مع عزيز نيسين في المقهى التركيّ الغامض

إذا ما ذُكِر مصطلح "أدب السخريّة"، يقفز إلى الذّهن مُباشرةً اسم التركيّ عزيز نيسين (1915 – 1995)، فهو بلا مُنازِع سيّد هذا الأدب في العصر الحديث، وكُتبه فيه إلى اليوم، بيعت وتُباع بالملايين، داخل تركيا وخارجها، بخاصّة أنّها تُرجمت إلى أكثر من 44 لغة.
والنّسخ العربيّة المُترجَمة لأدبه عن التركيّة مباشرة، امتدحها أكثر من متضلِّع باللّغتَين العربيّة والتركيّة ومنهم: اللّيبي فؤاد الكعبازي، والسوري عزمي موريلّلي، واللّبناني علي فائق البرجاوي (أبوه القاضي توفيق البرجاوي من بلدة برجا الشوفيّة وأمّه من أصول تركيّة)، وهو شاعر وفنّان تشكيلي ومُترجِم عن التركيّة، عاش متنقّلاً بين تركيا ولبنان وفرنسا والولايات المتّحدة، وكان صديقاً للشاعر التركي الكبير ناظم حكمت، وزامَله في السجن مدّة خمس سنوات من العام 1933 إلى العام 1938، خرج منها بكِتاب عنوانه "مع ناظم حكمت في سجنه"، ضجّت به بيروت/ الثقافة مَطالع الثمانينيّات من القرن الفائت، بُعيد صدور طبعته الأولى عن دار ابن خلدون - 1980.
كما كان علي فائق البرجاوي صديقاً حميماً لعزيز نيسين، الذي لا يقلّ بدَوره شهرة وعالَميّة عن ناظم حكمت. وكان البرجاوي أوّل من بشّر نيسين بالقول: "إنّ رواياتك ومجموعاتك القصصيّة ومسرحيّاتك، هي في مأمن إبداعي باللّغة العربيّة ربّما أكثر يقيناً من مأمنها الإبداعي باللّغة التركيّة المكتوبة بها". والعبارة هذه نقلها لنا عن لسان البرجاوي نفسه، الشاعر اللّبناني ميشال سليمان الذي كان قد التقى ابن "برجا" في أحد المؤتمرات الأدبيّة العالَميّة في صوفيا البلغاريّة عام 1980.
وقبيل نهاية العام 1980 بشهرٍ واحد، كنتُ التقيتُ شخصيّاً بعزيز نيسين، في مدينته الرائعة اسطنبول، حيث قدَّمتني إليه هناك شاعرة تركيّة صديقة اسمها فتيحة عزّت أمرلّلي. وكانت جلستنا الحواريّة في مقهىً عريق غامض يعود تاريخه إلى مائتَي سنة خلت، بحسب عزيز نفسه، والذي يحلو له الجلوس فيه، لأنّ "المقهى منزل آخر، عليك أن تشعر فيه بالراحة المُضاعَفة، وتنظيم النَّفس ضدّ كلّ ما يؤذي طقسك اليومي كإنسانٍ يريد أن يخلو إلى نفسه أحياناً، ليجانسها ويتجانس عبرها مع الآخر، هكذا في ترنيمة نفسانيّة واجتماعيّة واحدة".
وهل يجعلك هذ المقهى تترجّل فعلاً عن ظهر توتُّركَ وأوهامكَ بين الفينة والأخرى؟ أجابني: أعتقد ذلك يا صاحبي، فالرؤوس العرجاء والمضلّلة قليلة هنا، سواء كانوا من عسس السلطة أم من أصحاب المَقامات المتمادية بالعجز والرياء.
وما معنى أن تكتب؟ ولماذا تكتب، سيّدي أيّها الكاتب الكبير؟
سألته فأجاب: لا أدري، ولكنّي وجدتُ نفسي مُنخرطاً في الكتابة، وما زلتُ في قلب هذا الانخراط، ولا أعتقد أنّه سيأتي عارِضٌ في يومٍ ما يحولُ بيني وبين الكتابة، اللّهم إلّا عارض الموت. وأنا آسف، من نفسي، ومن الآخرين معاً، في أنّني لن أتمكّن من كِتابة فصل موتي الفعلي المقبل.
