن الصغر، وأنا أسترق النظر إلى الكتب حيثما وجدتها، أقلّبها بين يدي، وأرسل عيوني بين سطورها، وأقرأها بفضولٍ وشَغَف لا مزيد عليهما، حتى كأن لديّ غريزة مخلوقة في نفسي بالفطرة، أسمّيها «غريزة الكتب»، وهي ملحة عليَّ وممتعة، تماماً مثل غريزة الطعام والشراب والجنس. وأسمّيها «غريزة الكتب» التي لم يخفّف منها الانترنيت والكتاب الالكتروني شيئاً، وليس غريزة القراءة... لأن بعض الكتب التي أشتريها أو أقتنيها، أمرّ عليه مروراً يسيراً، ولا أقرأه بتمعّن مثل كتب أخرى، تحرثها عيوني حرثاً، وتترك أصابعي وقلمي جروحاً على حواشيها وصفحاتها وبين السطور، بحيث لا يسلم أي كتاب من الكتب التي أقرأها، من حواري معه، شجبي أو ابتهاجي، حيث أطلق لنفسي العنان في التفاعل والتعليق، بلا ضوابط، فتقسو أحياناً وتصل إلى حد الشتيمة، وتلطف أحياناً أخرى حتى أكاد أشتهي لنفسي بعض ما يكتب الآخرون.
. هذه عادتي منذ العاشرة من عمري أو بعدها بقليل، كنت أدّخر القروش القليلة التي آخذها من أبي، يوماً بعد يوم، وحين يتجمع منها مبلغ كافٍ لشراء كتاب أو اثنين، أهرع إلى سوق العازارية في المعرض، حيث كان باعة الكتب القديمة يفرشون كتبهم على الرصيف، فأشتري منها ما يُعجب ذوقي، وأحملها معي إلى المنزل، وبي إحساس من يحظى بجوهرة أو ثنتين من كنز صغير، تُضَمُّ إلى سابقاتها المحفوظة لديّ... وأوّل ما أقوم به هو أنني أمسح الغبار عن جبين الكتاب، وعن صفحاته، وأسوّي من أمره إذا كان ممزّقاً أو منهوكاً، ثم أكتب على رأس الصفحة الأولى منه، تاريخ شرائه، وأشعر بأني هكذا أعطيه نسباً، كما تعلّق أنساب الخيل في أعناقها.
ولم تكن لدينا، نحن الفقراء، في المنزل الصغير الذي سكناه، مكتبة تستوعب الكتب التي أقتنيها، لسببين أولهما صغر المنزل فهو لا يستوعب تَرَف المكتبة، وثانيهما ثمن المكتبة... فاستعضت عن ذلك بأني اتخذت صندوقاً كبيراً من الخشب، كبديل عن ذلك، وهو صندوق جعلته على طبقات، واحدة للشعر وواحدة للقصة وواحدة للبحث، ثم نوّعتُ الرفوف مع تنوّع الكتب، فكان بعضها للأدب وبعضها للفلسفة وبعضها للتاريخ والعلوم وما إلى ذلك.. من أجل هذا، حين رأيت لوحة سلفادور دالي، ذكّرتني بنفسي وصندوق كتبي أيام الصبا والمراهقة، وسمّيتها «الرجل ذو الجوارير» أو الرفوف. في تلك الفترة وبعدها بقليل، اشتريت وقرأت على سبيل المثال، كتاب الريحانيات لأمين الريحاني، وكتاب أنتم الشعراء له أيضاً، وقرأت الأيام لطه حسين، وجملةً من كتب جبران وميخائيل نعيمة والمنفلوطي والعقّاد وسواهم، كما قرأت بعض الكتب الفرنسية التي شغفتني، مثل كتاب «الغريب» لكامو، وقد أدمنتُ على قراءته، حتى تخيّلت نفسي أنني بطله...
