مفهوم الحروب الصليبية في أوروبا ومقدماتها

عرفت الحروب الصليبية في التاريخ الأوروبي والإسلامي معا بأنها تلك المعارك التي قادتها الكنيسة المسيحية خلال أربعة قرون، من القرن الحادي عشر إلى القرن الخامس عشر للميلاد، ضد العالم الإسلامي في المشرق تحت غطاء تحرير بيت المقدس. واختلف تفسير الحروب الصليبية بحسب العصور، فمفكرو العصر الوسيط كانوا يعتبرون الحروب الصليبية إما حروبا مقدسة تهدف إلى تحقيق أغراض مقدسة بتوجيه من الرب الذي وكل هذه المهمة إلى البابا، خليفته على الأرض، وإما أنها رحلة للحج إلى الأماكن المقدسة وراء البحار لغفران الخطايا، وكان يطلق على كل من يقوم بهذه الرحلة لقب"الحاج الفقير"، أما الحملات المسلحة لأغراض الهجوم أو الدفاع فكان يطلق عليها اسم"الحج الجماعي"، وهي تعني الحملة الصليبية. وفي القرن الثامن عشر بدأ مفكرو عصر النهضة بأوروبا يعتبرون تلك الحروب دليلا على انفجار روح التعصب في المجتمع المسيحي خلال العصور الوسطى، ورأوا أنها تلقي ضوءا على عقلية ذلك العصر التي لم تكن تقبل مناقشة الآراء والمعتقدات.
أما مصطلح الحرب الصليبية فلم يظهر إلا في القرن السابع عشر للميلاد على يد الباحث الانجليزي توماس فوللر الذي وضع أول دراسة حول تلك الحروب، بيد أن فوللر أطلق أيضا على تلك الحروب تسمية الحرب المقدسة، إذ ألف كتابا بعنوان "تاريخ الحروب المقدسة"، وهو المصطلح الذي كان رائجا قبل ذلك التاريخ لترجمة الواقع السياسي والعسكري فيما بين القرنين الحادي عشر والخامس عشر في أوروبا.
تزامنت تلك الأوضاع مع الأزمة التي كانت تعيشها الكنيسة الكاثوليكية في عهد البابا جريجوريس السابع(1015ـ1085) في مواجهة الإمبراطور هنري الرابع(1050ـ1106)، فقد كان هذا الأخير يسعى إلى فرض سلطته الزمنية على السلطة الروحية للكنيسة، بينما كان البابا يريد جعل السلطة الزمنية تحت يده بدعوى تفوق الشرعية الروحية على الشرعية الزمنية. وقد وضعت الكنيسة نصب عينيها هدفا تريد الوصول إليه وهو"تحرير الكنيسة" من الأباطرة والعلمانيين، وتوطيد سلطة البابا الملوكية داخل الكنيسة وفرض وصايته على جميع الملوك، وهي المواجهة التي استمرت لسنوات وأطلق عليها اسم"معركة الخلافة"، واستمرت قرابة نصف قرن، وانتهت بانتصار البابوية على الإمبراطور. وقد رتبت نتائج ذلك الصراع وضعا جديدا في أوروبا المسيحية، بحيث انقلبت المعادلة بين السلطتين الروحية والزمنية، وأصبحت سلطة البابا الروحية المقدسة لا يجادل فيها أحد، فقد كان جميع ملوك أوروبا يجلونه ويلتمسون عنده الحظوة ويحاولون التقرب إليه بشتى الأعمال لكي يحصلوا على اللقب الديني، وهكذا حصل ملك فرنسا مثلا على لقب"صاحب الجلالة المسيحي جدا"، وملك إسبانيا على لقب"صاحب الجلالة الكاثوليكي جدا"، وملك البرتغال على لقب"صاحب الجلالة المخلص للغاية".
بعد خروج الكنيسة الكاثوليكية من الأزمة السياسية التي نشبت بينها وبين الملوك الأوروبيين وإعادة بسط نفوذها الروحي على أوروبا، شرعت في شن حملات ضد الفرق المسيحية الأخرى التي تتهمها بالهرطقة والضلال، وقد سميت تلك الحروب حروبا صليبية لأن الكنيسة كانت تقول بأن الرب هو الذي أرادها، وبأن الهدف منها هو رد الاعتبار للصليب والانتصار للمسيح، لذلك فإن الحروب الصليبية نشأت في البداية كحروب مسيحيين ضد مسيحيين، من أجل وحدة الكنيسة قبل أن تتحول إلى حروب ضد المسلمين في الشرق.
وقد جاءت الحروب الصليبية ضد المسلمين في القرن الحادي عشر الميلادي كتتويج لمسار طويل من الحروب المقدسة داخل أوروبا فيما بين الطوائف المسيحية نفسها، قبل أن يتم نقل هذه الحروب من الغرب إلى الشرق(6)، مدفوعة بعقيدة ثابتة لدى المسيحيين وهي العودة إلى أرض المسيح في فلسطين، ذلك أن هذه الأرض المقدسة شكلت بالنسبة للمسيحيين رمزية دينية كبيرة، ليس فقط لأن الكتاب المقدس قد تحدث عنها، بل كذلك بسبب"المسيح المخلص" نفسه الذي ترمز إليه، لأنه ولد وقام بدعوته ومات بها، وكانت العودة إلى تلك البقعة من الأرض بالنسبة للمسي
الهوامش
1- عزيز سوريال عطية: الحروب الصليبية وتأثيرها على العلاقات بين الشرق والغرب. ترجمة: فيليب صابر سيف. مراجعة: أحمد. خاكيالطبعة الثانية 1990، دار الثقافة، القاهرة. ص 7.
2- قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية. ص 12.
3- سيد أمير علي: مختصر تاريخ العرب. نقله إلى العربية: عفيف البعلبكي. دار العلم للملايين، بيروتن الطبعة الرابعة 1981، ص ص: 281ـ 282.
Jean Flori :Guerre sainte, jihad, croisade. Violence et religion dans le christianisme et lislam. Editions du Seuil, 2002.p190 -4..
5- ويتلر: الهرطقة في المسيحية، تاريخ البدع والفرق الدينية المسيحية. ترجمة: جمال سالم. دار التنوير، بيروت. الطبعة الثانية، 2010. ص 109.
Jean Flori.p 226 -6
7- نفسه، ص 262-263
حيين تعني الرجوع إلى المهد الأول الذي نشأ فيه المسيح عليه السلام، معتقدين بأن المسيح سيفتح لهم أبواب السماء من هناك(7).

إضافة تعليق