...على ما يبدو، تحوَّلت الكتابة لديك إلى مهنة للعيش، وها أنتَ تأكل خبزاً وعسلاً منها، لا بل فاض الخبز والعسل لديك، وخصوصاً بعدما رأيناك تبني، وعلى نفقتك الخاصّة، منذ العام 1975 مركزاً ضخماً لرعاية اليتامى، مُلحَقة به مدرسة لمُختلف المراحل الدراسيّة لهؤلاء اليتامى... وقبل أن أنهي كلامي وبشيء من الخجل والتواضع، اعترضني قائلاً: هذا صحيح.. نعم صحيح وأقوم به بكامل قناعتي وسلطان إرادتي.... ولأنّني نشأتُ فقيراً مُعدماً، فسوف أحارب الفقر والعوز على طريقتي.. وإلى ما لا نهاية. وفي كلّ الأحوال، هذه هي وصيّتي التي آليت على نفسي أن أنفّذها، وسأنفّذها طالما أنا على قَيد الحياة، وحتّى بعد رحيلي أيضاً عن هذه الدنيا، إذ إنّني رتّبتُ أمر ذلك تماماً، وخصوصاً من الناحية القانونيّة.
شخصيّة مُذهِلة للغاية
شخصيّة أدبيّة مُذهِلة للغاية عزيز نيسين؛ تدفعكَ، ليس لأن تحبّ أدبها فقط، وإنّما أيضاً أخلاقها ونُبلها وتواضعها غير المُصطنَع. إنّه إنسانٌ كبير بكلّ ما في الوصف من معانٍ. والنزعة الإنسانيّة التي تتوِّج شخصه، نراها لا تتحطّم فيه، ولا تتراجع على الإطلاق، بل هي دوماً منطلقة بطاقة متفجّرة لا يعوزها التألّق والإبهار.
أصدر عزيز نيسين حوالى مائة كِتاب، ما بين رواية وقصّة قصيرة ومسرحيّة ودواوين شعريّة وأدب مقالة. وكلّ ما كتبه، يُقرأ بشغف ولذاذة وطراوة وعُمق ساحر وجاذب إلى آخر شوط الجذب، وخصوصاً للّذين لا يقرأون أو يتبرّمون من القراءة، فكيف بمعشر القرّاء المُحترِفين والهواة؟!.
بوجيز العبارة، هو أنموذج الكاتِب الساخر.. كاتِب الكوميديا السوداء، كاتِب أولئك الذين يئنّون أنيناً مكتوماً، حامضاً وممضّاً، فيحوّل آلامهم وأحزانهم المتكاثفة إلى فرصة للإبداع، إلى سطور مُشرِقة بالعفويّة، ودرس الحكمة الحيّة المباشرة، لا الحكمة الوعظيّة التقليديّة الباهتة. وكان في محلّه تماماً ذلك الكلام الذي قاله فيه ذات يوم الشاعر التركي الشهير فاضل حسني داغلرجة: "يجعل عزيز نيسين قارئه يبكي من فرط الضحك، وفي الوقت عينه يجعله يضحك من فرط الألم".
نِسب قرّاء عزيز نيسين، كانت، وما تزال، تتعاظم خارج تركيا أكثر بكثير من داخلها(الأمور نسبة وتناسب هنا، إذ تجري المُقارَنة مع كلّ دولة على حدة، وليس كلّ الدول مُجتمعة)؛ ولم يحدث مرّة أو نصف مرّة، أو شيء من مرّة، أن حدثت مثل هذه الظاهرة مع كاتِب كبير آخر طبّقت شهرته الآفاق؛ بل كانت المعادلة الأدبيّة السائدة تقول: إنّ عالَميّتك أيّها الأديب تبدأ دوماً من محليّتك واتّساع حجم قرّاء بلدك. وفي هذا الإطار، سُئل مرّة غابرييل غارسيا ماركيز، وقبل فوزه بجائزة نوبل للآداب في العام 1982: ما الدوافع التي جعلت منكَ كاتباً عالَميّاً بسرعة قياسيّة؟ أجاب: لو لم تعرفني كولومبيا جيّداً، ولو لم يتتبّعني قرّاء بلدي على نحو متدفّق ومُضاعَف، لما انطلقتُ أصلاً في تجربتي الكتابيّة بحماسة، ولما عُرِفتُ في العالَم على نحوٍ واسع.