مِن على الأرصفة لممتُ الكثير من كتبي الأولى، وبعد ذلك مِن على الطاولات والعربات، حيث كان لي منها صيد وفير. ولم يكن ذلك أحياناً يمر بلا مفارقات.. من بينها على سبيل المثال، وكنّا قد بلغنا أشدّنا في القراءة والكتابة، وتنوّعت مصادر الكتب بين الأرصفة والعربات والمكتبات والمعارض، انني اشتريت كتاباً قديماً لأحد الكتّاب الذين ما زالوا يعيشون بيننا حتى اليوم، ويواصلون الكتابة، وفوجئت بأن هذا الكتاب كان قد أهداه صاحبه (كاتبه) إلى الشاعر الراحل محمود درويش، وكتب على صفحته الأولى إهداء يكاد يملأ الصفحة، فيه الكثير من التودّد والإعجاب... اشتريته مِن على عربة لبيع الكتب القديمة... ودفعني فضولي إلى أن سألت محمود درويش عن ذلك، وكيف وصل الكتاب المذكور إلى عربة البائع، فأجابني بخبثه المحبّب: أنا أعزّل مكتبتي بين وقتٍ وآخر.
بالطبع أنا لا أوافقه على إبقاء عبارات الإهداء التي غالباً ما تنطوي على المودة والحب، حين يرغب الشخص في أن يتخفّف من عبء بعض الكتب، وهو أمر بديهي، فإن عليه أن يخلع أو يقلع صفحة الإهداء، لأن فيها شيئاً من النفس البشرية، قبل أن يبدّد أو يهب أو حتى يغرق أو يحرق الكتب... هذا ما فعلته شخصياً، فمع الأيام الطويلة المتراكمة، تراكمت الكتب فوق بعضها البعض، أو إلى جانب بعضها البعض، في مكتباتي الكثيرة في المنزل، إذ كاد يصبح منزلي على اتساعه، مكتبة متعددة الغرف... لقد اجتاحت الكتب كياني ومكان إقامتي العائلي، ووصلت إلى الصالون والمطبخ والحمّام وغرفة النوم، وحالت أحياناً بيني وبين من أحبّ، فكان لا بد من النار أو الماء...
{ المعارض.. كاراجات الكتب الكبيرة
أتبعُ الكتاب أينما ذهب.. وآخذ الكتاب حيثما ثقفته، آخذه بقوة، وليس من الضروري أن أقرأ كل ما أحصل عليه من هذه الكائنات التي طالما تغنّى بها الأدباء وامتدحوها من الجاحظ حتى طه حسين، فزمننا الراهن، ولكن جُلَّ ما اقتنيته قرأته... فصار صدري مكتبتي الخطيرة... التي تُسعفني على طريقتها الخاصة، في ما أكتب من شعر أو بحث أو مقالة. وإذا كانت المكتبات مكان تجمّع للكتب، فإن المعارض هي كاراجاتها وخيمها وفسحاتها الكبيرة. فالمعرض، كما في ابن منظور، اسم مكان من عَرَضَ، وعَرَض الشيء عليه يعرضه عرضاً أراه إيّاه. ويقال عرضتُ الكتاب وعرضتُ الجند، وعَرَضتُ الجارية (قديماً) على البيع.. واسم مكان العرض معرَضُ بفتح الراء... وهو باب فسيح في الاشتقاق بل لعله من أوسع أبواب اللغة. وفكرة معارض الكتب قديمة في التاريخ، لأنها تتصل بعرض الكتاب من أجل بيعه للشاري فهي تدخل في باب التجارة، وإن تكن ثقافية، لأن ثمة معارض للخيل ومعارض للجلود ومعارض للأحذية والسيارات وما إلى ذلك. الكتب القديمة تحدثنا عن «أسواق الورّاقين» في بغداد أو دمشق أو القاهرة أو القيروان، وما من أديب في العربية إلا ومرّ فيها متصفحاً أو شارياً أو بائعاً أو عاملاً. والورّاق على العموم هو الذي يكتب الكتب أو يستنسخها أو يبيعها.. تقال اللفظة لهؤلاء جميعاً... أما معارض الكتب بشكلها الحديث والمتطوّر، فهي نشأت مع نشوء الطباعة وتطورها، حيث أصبحت صناعة الكتاب واحدة من أهم الصناعات في العالم، ومعارض الكتاب معارض موسمية أو دائمة، تقام في جميع أنحاء العالم، وتزدهر في الدول الأكثر ثقافة أو تحضراً بشكل خاص. كمعرض فرنكفورت العالمي على سبيل المثال، ومعرض القاهرة الدولي، وسواهما.
