معول الهدم كاد ينال من نجيب محفوظ

شهد بيت السناري بالقاهرة انطلاق فعاليات الاحتفالية التي تقيمها مكتبة الإسكندرية، تحت عنوان "إعادة اكتشاف نجيب محفوظ"، بمناسبة مرور مائة عام على مولده، حيث افتتح د. إسماعيل سراج الدين مدير المكتبة معرضا لصور الأديب العالمي نجيب محفوظ تمثل مراحل حياته المختلفة، والأفيشات الأصلية للأفلام التي كتب نجيب محفوظ السيناريو لها وتلك المأخوذة عن أعمال روائية وقصصية له، بالإضافة لمعرض خاص بأعماله وللكتب التي صدرت عنه وعن رواياته.

وقد ألمح سراج الدين في كلمته إلى تعرض له محفوظ أخيرا من هجوم جارح من قبل بعض التيارات التي لم يسمها، وقال "إن الأقدار شاءت ألا يمر قرن من الزمان على ميلاد محفوظ دون أن تتنسم مصر نسيم الحرية، تلك الحرية التي قال عنها محفوظ  أنه "لا قيمة للحياة بلا حرية"، كما شاءت الأقدار أن تظهر ثانية بعض موجات الغضب من أدب محفوظ، من بعض الأشخاص، فيهب المثقفون والأدباء للدفاع عن قيمة أدبه وينشغل الناس ثانية بهذا الصراع، فيتذكر الشعب المصري الأديب الذي رصد حياته ويومياته في الأعوام السابقة، فيعاودوا قراءة أدبه أو يقبلوا عليه للمرة الأولى.
وقال سراج الدين "إن أدب محفوظ وكتاباته شأنها شأن أية أعمال أدبية يجب أن تخضع للمراجعة والنقد والقبول أو الرفض، ولكن نرجو أن تتسم كل الآراء بالموضوعية ودون إهانة أو تجريح، وأن يكون السباقون فيها من أهل التخصص والدراية بطبيعة هذا الأدب، فالإبداع الأدبي لا يقاس إلا بمعيار أدبي".
وتطرق إلى الوضع العام في مصر منبها إلى "إننا نعيش الآن منطقا غريبا أثرت قتامة صورة الماضي فكأنا نرى كل شيء قاتما، فاختلط الغث بالسمين، والحابل بالنابل، وانطلقت المعاول لهدم كل شيء حولها، فنال منها أديبا الراحل ما ناله، بل إن البعض يتباهى بالمجاهرة بإسلامه، ويشكك في إسلام أجيال من السابقين، تلك الأجيال التي أنجبت الكثير من عظمائنا، بينما صور محفوظ بسطاءهم أحسن تصوير، وفي هذا الموضوع كانت لمحفوظ كلمات عظيمة حيث قال "إن أهل مصر الذين أدركناهم وعشنا معهم والذين تحدثت عنهم في كتاباتي كانوا يعيشون بالإسلام ويمارسون قيمه العليا دون ضجيج ولا كلام كثير، وكانت أصالتهم تعني كل هذا، ولقد كانت السماحة وصدق الكلمة وشجاعة الرأي وأمانة الموقف ودفء العلاقات بين الناس هي تعبير أهل مصر الواضح عن إسلامهم".
وتساءل سراج الدين "كيف كان الحال لو كان نجيب محفوظ بيننا الآن، وهو يرى ثورتنا تعترض طريقها قوى تريد أن تحرفها عن مسارها وتحركات تبطل الإنتاج الوطني، فنوشك أن ندخل في أزمة اقتصادية طاحنة، حتى كادت مصر كلها لا تأمن من الجوع ولا تأكل من الخوف، وهي بلد الأمن والأمان، وبها كل ما بها من ثروات وقدرات بشرية هائلة".
وأكد د.عماد أبو غازي، وزير الثقافة السابق، سعادته بانطلاق احتفالية مئوية الأديب العالمي نجيب محفوظ، وقال "منذ عام انطلقت احتفالات مصر بعام عميد الرواية العربية، عندما بدأت فعاليات مؤتمر القاهرة للإبداع الروائي في دورته الخامسة، وكانت بداية لهذا العام والتي كان مقدرًا أن تكتمل وتصل إلي ذروتها لكن الأقدار سارت في مسار آخر، وقامت الثورة المصرية في مطلع هذا العام ومع قيامها توارت الكثير من الاحتفالات الثقافية، ولكنني أظن أن حدث الثورة أضاف لـ"محفوظ" الذي عاش ثورات مصر منذ ثورة 1919  ومرورا 1939 عندما خرجت الجماهير لإقالة وزارة إسماعيل صدقي، وثورة 1952 والحركة الطلابية في السبعينيات وأرخ لها جميعا، وقضى حياته كلها مدافعاً عن قيم الحرية، ومبادئ العدالة الاجتماعية، وهى المبادئ التي تبناها ثوار مصر، ومن الشعارات التي رفعها، وإذا كان محفوظ قد رحل عن عالمنا قبل أن يري هذا الحلم يتحقق، فمحفوظ هوابن جيل ثورة 1919، والذي أرخ للثورات المصرية من خلال إبداعاته، وأرخ لنضال الشباب المصري في مواجهة بطش واستبداد حكومة إسماعيل صدقي، وتضامن مع الحركة الطلابية في مطلع السبعينات. لقد عاش محفوظ محافظًا وأمينًا على فكرة الدولة المدنية، التي تحترم المواطنة وحقوق الإنسان، والتي تقوم علي أساس عدم التمييز الديني، وترفض الدولة العسكرية التي عاشت أكثر من ستين عامًا، فمحفوظ الذي يمثل كل هذه القيم عندما نحتفل به هذا العام بمئويته في ظلال الثورة الجديدة فإن هذا الاحتفال يكتسب معاني جديدة وعميقة ومهمة وتدعونا أن نحافظ على الشرارة التي انطلقت في مطلع 2011، وسوف تستمر إلي منتهاها، وألا نسمح أبدًا بأن تسرق ثورتنا منا مرة أخرى.