وبالعودة إلى محدّثي عزيز نيسين، فقد كان لزاماً عليّ وقتها أن أطرح عليه السؤال الهاجس أو الإشكالي: كيف حدث أن عرفكَ القرّاء في دول العالَم أكثر بكثير ممّا عرفك قرّاء بلدكَ؟.. أجاب الرجل بأمانة: "لست وحدي بين الأدباء والشعراء الأتراك الذين "يناسبهم" سؤالك هذا. الشاعر ناظم حكمت "يُناسبه" هذا السؤال أكثر منّي بكثير ومن دون مُقارَنة بالتأكيد.
أمّا السبب في رأيي، فعلى الأرجح أنّنا، ناظم حكمت وأنا، لم نكُن نُغادر السجن في تركيا، إلّا لندخله ثانية وثالثة...إلخ. وبالتالي فإنّنا كنّا نُمنَع من الكتابة والنشر في بلادنا، وكان يُحظّر على أبناء بلدنا مجرّد التداول في أسمائنا، فكيف بما كان متوافراً من مطبوعات لنا في الداخل، وهو شحيح للغاية ويكاد يكون معدوماً؟
على أنّنا كنّا نكتب كثيراً ونحن في السجن، ونُهرِّب نصوصنا، بهذه الكيفيّة أو تلك إلى الخارج، حيث كان هناك مَن يتولّى نشرها وطبعها والتضوئة عليها وتسويقها، إعلاميّاً ونقديّاً.
وانتقلتُ بمحدّثي إلى موضوعٍ آخر، سائلاً إيّاه، هل صحيح يا سيّد عزيز ما سمعناه بأنّكَ دخلتَ السجن ذات يوم في العام 1950، لمجرّد أنّك قمتَ بترجمة أجزاء من كِتاب "رأس المال" لكارل ماركس؟.. أجاب: نعم يا سيّدي، وقد طالَت مدّة سجني ستّة عشر شهراً، أكثر من نصفها في سجنٍ انفراديّ، الأمر الذي أثار وقتها حفيظة كثرة كاثرة من مثقّفي الغرب وآسيا والعالَم، ولكن لا حياة لمَن تنادي في تركيا في تلك الأيّام، اللهم إلّا على مستوى شعبيّ مكتوم.
وكم كان برأيكَ حجم الثورة المُضادّة المُناوِئة لكم: أنتَ وناظم حكمت وجلال نشأت ويلماز قبرصي وغازي أتامان ونشأت محمود قاشغرلي؟ أجابني صاحب "وحش طوروس" بشيء من الترميز والتكثيف: ثمّة ضفادع كثيرة في كلّ بحيرات العالَم يا صاحبي، ومنها بحيرة تركيا الأكثر كثافة بالضفادع الماكرة الخبيثة، عدوّة نفسها قبل أن تكون عدوّة الآخرين.
نيسين وغزارة الكتابة
كان عزيز نيسين أديباً غزير الكتابة والإنتاج. كان يَكتب بصورة يوميّة ومُتدافِعة كما أخبرني، وخصوصاً بعدما سُرِّح من الجيش لأسبابٍ سياسيّة، وحتى وهو يعمل ضابطاً في القوّات الكماليّة المسلَّحة، كان يحرص على ألّا يغيب عن مَشهد الكتابة والنشر، ولكنْ باسمٍ مُستعار.