رافقنا وشاهدنا وساهمنا في نشاطات هذه المعارض قدر الإمكان. وقد حضرت شخصياً لعشرات المرات معرض القاهرة الدولي للكتاب، وكنت في كل دورة أساهم بنشاط شعري أو فكري.. كما أنني رافقت عاماً بعد عام، المعرض العربي والدولي للكتاب، الذي دأب النادي الثقافي العربي في لبنان على إقامته بانتظام في موعده المحدد من كل عام... وساهمت في الكثير من ندواته ومحاضراته، وغرفت ما استطعت من كتبه المنوّعة، فقد كان هذا المعرض على ما كنت أرى وأدوّن، إيذاناً للبنان الثقافة والكلمة بأنه مازال حيّاً وحيوياً، برغم الموت الكثير والحروب الأهلية والغزوات التي توالت عليه، من العام 1975 حتى هذا العام. كنت أحسُّ أن لنا موعداً حضارياً محدداً مع أيام هذا المعرض، وأن لبنان الكلمة الحرة والإبداع المتنوّع والثقافة الحيّة، يتجلّى في هذه الفسحة الصغيرة من أرضه، لكي ينسينا وينسي العالم، جدال السياسيين العقيم، والمضجر والتافه بمعظمه، وجدال المتقاتلين المتوحشين، بالرصاصة والمتفجّرة والاغتيال... وغالباً ما كنت أفرك يديَّ غبطة وأقول: ها أنا حقاً في الرقعة الثقافية التي تختصر الوطن... ها أنا في بيتي الحقيقي.
هذا هو المعنى الرمزي الذي كنت أستشعر به حيال معرض الكتاب السنوي في بيروت. هذا المعرض الذي لم ينقطع أو يمتنع عن مواعيده، برغم عوائق الحرب والاحتراب.. فناهيك عن أن فسحة أيام المعرض، هي فرصة التنزه والاختيار بين الكائنات العزيزة من الكتب، والمحاضرات والندوات المتنوعة، والتواقيع التي تكاد تصبح طقساً من طقوسه الكثيرة، سواء أحببناها ومارسناها أو لم نحبها ولم نمارسها، فهي أيضاً فرصة للالتقاء الجسدي بين أدباء ومبدعين وأناس متنافرين في ما بينهم بالضرورة، ولكنهم يلتقون ويتنادرون ويتناظرون في ما بينهم، في مقهى المعرض أو في أروقته، وفي مثل هذا الاحتكاك والتواصل متعة فائقة.. تنسيك بعض النميمة المحببة والغمز واللمز الضروريين لحياة المثقفين.
حسناً... وهناك أيضاً النساء الجميلات اللواتي يتجوّلن في المعرض، وأعينهن تسبقهن أحياناً إلى الكتب وأحياناً إلى الكُتّاب وأحياناً إلى العابرين... وربما شدّك إليهن العطر والنظرة الجاذبة، وبنطلون الجينز أو سحبة الفستان وبعد المعرض، يمضي كل شيء إلى أصله... وأستعيد هنا ما قاله الشاعر بعد موسم الحج، أبياتاً جميلة وبسيطة على الدهر:
«ولمّا قضينا من مِنى كل حاجةٍ
ومسّحَ بالأركانِ مَن هو ماسحُ
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
وسالت بأعناق المطيِّ الأباطحُ»...
حضرت في هذا العام 2013، معرضين عربيين ودوليين للكتاب، هما معرض كازابلانكا (الدار البيضاء) في المغرب، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب في الشارقة، بدعوات من إدارتي المعرضين، وتجولت بين الناشرين إياهم تقريباً هناك وهناك، وأقمت أمسية شعرية في كازابلانكا وأمسية في الشارقة، والحصيلة متشابهة: غبطة الكتب الجديدة، رائحتها، جمال مظهرها، كنوز ما فيها من المعرفة.. وغبطة الاحتكاك بالناس وبالحــياة والثقـــافة... ولنا وعد مشابه مع معرض النـــادي الثقـــافي العربي في البيال، حيث سيتكرّر المشهد، وتتكرر الغبطة.

إضافة تعليق