الاحتفالية التي تستمر حتى  إلى 31 ديسمبر ستشهد عرض أهم أفلام محفوظ التي تعتبر علامة في السينما المصرية، بالإضافة إلى عقد ندوات عقب كل فيلم مع نقاد في السينما، كما سيتم تقديم برنامج ثقافي متنوع من خلال الاحتفالية، يضم ندوات تتناول نجيب محفوظ من عدة أوجه، وسيرته ورحلته مع الأدب، من خلال شهادات الأدباء والنقاد والمبدعين من معاصري الأديب الراحل ومحبيه، وأيضًا ممن كتبوا عنه وعن رواياته.
وتقيم المكتبة على هامش الاحتفالية معرضا مواز للدكتور نجيب محفوظ؛ رائد علم أمراض النساء والولادة في مصر والذي سمي الأديب الكبير نجيب محفوظ على اسمه. ويعد د.نجيب محفوظ طبيب مصري وعالم عصامي؛ علَّم نفسه داخل وطنه ونال شهرة عظيمة بالداخل والخارج، وبرع في علوم الطب فكان من كبار الأطباء المصريين عبر التاريخ. ترك محفوظ تراثًا علميًا رفيعًا أهم ما يميزه أنه باللغة العربية، إيمانًا منه بضرورة تيسير العلوم الطبية الحديثة لأبناء وطنه.
ويستعرض معرض د.نجيب محفوظ مراحل حياته، حيث وُلِد محفوظ في 5 يناير 1882، في مدينة المنصورة، وكان الابن الثامن للأسرة. والتحق الدكتور نجيب باشا محفوظ بمدرسة الطب في عام 1898، وتخرَّج فيها في يونيه 1902، وكان ترتيبه الأول على الدفعة.
ويوضح المعرض أهم إنجازات د.نجيب محفوظ، حيث استطاع أن يقنع المجتمع المصري المتدين بضرورة تَقَبُّل أن يكون للمرأة دور في النظام الطبي، وذلك من خلال أن يقتصر التمريض عليها، كما عمل على تثقيف الدايات والمولدات والقابلات. وكان الدكتور محفوظ من أبرز داعمي وزارة الشئون الاجتماعية، في نشاطها حول تنظيم الأسرة ومكافحة الإجهاض، وكان يؤيد تنظيم الأسرة؛ بحيث لا تزيد عن ثلاثة أو أربعة أفراد.
وامتلك الدكتور محفوظ قدرة هائلة على التعبير والكتابة، ووضع كتابه "تاريخ التعليم الطبي في مصر" بتشجيع من الملك فؤاد، وقد أَرَّخَ في هذا الكتاب لتاريخ الطب في مصر منذ عهد الفراعنة حتى عصره.
وتولى د.نجيب محفوظ العديد من المناصب؛ منها: عضو المجلس الأعلى لجمعية الهلال الأحمر، وعضو مجلس إدارة جمعية رعاية الأطفال المصرية، وعضو مجلس إدارة مستشفي شبرا، والوكيل الأول للجمعية الطبية المصرية، والرئيس الدائم للجمعية المصرية للولادة وأمراض النساء، وعضو مجلس إدارة تاريخ العلوم وشعبة تاريخ الطب.
وكان د.محفوظ من أبرز مؤسسي مستشفى الولادة في شبرا، وعمل به ثلاثين عاما متصلة، كما كان الدكتور محفوظ من أكبر المساهمين في إنشاء المستشفى القبطي عام 1926 مع كلٍّ من إبراهيم فهمي المنياوي باشا وإسكندر فهمي جرجاوي من خلال الجمعية الخيرية القبطية التي كان يرأسها آنذاك جرجس باشا أنطون.
ويبين المعرض أيضًا الجوائز التي حصل عليها د.نجيب محفوظ؛ ومنها: نيشان النيل عام 1919، ورتبة البكوية من الدرجة الثانية ولقب صاحب العزة عام 1925، ودرجة الماجستير الفخرية في الجراحة من جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا) عام 1930، ودبلوم عضوية الملكية للأطباء بلندن للأطباء الباطنيين عام 1932، وزمالة الكلية الملكية البريطانية للولادة وأمراض النساء سنة 1934، ورتبة الباشوية عام 1937، والزمالة الفخرية لكلية الجراحين الملكية بإنجلترا.
حصل محفوظ أيضًا على الزمالة الفخرية للجمعية الملكية الطبية (Hon) F.R.S.M. عام 1947؛ وهي أرفع درجات الطب البريطانية، وزمالة أكاديمية الطب بنيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، وجائزة الجمعية المصرية لتاريخ العلوم عام 1948، وجائزة فاروق الأول (جائزة الدولة حاليًا) عام 1951، وجائزة الدولة التقديرية في العلوم في عام 1959، كما منح اسمه قلادة الجمهورية من الرئيس السادات عام 1979.
وفي عام 1950 تألفت لجنة برئاسة د.إبراهيم شوقي باشا لتخصيص جائزة باسم د.محفوظ؛ لتشجيع البحوث في علوم أمراض النساء والولادة، وتُمنَح لمن يقدم أحسن بحث نُشِر أو أُعِدَّ للنشر خلال السنتين السابقتين على التاريخ المحدد لمنح الجائزة، وقد استطاعت اللجنة جمع ألفين جنيه للجائزة، اكتتب الدكتور محفوظ هو وأسرته ألفًا منها.

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.