مع الإنترنت خسر العمل صفته الجماعية

معارضة العمل وجده بـ «هزل» الرواية وخيالها، خطأ في التشخيص. فعالم العمل ليس جَدّاً، على خلاف الوهم الشائع، بل هو كوميديا عريضة يؤدي فيها العاملون، من المستخدم إلى المدير، دوراً مدفوع الأجر. والأجر هو مقابل أداء الدور الموكول إلى الممثل أو المؤدي: شد البراغي، «إدارة» مئتي شخص... وبناءً على مثل هذه الحال، وبمقتضاها، الرواية هي الحلة المناسبة التي تليق بكوميديا العمل. والنظر إلى طور العالم الغربي الحالي ينبه إلى غلبة الوهم والخيال على الواقع. فالأعمال الوثائقية الروائية وتلفزيون الواقع تمزج الأنواع الفنية على الشاشات. وتحذو الشركات الكبيرة حذو الشاشات، فتتعمد ايضاً، رواية تواريخها ووقائعها على نحو متجدد يناسب أغراضها وسياساتها. وتضيع ملامح الأزمة المالية والاقتصادية العميقة في غياهب الشبكة العنكبوتية ومتاهاتها وشعابها الملتفة.

وهذا كله، على شاكلة الرواية والحوادث التي تسردها، لا حقيقة له في نظر الجماعة أو المجتمع. والعاطل من العمل لا يستحيل عليه قياس أثر صرفه من العمل في حياته الفردية على نحو دقيق، ولكن ما سبق صرفه وأدى إليه، يبقى مبهماً وأقرب إلى التخمين والتخيل منه إلى المعرفة والإدراك. ويرى كلٌّ منا نفسه على صورة جماعية، أو على «شاشة» مشتركة. غير أن الصورة الجماعية تفتقر إلى جسم وقوام حقيقيين. ويلاحظ افتقاد محال أو أماكن تلمّ الناس وتجمعهم على خطة وإرادة، ومثال هذا الجمع كان الحركة التعاونية، والحركة النقابية القوية، وغيرها. وما «ينوب» عنها لا يرمي إلى إيجاب معنى جماعي أو إثباته، بل يقتصر على الواحد الفرد. فما أن تحصل حادثة غير متوقعة (مثل انتحار أحد العاملين) حتى تسرع الإدارة إلى تأليف «خلية نفسانية». فكل ما في عالمنا الحديث يحمل على الابتعاد عن النظر التحليلي، والنأي بالنفس عن المناقشة العامة والعلنية.

وألاحظ أن الأحوال تغيرت منذ العام 2000. فيومها عُلقت آمال كبيرة على تنامي دور الإنترنت وصناعات الاتصال والإعلام. ولم تلبث الأزمات أن توالت، ونزلت الخسائر في هذه الصناعات وفي غيرها. فشاع التشاؤم، والتمس الناس من غير جدوى علامات تدعوهم إلى التفاؤل، وقد أكون جزءاً من آخر جيل وسعه الانخراط في سوق العمل من غير معوقات، وحصل على ترقيات من غير عسر. ففي حياتي المهنية اقتصرت على صاحبي عمل وشركتين فحسب. وهذا ما ليس في متناول معظم من يعملون اليوم.

 نحن، على الأرجح، في المراحل الأولى من إعادة نظر في مسألة قيمة العمل. ولا ينحصر الأمر في حصة العمل التي تعود إلى العامل في المرفق الذي لا يعمل فيه، بل يتخطى الموضوع الضيق (والحيوي) هذا إلى السؤال عن دور العامل – المواطن، وعن مساهمته في بيئته ومحيطه أو مدينته. وتناول الأمور من زوايا متفرقة وكثيرة يتيح اختبار المنافع التي تتولى مرافق المجتمع وجماعاته، مثل العاطلين من العمل والعمال والمنتخبين والمتقاعدين والشباب، تأديتها وإرجاءها. وعملي الروائي يحفزني على النفاذ وراء الظاهر. ففي روايتي الأخيرة، «إنهم يولون الأدبار»، أردت التمثيل، من طريق البائع المتجول المسن وعاشق شعر رامبو، على رابطة العمل الوثيقة والقوية بالثقافة، وذلك على عكس الفصل بينهما بحاجز صفيق.

 ولعل سؤالي عن أثر أيار (مايو) 1968، وحركاته الاحتجاجية و «الشعرية وتحفيزها على اللعب والتبديد، في الأدب، وهو موضوع أطروحتي الجامعية، وجهني إلى معالجة مسألة العمل روائياً وقصصياً. وجوابي عن سؤال الأطروحة هو: لم يخلف أيار 1968 أثراً يذكر في الأدب، وفي الرواية خصوصاً. ذلك لأن طبيعة العمل لم يطرأ عليها تغيير في 1968، وحصل الانعطاف الكبير مع بروز الإنترنت، على ما يُرى في رواية أووِبليك:» اتساع مجال الصراع» (دار موريس نادو، 1994). إذ ذاك انتبه الجمهور إلى الانعطاف الحاد والحاصل.

 وثمة انتباه أدبي إلى الوقائع المعاصرة، ويلاحظه الناقد أو القارئ المراقب منذ العُشر الأول من القرن الواحد والعشرين، والعمل جزء من الوقائع. وشق الطريق الروائيان فرنسوا بون وليسلي كابلان. ومن الأعمال الأخيرة التي استوقفتني وتتمتع بكتابة رفيعة، «محطة التوليد المركزية» لإليزيبت فيلُول (دار بول، 2010)، و «ولادة جسر» لمارليس دي كيرانغال (دار فيرتيغال، حائز ميديسيس، 2010).

 وهذه الرواية هي من الكتب القليلة المتفائلة بتمام العمل وبلــوغه غايته. وعلى الجهة العمالية، روت مــارتين سونيّه قصة والدها، وهو كان حداداً في مصانع سيارات «رينو»، في «المشغل رقم 62» (دار لوطان كيلفيه، 2008)، روتها على نحو قريب وحساس. ونجاح المسلسل التلفزيوني «الأحياء والموتى»، لجيرار مورديا، قرينة على دوام الحاجة إلى ملاحم شعبية. وبعض أعمال مَنْ يعالجون قضايا عملهم ومهنهم، مثل كتاب زوويه شيباز «مرهقة جـــداًداًداً...»، تلحق بهم الضرر فيصرفون من العمل.

 

 *روائي، موظف تقني في "فرانس تيليكوم". عن "لو موند دي ليفر" الفرنسية. 2012/9/7  إعداد منال نحاس

 

إضافة تعليق

3 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.