وتَركتُه يشرب كأساً من الماء دفعة واحدة، طالباً من النادل كأس ماء جديدةً.. مُعقّباً: مياه تركيا هي الأعذب والأطيب.. عليك شربها والإكثار من شربها يا صديقي أحمد. كان جدّي يقول لي "ماء تركيا تطيل العمر، وكذلك تينها الأبيض"، وأنا أتبع نصيحة جدّي بحذافيرها. ثمّ عاد محدّثي إلى جوّ الكتابة ليقول: الكتابة عندي بمثابة الحاجة إلى الماء والطعام، بل والتنفّس المفتوح... وكلّ ما يهمّني الآن، كما في السابق، وبالتأكيد في اللّاحق، هو أن أزرع قلبي على الورق، لينبت ورداً نادراً في قلوب الناس.
وماذا عن الأسلوب والأسلوبيّة لديك؟ أجابني عزيز نيسين: أنا أكتب بلا أسلاف. أسلوبي هو شخصيّتي وحداثتي هي "حداثة أناضوليّة" تشبه الفجر، الفجر المطلّ كلّ يوم بأنساقٍ جديدة متجدّدة.. وماذا ينفع الفجر إذا لم تستيقظ أنتَ لالتقاطه؟!. نعم، أنا أستيقظ لالتقاط الفجر كلّ يوم.. فالفجر كتابتي.
إذن، نحن أمام "حداثة أناضوليّة" خاصّة، قوامها السهل المُمتنِع، والوضوح الإعجازي العميق، والابتعاد عن المجرّدات والفانتازيّات لذاتها. وكان يكرِّر أمامي أنّ الأسلوبيّة عنده، هي بمثابة تجاوُز أساليب الآخرين.. كلّ الآخرين في تركيا والعالَم، وخصوصاً في الغرب الأوروبي، وتحديداً في فرنسا التي كان لها أثرها على تيّار "آداب جديدة" التركي ومجلّته "ثروة الفنون" التي كانت تركِّز على الاتّجاه البرناسيّ في الشعر والأدب، وهجْر الوجدانيّات والعاطفيّات.
مقطع القول، كان عزيز نيسين لا يأبه لكلّ ما يجري حوالَيه من صراعات أدبيّة ونقديّة. لقد ظلَّ مُتحرّراً تماماً من كلّ تصوّر يقول إنّ الحداثة الغربيّة بطُرزها الكتابيّة، هي الأنموذج الذي يجب أن يُحتذى. ظلّ هكذا يفور في السخريّة والسخريّة تفور فيه، ولا يُقدّم إلّا نسيج نفسه في كتابةٍ لا تحتفي إلّا بالجسديّ والحسيّ والحدسيّ، ودائماً على حساب الإنشائي التزويقي والتركيبي المِخيالي.
وبما أنّنا في السخريّة وعصبها عنده، وبما أنّ جوهر السخريّة لديه هو الابتكار والإبداع، أتذكّر أنّني سألته عن مَصادرها العميقة فيه، فردّ قائلاً، إنّ أوّل مَصدر، هو نفسه الجيّاشة بالمُعاناة، وقراءة الواقع من حوله قراءة ضدّيّة تُناسِب انحرافاته وغرائبيّته ولامعقوليّته.
وثانياً جدّه الأميّ الذي علّمه تجنُّب الصمت الجلّاب للحزن القاتل، وذلك بأخذ الحياة كلّها على أنّها فكاهة بفكاهة، ولكنْ بشرط مُلزم لازب، هو مُواجَهة الظلم والقبح والاستبداد، وبشجاعة مرادفة لحكمة تقول، إنّ مَن يتأثّر بالإهانة، يُصابُ بها.
أمّا المصدر الثالث لسخريّته، فهو الأدب الشعبي التركي (ولاسيّما أطاريح نصرالدّين خوجة أو جحا التركي) والأمثال الشعبيّة التركيّة، الغنيّة جميعها بالدروس والتجارب الحياتيّة والإنسانيّة التي تهيّىء القلوب دوماً لمُراقَبة العقول والنفوس، وتجنِّب الخلط بين المكر والحكمة.. وتحبيذ القوانين الطبيعيّة على القوانين البشريّة، وبأنّ الكلّ يحتاج إلى مُساعدة الكلّ. فالمؤلم لنا كبشر جميعاً، ليس ما نحن عليه، بل ما لا نستطيع أن نكونه.

إضافة تعليق